تحليل

إشكالية المحروقات في المغرب بين تقلبات الأسعار الدولية و متطلبات حماية القدرة الشرائية

محمد بنقدور (عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي)

شَكَّلَ قرار تحرير المواد البترولية السائلة في ديسمبر 2015 تحولاً هيكلياً في المنظومة الاقتصادية بالمغرب. فبعد عقود من التحديد الإداري لأسعار البيع للعموم، وُضِعَ السوق المحلي أمام قواعد العرض والطلب والارتباط المباشر بالتقلبات الدولية. وإذا كان الهدف الأولي للتحرير يتمثل في تخفيف العبء عن التوازنات الماكرو اقتصادية للمالية العمومية، فإن تطبيق هذا الخيار على مدى السنوات الماضية أبان عن إشكاليات معقدة تمس مباشرة القدرة الشرائية للمواطنين، وتطرح تحديات جسيمة أمام حكامة السوق والمنافسة الشريفة. مما أفرز اختلالات أثرت على المستهلك والنسيج الاقتصادي من بينها:


 الإشكاليات الاقتصادية وهياكل الأسعار


أظهرت تقارير لجان تقصي الحقائق البرلمانية وتقارير مجلس المنافسة ارتفاعاً ملحوظاً في هوامش أرباح الموزعين مقارنة بإنهاء نظام الدعم، حيث لم يتطابق انخفاض الأسعار الدولية دائماً مع الأسعار في محطات الوقود الوطنية بنفس السرعة والمقدار.


غياب المرونة العكسية (الجمود عند الانخفاض): يتجلى هذا التحدي في سرعة رفع الأسعار محلیاً بمجرد ارتفاع السعر الدولي مقابل البطء الشديد في خفضها عندما تتراجع أسعار النفط والتكرير عالمياً.


ارتفاع كلفة الإنتاج والمواد الاستهلاكية: تسبب تحرير الوقود في زيادة تكاليف النقل واللوجستيك، مما انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية وارتفاع معدلات التضخم.


 الإشكاليات التنظيمية والمنافسة:


عدم جاهزية الإطار القانوني والمؤسساتي: جرى تطبيق التحرير قبل استكمال الترسانة القانونية لمراقبة أسعار التوزيع وقبل إصدار النصوص التنفيذية الخاصة بتأطير وتفعيل نظام المخزون الاستراتيجي.


ضعف المنافسة والتركيز شبه الاحتكاري: تتشكل سوق التوزيع بالمغرب من عدد محدود من الفاعلين الأساسيين الكبار، مما طرح تساؤلات ومؤاخذات قانونية حول شبهة "الممارسات المنافية للمنافسة" والاتفاقات الضمنية لتحديد الأسعار (وهو ما أدّى لاحقاً لإصدار عقوبات وتسويات مالية من طرف مجلس المنافسة).


تعطيل قدرات التكرير الوطني: تزامن التحرير مع توقف مصفاة "سامير" بالمحمدية سنة 2015، مما حرم البلاد من آلية امتصاص الصدمات الاستيرادية والتكرير المحلي، وتحويل المغرب كلياً إلى سوق مستوردة للمواد المكررة الجاهزة.


 الإشكاليات الاجتماعية والسياسات العمومية


غياب شبكات الأمان الاجتماعي المباشرة: ألغيت آلية دعم المحروقات دون التفعيل الفوري والكامل لشبكات الدعم المالي المباشر للأسر المعوزة في ذلك الوقت لمواجهة الغلاء.


تحميل الفئات الهشة والوسطى العبء الأكبر: أصبحت الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط عرضة مباشرة للتقلبات الجيوسياسية للأسواق الدولية دون وجود كابح للأسعار.


الضغط على قطاع المهنيين والنقل: عانى قطاع نقل البضائع والمسافرين من عدم استقرار التكاليف، ما اضطر الدولة لاحقاً لإقرار دعم استثنائي متقلب ومؤقت لمهني النقل للحد من الإضرابات وتغطية فارق السعر.


