تحليل

الاستعمار والإيديولوحية الاستعمارية الإسبانية في المتوسط، من خلال حالة سبتة ومليلية

مصطفى الغاشي (أستاذ التعليم العالي)
يسعى هذا الموضوع الى قراءة تاريخية واستراتيجية لقضية سبتة ومليلية خارج الاختزال التقليدي الذي يحصرهما في سؤال «مدينتين محتلتين» فقط. فالأعمق هو مساءلة الأيديولوجية الاستعمارية الإسبانية في المتوسط: كيف نشأت؟ كيف أعادت إنتاج نفسها؟ وكيف انتقلت من الاحتلال العسكري المباشر إلى أنماط أكثر تركيبًا من الشرعنة القانونية الرمزية والجيوستراتيجية.

ان سبتة ومليلية ليستا مجرد بقايا جغرافية من الاستعمار الأوروبي، بل تمثلان استمرارًا تاريخيًا لمنطق استعماري أعاد تكييف نفسه مع الدولة الإسبانية الحديثة ومع النظام الدولي المعاصر.

فالمشكلة ليست فقط في استمرار السيطرة الإسبانية، وإنما في التحول الذي طرأ على معنى السيطرة: من منطق الفتح العسكري إلى منطق «الوجود التاريخي»، ومن القوة إلى القانون، ومن الاحتلال إلى «الاندماج الوطني»، ومن الحدود الاستعمارية إلى حدود أوروبية.

وهنا تصبح الحالة المغربية–الإسبانية مدخلًا لدراسة أوسع: هل انتهى الاستعمار فعلًا في المتوسط، أم أن بعض أشكاله أعادت إنتاج نفسها داخل النظام الدولي لما بعد الاستعمار؟

اولا، من استعمار المتوسط إلى «أوربة» المجال، لقد كان المتوسط، خلال القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، فضاءً للتوسع الأوروبي، وليس مجرد مجال للتبادل الحضاري. فإسبانيا، مثل البرتغال وفرنسا وإيطاليا، بنت جزءًا من قوتها المتوسطية على السيطرة على مواقع استراتيجية. وفي هذا السياق اكتسبت سبتة ومليلية قيمة تتجاوز حجمهما الجغرافي ك: التحكم في المضائق والممرات البحرية؛ تأمين المجال المتوسطي الغربي؛مراقبة الساحل المغربي؛ حماية المجال الأندلسي؛ وبناء نقاط ارتكاز للتوسع الإسباني في شمال إفريقيا.

ومن هنا، فإن قراءة المدينتين باعتبارهما «موقعين إسبانيين في إفريقيا» تخفي سؤالًا تاريخيًا أعمق: كيف تحولت السيطرة العسكرية إلى رواية تاريخية تزعم أن وجود الدولة الإسبانية في المدينتين أصبح طبيعيًا وغير قابل للمراجعة؟

ثانيا، الأيديولوجية الاستعمارية لا تختفي بانتهاء الاحتلال، ان أحد الأخطاء المنهجية هو مساواة نهاية الاستعمار بانتهاء الأيديولوجية الاستعمارية. فالاستعمار يمكن أن ينتهي باعتباره نظامًا إداريًا وعسكريًا، بينما تستمر بعض مفاهيمه في: اللغة، والخرائط، والتعليم، والقانون، والذاكرة الجماعية، والخطاب السياسي والإعلامي. وفي حالة سبتة ومليلية يمكن دراسة هذه الاستمرارية من خلال ثلاث آليات:

1- التاريخنة، أي تحويل واقعة السيطرة القديمة إلى «حق تاريخي».

2- التطبيع، أي التعامل مع الوضع القائم باعتباره أمرًا طبيعيًا لمجرد أنه استمر فترة طويلة.

3- الأوربة، أي إعادة تقديم المدينتين باعتبارهما جزءًا من المجال الأوروبي، بحيث تصبح المسألة في الوعي السياسي أقل ارتباطًا بتاريخ الاستعمار وأكثر ارتباطًا بأمن الاتحاد الأوروبي وحدوده. وهذه النقطة الأخيرة من الاهمية بما كان.  

