تفاعلا مع مقال الاستاذ صبري الحو
قرأت باهتمام المقال الموسوم بـ "بعد نشر قانون المحاماة! أين أخطأنا؟ شيدنا قصرا دون تصميم لمدخل الخروج منه وسجن الجميع داخله"، وهو مقال يحمل قدرا كبيرا من الجرأة في مساءلة الذات المهنية، ويطرح أسئلة مشروعة حول حصيلة المعركة التي خاضها المحامون وفعالية الأدوات التي تم اعتمادها.
غير أن مشروعية النقد الذاتي لا تعني بالضرورة التسليم بالمقدمات التي انطلق منها المقال أو بالنتائج التي انتهى إليها. فالقراءة الأخرى الممكنة لما حدث قد تقودنا إلى سؤال مختلف تماما:
هل أخطأت المحاماة لأنها تمسكت بمطالبها، أم أن الإشكال الحقيقي يكمن في تدبير إصلاح تشريعي لم يستطع بناء الثقة والتوافق مع مهنة تشكل ركنا أساسيا من منظومة العدالة؟
أولا: ليس كل احتجاج لم يمنع صدور القانون احتجاجا فاشلا
يقيس المقال، إلى حد بعيد، نجاح المعركة بنتيجتها التشريعية المباشرة: القانون صدر، والسحب لم يتحقق، والتعديلات المطلوبة لم تتحقق بالشكل المنتظر، وبالتالي "لم نحقق شيئا". وهنا مكمن الاختلاف الأول.
فالعمل النضالي لا تقاس نتائجه فقط بقدرته على إسقاط نص أو سحبه قبل نشره، وإنما كذلك بقدرته على تشكيل وعي مهني ومؤسساتي، وإنتاج موقف جماعي، وتسجيل اعتراض تاريخي على اختيارات تشريعية معينة. لقد استطاعت المحاماة، وفق ما يقر به المقال نفسه، تحقيق وحدة غير مسبوقة، وانضباط جماعي، وتضامن مهني، وقدرة على التعبئة. فكيف تتحول هذه العناصر، فجأة، إلى مجرد مقدمات لفشل استراتيجي؟
إن صدور القانون لا يمحو مشروعية الاعتراض عليه، كما أن نشره في الجريدة الرسمية لا يحول كل خياراته بالضرورة إلى اختيارات مثالية أو غير قابلة للمراجعة.
ثانيا: احترام المؤسسات لا يعني التخلي عن نقد عملها
يطرح المقال سؤالا مهما: أليس البرلمان هو المختص بالتشريع؟ أليست المحكمة الدستورية مستقلة؟ ولماذا تريد المحاماة أن تتطابق المؤسسات معها؟
والجواب واضح: نعم، البرلمان يمارس اختصاصه التشريعي، والحكومة تمارس صلاحياتها التنفيذية، والقضاء الدستوري مستقل في ممارسة اختصاصاته. لكن الاعتراف باختصاص المؤسسة لا يعني تحصين أعمالها من النقد.
فالديمقراطية وفق المبادئ الدستورية لا تقوم فقط على توزيع الاختصاصات، وإنما تقوم كذلك على الحوار العمومي، والتعدد، والمشاركة، والنقد، والترافع والتأثير المشروع في صناعة القاعدة القانونية.
والمحامون عندما يناقشون قانون مهنتهم لا يحلون محل البرلمان، كما أن النقابات عندما تعترض على تشريع اجتماعي لا تتحول إلى سلطة تشريعية، والجمعيات عندما تقترح تعديلات على القوانين لا تصبح دولة داخل الدولة. إنهم يمارسون حقهم في المشاركة والترافع. والفارق كبير بين المطالبة بالمشاركة في صناعة القانون وبين ادعاء امتلاك سلطة التشريع.
ثالثا: قانون المحاماة ليس شأنا فئويا صرفا
أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو اختزال النقاش في صورة مواجهة بين "فئة مهنية تريد قانونا على مقاسها" وبين "دولة تريد الإصلاح". قانون المحاماة ليس قانون المحامين وحدهم.
إنه جزء من التشريع المنظم للعدالة، ولذلك فإن آثاره تمتد إلى المتقاضي، والحق في الدفاع، والولوج إلى العدالة، واستقلال الدفاع، وجودة المحاكمة، والعلاقة بين مكونات منظومة العدالة. فالمحامي ليس مجرد صاحب مهنة حرة يدافع عن امتيازاته المهنية، إنه فاعل في منظومة العدالة ووسيط أساسي في ممارسة حق الدفاع.
ومن ثم، فإن الاعتراض على بعض مقتضيات قانون المهنة لا يجوز اختزاله تلقائيا في "دفاع فئوي عن المصالح".