لذلك اعتبرت الجامعة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك بالمغرب ان المحروقات في المغرب ليست مجرد مسألة مرتبطة بثمن لتر من الغازوال أو البنزين، بل أصبحت قضية تمس مباشرة القدرة الشرائية للمغاربة، وتطرح عدة تساؤلات حول شفافية السوق وفعالية الرقابة وحماية المستهلك.


 


السؤال الأول هل كانت هناك مواكبة لما بعد 2015 لامتصاص صدمة تحرير الأسعار؟


مع الاسف الجواب انه لم تكن هناك مواكبة فعالة ومخطط لها بعد تحرير أسعار المحروقات نهاية 2015، بل اتسمت هذه المرحلة بـ "فراغ تنظيمي ومؤسساتي" أقرّت به التقييمات الرسمية والبرلمانية لاحقاً حيث تم التحرير الكلي للأسعار دفعة واحدة دون تفعيل الإجراءات المصاحبة التي كان ينبغي أن تضمن التوازن بين حرية السوق وحماية المستهلك والأمن الطاقي، فمن مظاهر غياب المواكبة الفعالة بعد التحرير:


تأخر أدوار مجلس المنافسة: ظل المجلس جماداً لسنوات 2015 بسبب تأخر تعيين أعضائه وتجديد هيئته، مما حرم السوق من آلية تتبع هوامش الأرباح والسلوك التنافسي للشركات ففسح المجال لتضخم هوامش أرباح شركات التوزيع دون رقابة رادعة.


عدم تطبيق السقف الموقت: لم تُستعمل الصلاحيات التي يتيحها قانون حرية الأسعار والمنافسة (المادة 4) للتدخل المؤقت وسقف الأسعار أو هوامش الربح عند وقوع اضطرابات دولية حادة


عدم إرساء شبكات أمان اجتماعي فورية: كان الهدف المعلن من التحرير هو توفير ميزانيات المقاصة لتوجيهها نحو الدعم المباشر، غير أن التحرير طُبق فوراً بينما تأخر الدعم الاجتماعي المباشر للأسر لسنوات طويلة، مما جعل المواطن في مواجهة مباشرة وتقلبات الأسعار الدولية.


الفشل في فرض وتتبع "المخزون الاستراتيجي": غاب التتبع الصارم لإلزام الشركات بالحد الأدنى القانوني (60 يوماً)، مما جعل المخزون الفعلي للمواد الأساسية الغازوال يتأرجح بين 30 و45 يوما ربط كما تُرك استثمار التخزين بيد الموزعين دون إنشاء "مخزون استراتيجي سيادي" مملوك للدولة للتدخل في حالة الطوارئ، بالإضافة الى إهمال الاستثمار في البنية التحتية للتخزين إذ لم تُرافق التحرير سياسة عمومية ملزمة لبناء درات تخزين سيادية فألقي عبء المخزون القانوني (60 يوماً) كلياً على عاتق شركات التوزيع الخاصة، دون تفعيل آليات الزجر أو المراقبة الصارمة لمدى التزامها بهذه الآجال.


تغييب رؤية بديلة لتوقف التكرير المحلي: تزامن التحرير مباشرة مع توقف مصفاة "سامير"، ولم تُقدم الحكومة آنذاك خطة بديلة لتأمين استيراد النفط الخام أو استغلال صهاريج المصفاة كخزان استراتيجي،


تغييب خيار التكرير الوطني: تزامن التحرير مع توقف مصفاة المحمدية دون وضع خطة استباقية لاستغلال بنيتها التحتية وتخزينها الضخم أو حسم ملفها القضائي والاستثماري بسرعة، مما جعل البلاد رهينة استيراد المواد المكررة الجاهزة ذات التكلفة الأعلى


كانت مواكبة تحرير أسعار المحروقات ضرورة استراتيجية قصوى للحد من الأضرار الناجمة عن رفع صندوق المقاصة، غير أن التتبع الحكومي والمؤسساتي شابته اختلالات وأوجه قصور عديدة جعلت التحرير يفرز نتائج عكسية على المستهلك والسيادة الطاقية


 


