تحليل

ماذا لو لم يكن قانون المحاماة هو الموضوع؟ .. من شخصنة النزاع إلى مساءلة السياسة التشريعية وخطابنا عنها

مصطفى المنوزي (محامٍ بهيئة الدار البيضاء)

من وحي تحية من صديق ورفيق أكاديمي قدير جاء فيها : 

""...سلام العزيز سي مصطفى

قرات جميع ما تكتب

وفيه جهد كبير ومواكبة حثيثة

ولكن يبدو انك كتبت ما كتبت داخل الصندوق وليس خارجه من جهة ، ومن جهة اخرى أغلب ما كتب في الموضوع قرين بوزير العدل باعتباره محاميا وليس ممثلا للدولة ومن جهة اخرى هناك تضخيم للموضوع الى درجة غيابه… ارجو ان تتاح لي فرصة لقاءك لتبادل الراي ليس من موقع المحاماة والقانون وجوارهما ولكن من موقع محلل الخطاب دامت مسراتك والى الامام ..."" 

فكانت مناسبة لصياغة التفاعل التالي بمثابة نقد ونقد ذاتي : 

1. حين يصبح الخطاب النقدي نفسه موضوعًا للنقد : 

قد يكون من أصعب تمارين التفكير النقدي أن يقبل الناقد، بعد أن ينصرف إلى نقد موضوعه، بأن يجعل خطابه النقدي نفسه موضوعًا للنقد ؛ فوظيفة النقد لا تقتصر على كشف حدود خطاب السلطة أو تفكيك منطقه، بل تقتضي أيضًا مساءلة الحدود التي يرسمها الناقد لنفسه: ماذا رأينا؟ ماذا أغفلنا؟ ومن أي موقع نظرنا؟ وبأي لغة سمّينا الأشياء؟ وهل ساعدتنا كثافة الكلام على إظهار الموضوع، أم انتهت في بعض اللحظات إلى حجبه؟

من هنا تكتسب الملاحظة القائلة إننا ربما كتبنا عن قانون المحاماة «من داخل الصندوق»، وإننا بالغنا أحيانًا في تكثيف الموضوع حتى كاد يغيب خلف الخطاب المحيط به، قيمة نقدية تستحق التوقف عندها ؛ فهي لا تدعونا إلى التخلي عن التحليل القانوني والمهني، بل إلى تغيير زاوية النظر وطرح سؤال أكثر اتساعًا: ماذا لو لم يكن قانون المحاماة هو الموضوع كله، وإنما كان حالة كاشفة لموضوع أكبر منه؟

2. من قضية المحاماة إلى سؤال أكبر من القانون : 

فرض القانون رقم 66.23، بما رافق مساره من توتر مهني وتشريعي ودستوري، أن يُقرأ أولًا من داخل القانون أي من زاوية المشروعية والدستورية واستقلال المهنة والتنظيم الذاتي، ومن زاوية التوازن بين الاستقلال والرقابة، ثم من خلال مسطرة إنتاج النص وإحالته ومراقبته ونفاذه. وكان ذلك ضروريًا، لأن النص القانوني ينبغي في المقام الأول أن يُناقش بلغته ومؤسساته وآثاره ؛ غير أن الضروري ليس دائمًا كافيًا ، فحين تطول الأزمة وتتعدد القراءات والكتابات حولها، يصبح مشروعًا أن نتساءل هل نحن أمام مشكلة قانونية تخص المحاماة وحدها، أم أمام تحول أوسع في طريقة تدبير الدولة لعلاقتها بالتنظيمات المهنية والمؤسسات الوسيطة؟

فالخروج من الصندوق، بهذا المعنى، لا يعني مغادرة المحاماة، وإنما الابتعاد عنها بالقدر الذي يسمح برؤيتها داخل الصورة الأكبر.

3. من شخصنة النزاع إلى مساءلة السياسة التشريعية : 

من مخاطر الأزمات المهنية أن تكون قابلة للشخصنة ، فحين يرتبط مشروع تشريعي بوزير معين، يسهل اختزال بنية كاملة لصناعة القرار في شخصه، وينزلق تحليل السياسات والمؤسسات نحو تحليل النوايا والمواقف والخصومات ؛ غير أن الأشخاص يرحلون، بينما قد تستمر المؤسسات وآليات القرار وأنماط التفكير. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال الأساسي متعلقًا بكون وزير العدل محاميًا سابقًا أو بعلاقته الذاتية بالمحامين، وإنما بالموقع المؤسستي الذي يتحدث منه، وبالسياسة التشريعية التي يمثلها ويدافع عنها داخل منظومة أوسع منه ؛ فالوزير ليس الدولة، لكنه في ممارسة اختصاصاته ليس مجرد شخص منفصل عنها؛ إنه فاعل مؤسستي داخل بنية لإنتاج القرار. ومن هنا يصبح السؤال الأقل أهمية: ماذا يريد الوزير من المحامين؟ بينما يصبح السؤال الأعمق: ماذا تريد السياسة التشريعية من التنظيم المهني؟ وأي تصور للعلاقة بين الدولة والتنظيم الذاتي يكشف عنه هذا القانون؟