رابعا: ربما لم يشيد المحامون قصرا بلا باب… بل دخلوا مسارا لم تكن أبوابه متكافئة
استعارة "القصر بلا باب" جميلة أدبيا، لكنها تحتاج إلى مراجعة سياسيا ومؤسساتيا.
لأنها تحمل المحامين مسؤولية شبه كاملة عن المأزق، وكأنهم هم الذين صمموا قواعد اللعبة، وحددوا مسار التشريع، وضبطوا إيقاع الحوار، وامتلكوا القرار النهائي في التعديل والسحب والتمرير. والواقع أن موازين صناعة القانون لا توزع بالتساوي بين الأطراف.
الحكومة تمتلك المبادرة والأدوات السياسية والمؤسساتية، والأغلبية تمتلك قوة عددية داخل البرلمان، بينما تمتلك الهيئات المهنية أساسا قوة الاقتراح والترافع والضغط المشروع.
ولذلك، فإن عدم قدرة الاحتجاج المهني على إيقاف القانون لا يعني بالضرورة سوء هندسة الاحتجاج، فقد يعني أيضا أن ميزان القوة المؤسساتية كان منذ البداية غير متكافئ.
خامسا: الواقعية ليست مرادفا للتراجع
يدعو المقال إلى الواقعية وفهم موازين القوة. وهذه دعوة صحيحة من حيث المبدأ. لكن السؤال هو: أين تنتهي الواقعية وأين يبدأ التنازل عن جوهر الموقف؟
فالواقعية السياسية والقانونية ليست قبولا دائما بما تفرضه الأغلبية، وإنما هي القدرة على تغيير الأدوات مع المحافظة على المبادئ.
وقد يكون من المشروع الانتقال من الاحتجاج إلى الترافع، ومن التوقف إلى إنتاج الدراسات، ومن الشارع المهني إلى المؤسسات، ومن الخطاب الانفعالي إلى بناء تحالف مجتمعي حول قضايا العدالة. لكن ذلك لا يعني أن الوسيلة السابقة كانت خطأ من حيث الأصل.
المطلوب إذن ليس إعلان نهاية المعركة، وإنما الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى من المعركة القانونية والمؤسساتية.
سادسا: المشكلة الحقيقية قد تكون في أزمة الثقة
الأزمة التي كشف عنها قانون المحاماة أعمق من الخلاف حول مواد قانونية. إنها تكشف عن أزمة ثقة بين جزء من الجسم المهني والسلطة الحكومية المكلفة بإدارة ملف العدالة.
فعندما يشعر المهنيون بأن الحوار لا يؤثر بما يكفي في النتيجة، وعندما تشعر الحكومة بأن الاحتجاج يستهدف تعطيل الإصلاح، يتحول الخلاف من نقاش حول مضمون النص إلى صراع حول النوايا. وهنا يخسر الجميع.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: أين أخطأت المحاماة؟ بل أيضا:
أين أخفقت الحكومة في بناء الثقة حول الإصلاح؟ وأين تعثرت الوساطة المؤسساتية؟ وهل استنفدت فعلا إمكانات الحوار قبل الوصول إلى المواجهة؟
النقد الذاتي مطلوب من المحامين، لكنه يفقد عدالته إذا تحول إلى تحميل طرف واحد مسؤولية أزمة متعددة الأطراف.
سابعا: الأغلبية الصامتة لا ينبغي التحدث باسمها
يتحدث المقال عن "الأغلبية الصامتة التي صودرت منها الإرادة".
وهذه عبارة تحتاج إلى الحذر. فالصمت لا ينتج، في حد ذاته، تفويضا لأحد كي يتحدث باسم صاحبه. قد يكون الصامت موافقا، وقد يكون معارضا، وقد يكون مترددا أو منتظراً
ولهذا فإن أفضل طريقة لمعرفة رأي القواعد المهنية ليست افتراض موقفها، وإنما إعادة القرار إليها عبر الآليات الديمقراطية الداخلية: الجمعيات العامة، الاستشارات، التصويت، اللقاءات الجهوية، واستطلاع مواقف المحامين بصورة منظمة.
إذا كانت المرحلة السابقة قد قامت على الإجماع، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الديمقراطية المهنية بقدر حاجتها إلى وحدة الصف.
ثامنا: الخطر ليس في استمرار النضال، وإنما في بقاء أدواته ثابتة
هنا يمكن الاتفاق جزئيا مع صاحب المقال، ولكن من زاوية مختلفة. ليس المطلوب التخلي عن النضال، وإنما إعادة تعريفه. فبعد دخول القانون حيز النفاذ، تصبح الحاجة أكبر إلى الانتقال من نضال المنع إلى نضال التقييم والتقويم.