السؤال الثاني هل استفاد المستهلك من تدخلات مجلس المنافسة؟


لا يمكن القول إن مجلس المنافسة لم يتحرك. بعد إعادة هيكلته وتحديث إطاره القانوني (نهاية 2018 وتحديثات 2022)، محاولاً تصحيح الفراغ التنظيمي الذي أعقب قرار التحرير سنة 2015فقد فتح تحقيقات وأصدر تقارير، وانتهى في 2023 إلى تسويات تصالحية مع تسع شركات عاملة في سوق التموين والتخزين والتوزيع بالجملة للغازوال والبنزين، بمبالغ إجمالية بلغت حوالي 1.84 مليار درهم. كما قام بإرغام الشركات المعنية على التوقيع على تعهدات قانونية للتخلي عن أي تحديد مشترك للأسعار، والالتزام بمبدأ تحديد الأسعار فردياً وفق منطق المنافسة الشريفة بالإضافة الى إرساء الشفافية والتتبع الدوري من خلال إصدار تقارير فصلية تنشر بيانات دقيقة حول تركيبة الأسعار، كآلية لرصد وتحليل السوق


لكن رغم هذه المبادرات الجادة والمحتشمة، ظل الأثر المباشر على أسعار الوقود في المحطات محدود، نظراً ل:


غياب صلاحية تسقيف الأسعار: يُعتبر المجلس هيئة لضبط المنافسة وليس لتحديد الأسعار؛ إذ لا يملك قانوناً سلطة خفض السعر أو تسقيف هوامش الربح طالما تم احترام قواعد المنافسة.


بنية السوق التركيزية: تتسم سوق المحروقات بتمركزها لدى عدد محدود من الفاعلين الكبار، مما يُنتج تلقائياً تشابهاً وتوازياً في الأسعار دون الحاجة لاتفاقات صريحة.


البطء الزمني للمساطر: استغرقت التحقيقات والتسويات سنوات طويلة بعد تحرير 2015، مما جعل الأرباح المحققة في مرحلة "الفراغ الرقابي" تتجاوز الغرامات المفروضة.


وهذا ما يدفعنا لطرح اسئلة عدة: هل أصبحت المنافسة أقوى؟ هل أصبحت الأسعار أكثر شفافية؟ وهل أصبحت الانخفاضات في تكاليف المنتجات النفطية الدولية تنعكس بالسرعة نفسها على السعر في محطات الوقود؟


هنا تظهر حدود الرقابة. فالتقارير الرسمية نفسها رصدت في فترات مختلفة فروقات بين تغير تكاليف شراء المنتجات النفطية وتغير أسعار التفويت محلياً. وهذه الفروقات لا تثبت وحدها وجود مخالفة، لأن السعر يتأثر أيضاً بالمخزون والنقل والتأمين والضرائب وتوقيت الاستيراد وغيرها، لكنها تظل كافية لطرح سؤال مشروع: إذا كانت المؤسسة قادرة على رصد هذه الفروقات، فلماذا لا يحصل المواطن دائماً على تفسير واضح ومبسط لها؟ المشكلة إذن ليست في غياب العمل المؤسساتي بالكامل، بل في مدى فعاليته وأثره الملموس على المستهلك. فالرقابة التي لا تتحول إلى شفافية مستمرة، ومعلومة مفهومة، وسوق أكثر تنافسية، تظل رقابة محدودة الأثر في نظر المواطن


السؤال الثالث: من يشرح للمستهلك؟


يطرح هذا السؤال جوهر إشكالية الشفافية و التواصل العمومي في سوق المحروقات بعد التحرير، إذ يجد المواطن المغربي نفسه أمام معادلة معقدة تتبدل فيها الأسعار عند المضخة دون وجود جهة رسمية واحدة تقم بدور "المفسر والموضح" للتركيبة السعرية اليومية.


تتوزع مسؤولية الشرح والتوضيح في هذا القطاع بين عدة مؤسسات، لكل منها حدودها وأدوارها:


1. الحكومة ووزارة الانتقال الطاقي (التواصل السياسي والتنفيذي): تُعتبر الحكومة المسؤولة الأولى عن توضيح خيارات السياسة العمومية، وتفسير أسباب الارتفاعات الدولية، والتأثيرات الجيوسياسية، والتدابير المتخذة لضمان الأمن الطاقي. فيقتصر التواصل الحكومي غالباً على المداخلات البرلمانية الفصلية، أو التصريحات الصحفية الإشعارية أثناء الأزمات، دون وجود منصة تفاعلية دورية تُبسط للمواطن شهرياً كيف تؤثر أسعار النفط الخام والتكرير ومصاريف النقل على سعر اللتر عند المضخة.