ثالثا، من «المستعمرة» إلى «الحدود الأوروبية»، وفي هذا الاطار، يمكن القول إن إحدى أهم التحولات التي طرأت على قضية سبتة ومليلية هي انتقالها من المجال الاستعماري إلى مجال الأمن والهجرة والحدود الأوروبية.

فالسياج، وحراسة الحدود، ومراقبة الهجرة، والتعاون الأمني، أصبحت عناصر مركزية في إنتاج معنى جديد للمدينتين. وهكذا تتراجع صورة: إسبانيا القوة الاستعمارية لمصلحة صورة إسبانيا الدولة الأوروبية التي تحمي حدود الاتحاد الأوروبي. وهذا التحول الخطابي ليس محايدًا؛ لأنه يعيد صياغة السؤال نفسه.

فبدل أن نسأل: كيف انتهى الاستعمار في شمال إفريقيا؟

نجد أنفسنا أمام سؤال آخر، كيف أصبحت الحدود التي نشأت في سياق استعماري جزءًا من هندسة الحدود الأوروبية الحديثة؟ وهنا تكمن إحدى أهم مداخل «الرؤية الجديدة».

رابعا، سبتة ومليلية: اختبار لمفهوم «ما بعد الاستعمار»، 

انه بامكان الحالة المغربية (سبتة ومليلية) أن تقدم مساهمة مهمة في الدراسات ما بعد الاستعمارية. فالكثير من الأدبيات تتعامل مع الاستعمار باعتباره مرحلة تاريخية انتهت مع استقلال الدول الإفريقية والآسيوية.

لكن سبتة ومليلية تطرحان سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما يستمر جزء من الجغرافيا الاستعمارية داخل دولة أوروبية بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية؟ ان هذه الحالة تجعلنا أمام مفارقة كبيرة، فالمغرب دولة مستقلة منذ 1956؛ وإسبانيا دولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي؛ ومع ذلك تستمر السيادة الإسبانية على مدينتين تقعان جغرافيًا على الساحل الإفريقي. وبالتالي، فإن القضية تكشف الفجوة بين الجغرافيا السياسية والجغرافيا التاريخية.

5. هل نحن أمام «استعمار بلا مستعمرات»؟

ان حالة سبتة ومليلية تستخق ان تستهم في تطوير مفهوم تحليلي للاستعمار والايديولوجية الاستعمارية، 

وهو «الاستعمار المتبقي». والمقصود به الحالات التي تختفي فيها البنية الاستعمارية التقليدية، بينما تستمر نتائجها الجغرافية والسياسية والقانونية. وقد يكون من المفيد هنا التمييز بين: الاستعمار الكلاسيكي والاستعمار المتبقي: احتلال عسكري مباشر سيادة مستمرة، إدارة استعمارية إدارة وطنية/أوروبية، خطاب التوسع خطاب التاريخ والشرعية، السيطرة على السكان التحكم في الحدود، منطق الإمبراطورية منطق الدولة الأوروبية

القوة العسكرية القانون والأمن والهجرة. 

وبهذا المعنى، لا ينبغي أن تكون المقاربة مجرد مرافعة سياسية حول مغربية المدينتين، بل كشفا لكيفية بقاء بعض البنى الاستعمارية داخل نظام دولي يفترض أنه تجاوز الاستعمار.

6. المغرب وإسبانيا: من نزاع السيادة إلى إعادة تعريف المتوسط، ان الرؤية الجديدة يجب ان لا تنطلق من السؤال هل سبتة ومليلية مغربيتان أم إسبانيتان؟ فهذا السؤال مشروع سياسيًا وتاريخيًا، لكنه لا يكفي أكاديميًا.

