لن أبقى في المنزل.
سأذهب إلى مكتب التصويت، وأشارك في العملية الانتخابية، لأن التصويت واجب وطني وممارسة مواطنة.
لكنني قد أضع ورقة بيضاء.
لماذا؟
لأن التصويت لا يعني بالضرورة منح صوتي تلقائياً لأحد المرشحين.
التصويت اختيار. وعندما لا ينجح أي مرشح في إقناعي، يمكن للورقة البيضاء أن تصبح وسيلة للمشاركة في الانتخابات، مع التعبير في الوقت نفسه عن عدم الرضا عن العرض السياسي المتاح.
لكن ينبغي توضيح نقطة مهمة: في المغرب، لا تُحتسب الورقة البيضاء قانونياً باعتبارها صوتاً لفائدة أحد المرشحين.
ولذلك فإن دلالتها تظل أساساً مواطنية وسياسية ورمزية.
الانتخابات ليست حفلاً للزفاف
تدخل مرشحة إلى قاعة للحفلات وسط الزغاريد والتصفيق وأجواء تشبه إلى حد كبير حفلاً للزفاف أكثر مما تشبه لقاءً سياسياً.
لماذا لا؟
للفرح والأجواء الاحتفالية مكانهما في الحملات الانتخابية.
لكن الانتخابات ليست عرساً.
المواطن لا يبحث فقط عن الأجواء الصاخبة والزغاريد والتصفيق.
إنه يريد أن يعرف ماذا سيُفعل من أجله: ماذا عن الصحة؟ التعليم؟ التشغيل؟ النقل؟ السكن؟ الإدارة؟ البيئة؟ والتنمية المحلية؟
السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى مسابقة في ارتفاع الأصوات، بل إلى منافسة في المشاريع والكفاءة والنزاهة والنتائج.
فالمواطن ليس مجرد متفرج في مهرجان انتخابي.
إنه الشخص الذي يمنح، لفترة محددة، جزءاً من سلطته لمن ينتخبه.
هل التزكية مجرد محطة للعبور إلى البرلمان؟
هناك مشهد آخر: مرشح يطلب تزكية حزبه للترشح، فلا يحصل عليها. فينتقل إلى حزب آخر ويترشح باسمه.
حرية الترشح حق لا نقاش فيه. لكن السؤال السياسي يبقى مشروعاً: هل تغيرت القناعات فعلاً، أم تغير فقط المكان على اللائحة؟
الحزب لا ينبغي أن يعتبر المرشح ملكاً له.
لكن المرشح، في المقابل، لا ينبغي أن ينظر إلى الحزب باعتباره مجرد مركبة انتخابية قابلة للاستبدال.
الديمقراطية تحتاج إلى المنافسة، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى المبادئ والقناعات.
ومن حق المواطن أن يسأل:
هل وراء هذه الترشح رؤية سياسية ومشروع لخدمة المواطنين؟
أم أن الأمر يتعلق أساساً بطموح شخصي للوصول إلى منصب؟
أين حصيلة الولاية السابقة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.
تنتهي الولاية البرلمانية، ويعود المنتخب السابق طالباً أصوات المواطنين من جديد.
لكن ماذا قدم خلال الولاية الماضية؟
كم مقترح قانون تقدم به؟
كم سؤالاً طرح؟
ما الملفات التي دافع عنها داخل دائرته الانتخابية؟
ما المشاكل التي ساهم في حلها؟
ما الوعود التي تحققت؟
وما الوعود التي لم تتحقق؟ ولماذا؟
وأين هي الوثيقة البسيطة التي تمكن المواطن من تقييم العمل المنجز بموضوعية؟
لا ينبغي للمنتخب أن ينتظر الحملة الانتخابية المقبلة حتى يعود إلى المواطنين طالباً أصواتهم.
المساءلة ينبغي أن ترافق الولاية بأكملها، لا أن تظهر فقط عشية الانتخابات.
فالمواطن لا يريد أن يسمع فقط:
«صوّتوا لي».
بل يريد أيضاً أن يسمع:
«هذا ما فعلتُه بأصواتكم».
التصويت ليس شيكاً على بياض
التصويت فعل ثقة.