أي رصد آثار المقتضيات الجديدة عند التطبيق، وتوثيق الصعوبات العملية، وإنتاج دراسات قانونية، وبلورة مقترحات تعديل دقيقة، والانفتاح على الجامعات والقضاة والمجتمع المدني والفاعلين الحقوقيين، وإقناع الرأي العام بأن استقلال المحاماة ليس امتيازا للمحامي وإنما ضمانة للمتقاضي. هكذا تصبح قوة المحاماة في الحجة بعد أن كانت في الاحتجاج، وفي الاقتراح بعد الاعتراض، وفي بناء التحالفات بعد وحدة الصف الداخلي.
تاسعا: لا ينبغي اختزال العلاقة بالدولة في منطق القوة
يؤكد المقال أننا "داخل الدولة ولسنا خارجها"، وهذه حقيقة لا خلاف حولها.
لكن الدولة الحديثة ليست كثلة واحدة في مواجهة المجتمع. الدولة الدستورية فضاء تتفاعل داخله الحكومة والبرلمان والقضاء والمؤسسات الدستورية والمجتمع المدني والهيئات المهنية والمواطنون.
لذلك فإن الاعتراض على سياسة حكومية ليس اعتراضا على الدولة، ونقد قانون لا يعني رفض المؤسسات، والاختلاف مع وزير لا يعني الدخول في مواجهة مع النظام المؤسساتي.
ومن الضروري الفصل بوضوح بين الدولة باعتبارها بناء دستوريا دائما، والحكومة باعتبارها سلطة سياسية مؤقتة، والسياسة العمومية باعتبارها اختيارا قابلا للنقد والتعديل. وهذا التمييز أساسي حتى لا يتحول كل خلاف مهني مع الحكومة إلى خلاف مع الدولة.
عاشرا: نشر القانون ليس نهاية النقاش بل بدايته الجديدة
نشر القانون يغير الطبيعة القانونية للمعركة، لكنه لا يلغيها. قبل النشر كان النقاش منصبا على منع بعض المقتضيات أو تعديلها أثناء صناعة النص. أما بعد النشر، فالسؤال يصبح:
كيف سيطبق القانون؟ وما الآثار التي سينتجها؟ وهل ستثبت الممارسة صحة الاعتراضات التي عبر عنها المحامون أم ستفندها؟
وهنا تنتقل المحاماة من الاحتجاج النظري إلى الاختبار العملي. فإذا أفرز التطبيق صعوبات حقيقية، فإن الحجة المطالبة بالتعديل ستصبح أقوى، لأن تعديل القوانين بعد ظهور اختلالاتها أمر طبيعي في حياة التشريع.
لم نبن قصرا بلا باب… وإنما انتهت مرحلة وبدأت أخرى
ربما لا تحتاج المحاماة اليوم إلى البحث عن "باب للهروب من القصر"، لأن المحامين ليسوا سجناء. إنهم أمام واقع تشريعي جديد يقتضي إعادة ترتيب وسائل العمل. ولا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نخرج من المعركة؟
بل: كيف ننتقل بها من الاحتجاج إلى التأثير؟
لقد أثبتت المرحلة السابقة أن المحاماة قادرة على الوحدة والتعبئة. والتحدي الآن هو إثبات قدرتها على إنتاج البديل، وعلى مخاطبة المجتمع، وعلى تحويل مطالبها المهنية إلى قضية مرتبطة بحقوق المواطن وجودة العدالة.
النقد الذاتي فضيلة، لكن جلد الذات ليس استراتيجية.
واحترام القانون واجب، لكن احترام القانون لا يمنع نقده ولا المطالبة بتعديله بالوسائل الدستورية والقانونية. واحترام المؤسسات لا يعني الصمت أمام اختياراتها، بل يعني مخاطبتها بأدوات المؤسسات نفسها.
لذلك، فإن الدرس الذي يمكن استخلاصه ليس أن المحاماة "ضربت في الحائط"، وإنما أن قوة الإجماع المهني، مهما بلغت، تحتاج إلى أن تتحول إلى قوة اقتراح وإقناع مجتمعي وتأثير مؤسساتي.
لقد صدر القانون، نعم، لكن صدور القانون لا يجعل النقاش منتهيا. فالقاعدة القانونية تبدأ حياتها الحقيقية يوم تدخل حيز التطبيق، وعندها فقط سيظهر إن كان المحامون قد بالغوا في مخاوفهم، أم أنهم رأوا مبكرا ما لم يره واضعو النص.
ومن هنا تبدأ المعركة الجديدة: معركة التطبيق، والتقييم، والترافع، ثم التعديل متى أثبت الواقع ضرورته.