2. شركات التوزيع ومحطات الوقود (التواصل التجاري): يفترض في الشركات التنافسية تقديم تفاصيل واضحة للمستهلك حول جودة الوقود والتغيرات السعرية المعتمدة. غير انها تكتفي بنشر السعر النهائي عند اللوحة الإلكترونية في المحطات، دون أي توضيح للتركيبة التي بُني عليها السعر (هامش الربح، تكلفة الاستيراد والتخزين، والضرائب).


3. مجلس المنافسة (التتبع والتحليل المستقل): يمثل الجهة الرسمية الوحيدة التي تقوم بتشخيص السوق بنوع من الحياد والشفافية العلمية. غير انه يكتفي بتقديم تقارير فصلية وسنوية تتضمن تحليلاً بالأرقام لتركيبة الأسعار، ومستويات الهوامش الربحية للشركات، وأسعار الاستيراد. ورغم أهمية هذه التقارير، إلا أنها تشكل وثائق تقنية موجهة للخبراء والمؤسسات أكثر منها رسائل تواصلية يومية تُخاطب عموم المواطنين.


4. جمعيات حماية المستهلك والإعلام (الوساطة التوعوية): تفكيك المعطيات التقنية وتبيان مدى عدالة الأسعار المعروضة وتنبيه الرأي العام للتجاوزات. لكنها تواجه تحدياً في الوصول الكامل والحيوي للبينات الفورية للواردات والتكاليف، مما يجعل قدرتها على تقديم شرح يومي دقيق محدودة مقارنة بحجم القطاع.


 


السؤال الرابع: ما الذي يحتاجه المستهلك المغربي ليفهم ما يدفعه؟


مؤشر مرجعي شفاف (Dashboard): نشر نشرة دورية سهلة القراءة تُظهر توزيع سعر اللتر (سعر المادة دولياً + الضرائب TIC و TVA + تكلفة التخزين والنقل + هامش ربح التوزيع ومحطة الوقود).


ناطق رسمي أو منصة رقمية: تفعيل آلية تواصلية مستمرة تشرح للمواطن أسباب الفارق بين انخفاض النفط خاماً (مثل Brent) وسعر المشتقات المكررة (الغازوال والبنزين) في أسواق التكرير العالمية.


ربط السعر بالمخزون: توضيح كيف تدار شحنات الاستيراد المتفاوتة السعر داخل صهاريج التخزين الوطنية لمنع الانعكاس الفوري والسريع للزيادات الدولية مقابل البطء في عكس الانخفاضات فالمواطن لا يتابع أسعار النفط العالمية ولا تفاصيل تكاليف الاستيراد والتخزين. هو يرى ثمن الوقود في المحطة، ثم يلمس أثره في أسعار النقل، والخضر، والمواد الغذائية، والخدمات.


 السؤال الأخير والأهم ما المطلوب اليوم؟


تتحدد المطالب الأولية والخطوات الاستراتيجية المستعجلة اليوم في 4 محاور أساسية:


إعادة هيكلة حكامة التخزين والأمن الطاقي: إطلاق المخزون الاستراتيجي السيادي وهنا يجب الفصل القانوني والتنفيذي بين "المخزون التجاري للشركات" و"مخزون استراتيجي سيادي مملوك للدولة" كما دعى له صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وايده واعطى انطلاقته بمدينة سلا للتدخل الحاسم وقت الأزمات والتقلبات الجيوسياسية.


إلزامية الـ 60 يوماً: تفعيل آليات رقابية وزجرية صارمة تُبقي القدرات التخزينية الميدانية للموزعين في حدود الحد الأدنى القانوني دون تساهل.