لكن الثقة لا تُفرض ولا تُعلن بقرار. إنها تُبنى بالقرب من المواطنين، والكفاءة، والشفافية، والنتائج.
خلال الحملات الانتخابية، يخرج المرشحون إلى الناس، يصافحونهم، يزورون الأحياء، ويقدمون الوعود.
لكن ماذا يحدث في اليوم التالي للانتخابات؟
هنا يبدأ، في الحقيقة، العقد الديمقراطي.
ينبغي أن يظل المنتخب قريباً من المواطنين، متاحاً لهم، يشرح قراراته، ويقدم حصيلة عمله.
فالولاية الانتخابية ليست ملكية شخصية، وإنما مهمة مؤقتة ائتمن المواطن المنتخب عليها.
الورقة البيضاء أم العزوف، رسالتان مختلفتان
هناك فرق بين عدم الذهاب إلى التصويت وبين الذهاب إلى مكتب التصويت ووضع ورقة بيضاء.
العزوف قد يعني:
«أنا لا أشارك».
أما الورقة البيضاء فقد تعني:
«أنا أشارك، لكن أياً من العروض السياسية المقدمة أمامي لم يقنعني بما يكفي لأمنحه صوتي».
وهذا الفرق يستحق أن يُسمع.
فالمواطن الذي يتوجه إلى مكتب التصويت يؤكد أن الانتخابات تهمه.
لكنه يستطيع، في الوقت نفسه، أن يقول إن العرض السياسي المقترح لا يستجيب لتطلعاته.
وهنا يمكن للورقة البيضاء أن تتحول إلى جرس إنذار موجه إلى الطبقة السياسية: «أقنعوني».
لكن الورقة البيضاء لا ينبغي أن تكون مجرد رد فعل غاضب أو احتجاجاً عابراً.
ينبغي أن تسبقها لحظة تفكير:
اقرأ البرامج، استمع إلى المرشحين، افحص حصيلتهم.
قارن بين مقترحاتهم. افهم قضايا دائرتك الانتخابية.
ثم اتخذ قرارك.
فالورقة البيضاء لا تكتب معناها الحقيقي إلا عندما تكون نتيجة اختيار واعٍ ومدروس.
ماذا لو قدم كل منتخب حصيلته؟
فلنتخيل ثقافة سياسية جديدة.
قبل كل انتخابات، يقدم كل منتخب منتهية ولايته وثيقة بسيطة بعنوان : «ولايتي بالأرقام».
تتضمن مقترحات القوانين التي تقدم بها، والأسئلة البرلمانية التي طرحها، وتدخلاته، والملفات التي دافع عنها، والالتزامات التي نفذها، وتلك التي لم ينفذها، مع توضيح أسباب الإخفاق إن وُجدت.
عندها يستطيع المواطن أن يقارن بين المرشحين على أساس يتجاوز الاسم والشهرة والانتماء الحزبي والقدرة على حشد الجماهير.
ويصبح بإمكانه أن يصوت بناءً على الحصيلة والمشروع.
أنا لا أصوّت ضد أحد
إذا وضعت ورقة بيضاء، فأنا لا أصوّت بالضرورة ضد مرشح معين.
لا أريد إهانة أحد.
ولا أريد مقاطعة الديمقراطية.
أنا أقول ببساطة: «لم يقنعني أيٌّ منكم بما يكفي».
وهذه الرسالة ينبغي أن تُسمع.
فالديمقراطية السليمة لا ينبغي أن تكتفي بعدّ الأصوات التي حصل عليها كل مرشح.
بل ينبغي أيضاً أن تسأل:
لماذا لم يجد بعض المواطنين شخصاً يثقون به ويمنحونه أصواتهم؟
لذلك، نعم، سأصوّت.
لأنني أؤمن بالتصويت.
لكنني قد أضع ورقة بيضاء.
لأنني أؤمن أيضاً بأن صوتي ليس هدية، وإنما مسؤولية.
أما الثقة، فلا تُطلب فقط... بل تُستحق.
فالورقة البيضاء ليست بالضرورة ورقة فارغة.
قد تحمل رسالة شديدة الوضوح:
«أقنعوني. حاسبوني. قدموا لي نتائج. وعندها، ربما، أمنحكم صوتي».