والأفضل أن نسأل كيف أنتج التاريخ الاستعماري الوضع الجيوسياسي الحالي؟ وكيف أعادت الدولة الإسبانية والمغرب والنظام الأوروبي إنتاج هذا الوضع وتفسيره؟

ومن هنا يمكن الانتقال من مقاربة ثنائية المغرب/إسبانيا إلى مقاربة ثلاثية: المغرب، إسبانيا، الاتحاد الأوروبي. بل ويمكن توسيعها إلى المغرب، إسبانيا، الاتحاد الأوروبي، المتوسط، النظام الدولي. وهذا يحول القضية من ملف ثنائي إلى مختبر لدراسة العلاقات بين الاستعمار والحدود والسيادة والأمن والهجرة والذاكرة.

7. نحو مقاربة جديدة: «تفكيك الاستعمار في المتوسط»

ان الرؤية الجديدة يمكن أن تقوم على خمسة مستويات:

الأول: التاريخ، من خلال تفكيك السرديات التي تبرر استمرار الوجود الإسباني.

الثاني: القانون الدولي، من خلال دراسة العلاقة بين تصفية الاستعمار، وتقرير المصير، والسيادة، والوضع القانوني للأقاليم محل النزاع.

الثالث: الجغرافيا السياسية، من خلال تحليل موقع سبتة ومليلية في الاستراتيجية الإسبانية والأوروبية في المتوسط.

الرابع: الذاكرة، من خلال دراسة كيف تُدرَّس وتُعرض قصة المدينتين في المغرب وإسبانيا.

الخامس: الإعلام والوعي الجماعي، من خلال تحليل كيفية انتقال الخطاب من «الاستعمار» إلى «الهجرة» و«الأمن» و«الحدود الأوروبية».

8. الرؤية الجديدة لا تعني فقط استعادة الماضي، وهنا نعتقد أن أهم إضافة يمكن تقديمها هي الانتقال من خطاب استعادة الأراضي إلى خطاب إعادة بناء المعرفة.

أي أن المغرب لا يحتاج فقط إلى خطاب سياسي حول سبتة ومليلية، بل إلى: مركز بحثي متخصص في تاريخ الاستعمار الإسباني في شمال إفريقيا من خلال، رقمنة الأرشيفات المغربية والإسبانية ذات الصلة؛ بناء قاعدة بيانات تاريخية للوثائق والخرائط؛ تشجيع الدراسات المقارنة حول الاستعمار الإسباني والبرتغالي والفرنسي؛

دراسة الخطاب الإعلامي الإسباني تجاه المغرب؛ إنتاج أطالس تاريخية وجغرافية للمدينتين؛ وإدماج القضية في الدراسات الجامعية المتعلقة بالاستعمار وما بعد الاستعمار. فـالمعركة المعاصرة حول الذاكرة والسيادة تُحسم أيضًا في الجامعة والأرشيف ومراكز البحث.

في الختام، من «قضية مدينتين» إلى «سؤال المتوسط»، ان سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على الخريطة المغربية–الإسبانية. بل إنهما بقايا حية لتاريخ أوروبي توسعي لم يُغلق ملفه بالكامل، ومختبر يمكن من خلاله إعادة التفكير في معنى الاستعمار في القرن الحادي والعشرين. والسؤال الأكثر أهمية لم يعد: متى ينتهي الاستعمار؟ بل: متى تنتهي الأيديولوجية التي تجعل آثار الاستعمار تبدو طبيعية؟ ومن هنا يمكن صياغة الرؤية الجديدة في معادلة واضحة: تفكيك الاستعمار ليس إنهاء للاحتلال فقط، بل تفكيك اللغة والذاكرة والقانون والخرائط والمؤسسات التي تمنح الاستعمار حياة جديدة. وبذلك تصبح سبتة ومليلية مدخلًا لإعادة قراءة الاستعمار الإسباني في المتوسط كله، لا باعتباره تاريخًا منتهيًا، وإنما باعتباره بنية تاريخية ما تزال بعض آثارها تؤثر في السياسة والجغرافيا والأمن والعلاقات الدولية حتى اليوم.