حسم ملف مصفاة "سامير": تسوية الوضعية القانونية والاستثمارية للمصفاة لتشغيل صهاريجها الضخمة بالمحمدية فوراً كمركز تخزين وطني، أو استئناف نشاط التكرير المحلي لتقليص كلفة الاستيراد.


ضمان الشفافية وضبط قواعد السوق: تفعيل مؤشر مرجعي للأسعار (Dashboard): وإطلاق منصة رقمية عمومية وتُبسط للمواطن تركيبة سعر اللتر عند المضخة (سعر التكرير دولياً + الضرائب + التخزين والنقل + هامش الربح) تحين دوريا وبانتظام


إنهاء "الجمود السعري العكسي": إلزام شركات التوزيع بعكس انخفاضات الأسعار الدولية بنفس السرعة والمرونة التي تُعكس بها الارتفاعات


تطبيق تعهدات مجلس المنافسة: المتابعة الدورية والدقيقة للتعهدات القانونية التي وقّعتها الشركات لمنع أي توافق ضمني أو ممارسات منافية للمنافسة الشريفة.


3. إصلاح المنظومة الجبائية: المرونة الجبائية (Fiscalité Variable): وتتطلب مراجعة الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) والضريبة على القيمة المضافة (TVA) وتخفيضهما مؤقتاً عند القفزات الحادة للأسعار الدولية لتخفيف العبء عن المستهلك النهائي.


4. تسريع البدائل الاستراتيجية: تقليص التبعية للنفط وذلك عبر تسريع مشاريع التحول الطاقي والربط الكهربائي والاعتماد على الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لتخفيض حصة المشتقات النفطية في المزيج الطاقي الوطني.


تقتضي قراءة المشهد الطاقي بالمغرب الانتقال من منطق السرد التقني إلى التحليل البنيوي لمسار التحرير، حيث يتقاطع الأمن الاستراتيجي مع المنافسة الشريفة والعدالة الاجتماعية.


لم يرافَق قرار تحرير أسعار المحروقات بسياج تنظيمي أو رؤية استباقية تحمي السوق من صدمات الأسواق العالمية. فبدلاً من إرساء مخزون سيادي مستقل وبناء آليات دعم اجتماعي موجه ومستدام، أُلقي بعبء التذبذبات الدولية كلياً على عاتق المستهلك، ممّا أوجد فراغاً حوكمياً تعمقت آثاره مع توقف التكرير المحلي.


شكّل تفعيل مجلس المنافسة خطوة حاسمة لإعادة الهيبة للمؤسسات الرقابية؛ فإصدار العقوبات المالية والتسويات القانونية ضد الشركات أرسى مبدأ عدم الإفلات من المراقبة. غير أن الطبيعة الهيكلية للمجلس كـ "ضابط للقواعد" وليس "محدداً للأسعار" جعلت أثره محصوراً في البُعد الزجري والتنظيمي، دون أن ينعكس ذلك بشكل مباشر أو ملموس على أسعار الوقود في المحطات.


تتسم سوق توزيع الوقود بالتركيز العالي، مما يفرز ظاهرة التوازي السعري التلقائي ويضعف آليات المنافسة الشريفة. وفي ظل غياب الشفافية التواصلية حول التركيبة السعرية اليومية، أصبح المستهلك الحلقة الأضعف، إذ يتحمل تكلفة التقاطع بين الجمود السعري عِند الانخفاض والسّرعة في التكيّف عِند الارتفاع.


يتطلب المسار اليوم صياغة تعاقد جديد في قطاع الطاقة؛ يوازن بين حرية الاستثمار، وصرامة الرقابة المؤسساتية، والحماية الفعالة للقدرة الشرائية للأسرة المغربية.


في النهاية، المحروقات ليست مجرد سلعة. إنها اختبار حقيقي لفعالية المنافسة ولقدرة المؤسسات على حماية القدرة الشرائية. ومجلس المنافسة لا يكفيه أن يثبت أنه يراقب؛ بل عليه أن يثبت أن رقابته تُحدث فرقاً يشعر به المواطن.


المحروقات في المغرب ليست فقط قضية أسعار؛ إنها قضية ثقة. والثقة لا تُبنى بالبيانات وحدها، بل بنتائج يشعر بها المواطن.