4. المحاماة بوصفها مختبرًا لعلاقة الدولة بالمؤسسات الوسيطة:

إذا تجاوزنا حدود النزاع المهني المباشر، فقد نكتشف أن أهمية القانون رقم 66.23 لا تكمن فقط فيما يقرره بشأن المحامي، وإنما فيما يكشفه عن تصور أوسع للعلاقة بين الدولة والتنظيمات الوسيطة ، لأن المحاماة ليست مجرد مجموعة أفراد يمارسون نشاطًا مهنيًا؛ إنها تنظيم ذاتي له تاريخ ومؤسسات وقواعد ووظيفة داخل منظومة العدالة ؛ ولذلك يمكن قراءة النزاع حول تنظيمها باعتباره جزءً من سؤال أشمل يتعلق بالمساحة التي تتركها الدولة للتنظيمات الذاتية، وبحدود استقلال المؤسسات الوسيطة حين تتقاطع وظائفها مع وظائف السلطة العمومية ، وهنا تتغير طبيعة السؤال: لسنا فقط أمام مواد قانونية ينبغي تعديلها أو استدراكها، وإنما أمام نموذج للعلاقة بين السلطة والوساطة والاستقلال ؛ وبهذا المعنى يصبح قانون المحاماة مختبرًا مصغرًا لتحولات مؤسساتية أكبر منه.

5. حين تشرّع اللغة قبل القانون : 

غير أن الخروج من الصندوق يقتضي خطوة أخرى: ألا نكتفي بتحليل ما يقوله القانون، بل أن نفحص اللغة والسرديات التي جعلته ممكنًا وقابلًا للدفاع عنه ؛ فالتشريع لا يبدأ دائمًا عندما تُكتب المادة الأولى؛ قد يبدأ قبل ذلك عندما تنجح جهة ما في تسمية المشكلة وتحديد مفرداتها. حين يسمى مشروع ما «إصلاحًا»، يصبح المعترض عليه معرضًا رمزيًا لأن يوضع في موقع مقاوم الإصلاح. وحين يوصف التنظيم الذاتي بأنه يحتاج إلى مزيد من «الحكامة»، تصبح زيادة الرقابة قابلة للتقديم باعتبارها تحديثًا. وحين تتحول بعض الاختلالات المهنية إلى صورة عامة عن المهنة، يصبح الانتقال من معالجة الاختلال إلى إعادة هندسة المؤسسة أكثر قابلية للتبرير ، وهنا تصبح سلطة اللغة جزءً من سلطة التشريع؛ فالذي ينجح في تسمية المشكلة يمتلك جزءًا من القدرة على تحديد الحل، والذي يفرض سرديته عن الأزمة يكون قد قطع مسافة مهمة نحو فرض تصوره عن الإصلاح.

6. حين يحجب فرط الكلام القضية التي نتحدث عنها : 

لكن الخطاب المهني بدوره ليس محصنًا من هذه الآليات، وهنا تكمن مفارقة تستحق الانتباه: قد يؤدي فرط حضور قانون المحاماة في الخطاب إلى غياب القضية الأعمق عن التفكير ؛فنحن نتحدث كثيرًا عن المواد فننسى النموذج الذي يجمعها، ونتحدث عن الوزير فنغفل المؤسسة، ونتحدث عن المؤسسة فنغفل منطق السياسة التشريعية، ونركز على الضرر المهني فتتراجع خلفه التحولات الأوسع التي جعلت هذا الضرر ممكنًا، بل قد ننشغل بالمقاومة نفسها إلى درجة نؤجل معها السؤال عن كفاءة أدواتها وجدوى خطابها وقدرته على الوصول إلى ما وراء الجسم المهني. وهكذا قد يحضر الموضوع في الكلام إلى درجة يغيب فيها عن التفكير؛ ولذلك يصبح واجب النقد مضاعفًا: نقد التشريع، ونقد خطابنا حول التشريع في الوقت نفسه.

وإن نقد الذات ليس اعترافًا بالهزيمة ولا تبرئة للطرف الآخر، وإنما هو أحد شروط الاستقلال الفكري ؛ فالحركة المهنية التي لا تفحص سرديتها عن نفسها قد تصبح أسيرة لها، تمامًا كما يمكن للسلطة أن تصبح أسيرة سرديتها عن الإصلاح.

