وإضافة إلى ما أثاره إيقاع البيان وكذا كلام الطالبي، من جدل وسجال في الساحة السياسية المملوءة ضجيجاً في الوقت الراهن، هناك إشارات نعتقد في أهميتها انسجاماً مع السياق العام المؤطر للاستحقاقات وللانتفاضة الكلامية والاحتجاجية لحزب الأحرار، إذ يقوم هذا الخطاب على اتهام حزب الجرار بممارسة الاستمالة والاستقطاب داخل صفوف الحزب، بما في ذلك محاولة استقطاب أحد أعضاء مكتبه السياسي... كما يُفهم مما نُسب إلى الطالبي أن بؤرة المشكل، بالنسبة إليهم وإلى آخرين، تكمن في التحاق لقجع بحزب التراكتور، وما مثّله ذلك من دفعة أو "دوباج" سياسي لفائدته، الأمر الذي بدأ يثير جدلاً وعكساً وتكهنات مبكرة حول نتائج الانتخابات قبل انطلاقها. غير أن اللافت في كل ذلك، ليس فقط ما يقال، بل ما يكشفه القول نفسه: فالأغلبية، التي ما تزال أغلبية، تتصرف كما لو أنها تطارد شيئاً يتقدمها باستمرار. شيء يشبه ظلها. كلما اقتربت منه ابتعد، وكلما ظنت أنها أمسكت به اكتشفت أنه مجرد صورة أخرى لها.
ثم إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد والمستوى، بل امتد إلى استباق تشكيل الحكومة المقبلة، من هوية رئيسها المحتمل إلى توزيع الحقائب الوزارية على نفس الأشخاص المنشطين لبطولة اللعبة الحزبية ذاتهم، وفق أجندات الاستوزار "المرسكلة" ..(والله وزارة المالية لا شافها...)
هكذا قال الطالبي عن لقجع ...
وهكذا تبدو، أو يراد لها أن تكون، عمليات تقنية تروم إعادة تدوير الوجوه نفسها، والأحزاب نفسها، أو الوكالات الانتخابية نفسها. مع تغيير بعض الأدوار فقط، من أجل التقاط صور جديدة تليق بظرفية مؤقتة، أكثر مما تعكس تحولاً حقيقياً في المشهد السياسي.
هكذا تتحول الانتخابات، قبل أن تبدأ، إلى حكاية تُروى بصيغة الماضي. وتتحول الحكومة المقبلة إلى صورة معلقة على جدار التوقعات، بينما لا يزال الناخب بعيداً عن المشهد، كأنه آخر من يُستشار في أمره.
فهل نحن أمام تنافس انتخابي مبكر؟ أم أمام أغلبية بدأت تنظر إلى مرآتها أكثر مما تنظر إلى خصومها؟
في السياسة كما في المرايا، ليس أخطر ما يواجه المرء خصمه، بل أن يختلط عليه الفرق بينه وبين ظله.