ومن المشروع لذلك أن نسأل: هل بالغنا أحيانًا في شخصنة النزاع؟ هل جعلنا الوزير أكبر من موقعه المؤسساتي؟ وهل جعلنا القانون أكبر من السياق الذي أنتجه؟ وهل أنتجت كثافة الخطاب المهني معرفة إضافية في كل مرة، أم تحولت بعض الكتابات والمواقف إلى تكرار لا يضيف إلى قدرتنا على الفهم والتأثير؟

والأهم: هل استطعنا بناء خطاب يتوجه إلى المجتمع، أم ظل جزء معتبر من خطابنا حوارًا بين المحامين حول المحامين؟

هذا السؤال الأخير بالغ الأهمية، لأن المحاماة لا تستطيع الدفاع عن استقلالها باعتباره شأنًا فئويًا فقط. فقوة حجتها تبدأ عندما يستطيع المواطن أن يفهم لماذا يمس استقلال المحامي حقه هو في الدفاع والمحاكمة العادلة والأمن القضائي.

7. تغيير السؤال: من الدفاع عن المهنة إلى فهم التحول : 

لعل التحول المطلوب يبدأ من تغيير السؤال ، فبدل أن يظل السؤال المركزي: ماذا فعل القانون بالمحاماة؟ يمكن أن نسأل: ماذا تكشف واقعة المحاماة عن التحولات الجارية في صناعة القرار وفي علاقة الدولة بالمؤسسات الوسيطة والتنظيمات المستقلة؟

عندئذ تتسع زاوية الرؤية ، فننتقل من الوزير إلى وظيفة الوزارة، ومن النص إلى السياسة التشريعية، ومن المادة القانونية إلى سردية الإصلاح، ومن الدفاع عن المصالح المهنية إلى الدفاع عن وظيفة الوساطة والاستقلال داخل دولة القانون. ولا تعود المحاماة، في هذه القراءة، ضحية قصة تخصها وحدها، وإنما تصبح مرصدًا لتحول أوسع.

8. النقد من الدرجة الثانية: الخروج من أسر صورتنا عن المعركة

لقد كان ضروريًا أن ننقد القانون وأن نفكك مساره وخطابه وآثاره؛ لكن التفكير النقدي التوقعي لا يتوقف عند نقد موضوعه؛ ففي لحظة معينة ينبغي أن يعود إلى أدواته ومفاهيمه وسرديته ويسألها هي الأخرى عن حدودها ، وهذا ما يمكن تسميته النقد من الدرجة الثانية أي أن نجعل الطريقة التي مارسنا بها النقد نفسها قابلة للنقد، لا لكي نهدم ما كتبناه، وإنما لكي نعرف أين كان منتجًا وأين أصبح تكراريًا، أين كشف الواقع وأين حجبه، أين ساعد على بناء البديل وأين أبقانا داخل دائرة رد الفعل. فقد تكون المرحلة الأولى احتاجت إلى رجل القانون الذي يفحص النص، والثانية إلى عالم الاجتماع الذي يقرأ المؤسسة، والثالثة إلى محلل الخطاب الذي يفكك اللغة والسرديات؛ أما التفكير النقدي التوقعي فمهمته أن يصل بين هذه المستويات جميعًا ليطرح السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب هو : إلى أين يقود كل ذلك، وما البدائل الممكنة؟

وهنا يصبح الخروج من الصندوق انتقالًا من مجرد الدفاع عن المحاماة إلى التفكير بالمحاماة داخل الدولة والمجتمع، والفرق بين الأمرين جوهري ، فالأول يسأل: كيف نحمي المهنة من اختلالات القانون؟ أما الثاني فيذهب أبعد ليسأل عن أي دولة نريد أن تكون فيها المحاماة مستقلة وقوية؟ ولماذا تحتاج دولة القانون والمجتمع أصلًا إلى محاماة مستقلة وقوية؟

ولعل هذه هي المسافة النقدية التي نحتاج إليها اليوم تستدعي ألا نغادر معركتنا، بل أن نغادر أسر صورتنا عنها؛ وألا نتوقف عن نقد ما جرى، بل أن نمتلك القدرة على جعل نقدنا نفسه موضوعًا للمراجعة ؛ ولذلك فإن أخطر صندوق قد يسجن التفكير ليس دائمًا الصندوق الذي يصنعه الآخرون لنا، بل ذلك الذي نبنيه نحن حول حقيقة نعتقد أننا انتهينا من اكتشافها.