ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الأحزاب السياسية فضاءات لتأطير المواطنين، وإنتاج الأفكار والبرامج، وتكوين النخب القادرة على تحمل المسؤولية، تكشف الممارسة السياسية أحياناً عن واقع مختلف، تتحول فيه بعض الأحزاب إلى محطات مؤقتة يعبر من خلالها عدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين بحثاً عن موقع انتخابي أفضل أو تزكية أكثر ضماناً.
ولذلك، فإن الترحال السياسي لا يمكن اختزاله في مجرد انتقال شخص من حزب إلى آخر، لأن آثاره تتجاوز صاحبه لتطال الحزب الذي غادره، والحزب الذي التحق به، والمؤسسة المنتخبة التي ينتمي إليها، وفي النهاية المواطن الذي وضع ثقته في مرشح معين خلال الانتخابات.
وتزداد أهمية الظاهرة عندما تحدث في الفترة السابقة للاستحقاقات الانتخابية، حيث تصبح التزكية الحزبية واحدة من أهم عناصر المنافسة، ويبدأ عدد من الفاعلين في إعادة حساباتهم السياسية، خصوصاً عندما تكون فرص الفوز مرتبطة بمدى قوة الحزب داخل دائرة انتخابية معينة أو بقدرته على توفير شروط المنافسة.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط لماذا ينتقل السياسي من حزب إلى آخر، وإنما لماذا أصبح الانتماء الحزبي في بعض الحالات أقل استقراراً من ذي قبل؟ وهل يتعلق الأمر بتغير حقيقي في القناعات السياسية، أم أن الحسابات الانتخابية أصبحت تتحكم بشكل أكبر في قرارات بعض الفاعلين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقود إلى جوهر الإشكال، والمتمثل في العلاقة بين السياسي والحزب والناخب. فالمرشح عندما يخوض الانتخابات تحت اسم حزب معين، فإنه لا يقدم نفسه للناخب باعتباره شخصاً مستقلاً فقط، وإنما يقدم نفسه أيضاً باعتباره جزءاً من مشروع سياسي وبرنامج انتخابي وتوجه حزبي محدد. ولذلك، فإن تغيير الانتماء السياسي بعد الحصول على ثقة الناخبين يمكن أن يطرح إشكالات تتعلق بمدى استمرار العلاقة السياسية التي تأسست لحظة التصويت.
غير أن هذه المسألة لا يمكن تناولها من زاوية واحدة، لأن السياسي بدوره يظل صاحب قناعة وموقف، ومن الطبيعي أن يعرف العمل السياسي اختلافات داخلية وتغيراً في المواقف. فقد يغادر منتخب حزباً بسبب خلافات تنظيمية أو سياسية، وقد ينتقل إلى حزب آخر لأنه أصبح يرى أن مشروعه السياسي لم يعد منسجماً مع قناعاته. وفي هذه الحالة، يمكن النظر إلى الانتقال باعتباره تعبيراً عن حرية سياسية وممارسة طبيعية للاختلاف.
لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الانتقال مرتبطاً أساساً بالمصالح الانتخابية، أو عندما يتحول إلى وسيلة للحصول على موقع أفضل أو تزكية أكثر ضماناً، خصوصاً إذا كان السياسي ينتقل بين أحزاب متباينة في المرجعيات والتوجهات دون تقديم تفسير سياسي مقنع لهذا التحول.
وفي هذه الحالة، يصبح الترحال السياسي مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بضعف الارتباط بالمشروع الحزبي، وتحول الانتماء السياسي من قناعة وممارسة إلى وسيلة لتحقيق أهداف انتخابية ظرفية.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة هو تراجع قوة الحزب باعتباره مؤسسة سياسية لصالح صعود الفرد باعتباره فاعلاً انتخابياً. فعندما يصبح السياسي قادراً على الانتقال من حزب إلى آخر دون أن تتغير قدرته على الحفاظ على حضوره الانتخابي، فإن ذلك يعني أن جزءاً من القوة السياسية لم يعد مرتبطاً بالحزب، وإنما بالشخص وشبكة العلاقات التي راكمها داخل دائرته الانتخابية.
وهنا تظهر إشكالية الشخصنة في العمل السياسي. فبدل أن يكون الحزب هو الإطار الذي ينتج النخب ويمنحها الشرعية السياسية والتنظيمية، يصبح بعض الأشخاص هم من يمنحون الأحزاب جزءاً من قوتها الانتخابية. وبالتالي، تتحول العلاقة إلى معادلة تقوم على تبادل المصالح الانتخابية، بحيث يبحث الحزب عن المرشح القادر على الفوز، بينما يبحث المرشح عن الحزب الذي يوفر له أكبر فرصة للوصول إلى المؤسسة المنتخبة.
ومع الإستحقاقات المقبلة ، تصبح هذه المعادلة أكثر وضوحاً، لأن الأحزاب تدخل مرحلة البحث عن المرشحين القادرين على المنافسة، بينما يبدأ المنتخبون بدورهم في تقييم مواقعهم الانتخابية وفرصهم في الحصول على التزكية.
وهكذا، تظهر حركة سياسية يمكن وصفها بإعادة التموضع، حيث يعيد عدد من الفاعلين حساباتهم بناءً على موازين القوى الجديدة، وليس بالضرورة بناءً على التحولات الفكرية أو البرامجية. ومن الطبيعي أن تؤثر هذه الحركة في الخريطة السياسية، لأن انتقال شخصية انتخابية من حزب إلى آخر قد يغير موازين القوى داخل منطقة معينة، وقد يمنح حزباً دفعة جديدة، بينما يضعف حضور حزب آخر.
وتتجلى هذه المسألة بشكل أكبر على المستوى المحلي، حيث يكون للمنتخب علاقات مباشرة مع المواطنين والفاعلين المحليين، ويكون حضوره الانتخابي مرتبطاً في كثير من الأحيان بشبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية التي لا تختفي بمجرد تغيير الانتماء الحزبي.
لذلك، عندما ينتقل منتخب ذو حضور قوي إلى حزب آخر، فإنه لا ينتقل بمفرده، وإنما يحمل معه جزءاً من رصيده الانتخابي والسياسي، وهو ما يجعل الأحزاب تنظر إلى استقطاب الشخصيات الانتخابية باعتباره فرصة لتعزيز مواقعها في الانتخابات المقبلة .
وفي المقابل، فإن الحزب الذي يفقد أحد أبرز منتخبيه قد يجد نفسه أمام تحدي إعادة بناء حضوره المحلي، خصوصاً إذا كان يعتمد بشكل كبير على شخصية واحدة في إدارة وجوده الانتخابي. وهنا يتضح أن هشاشة التنظيم الحزبي تجعل أثر الترحال أكبر، لأن الحزب القوي والمؤسساتي يستطيع تعويض فقدان شخص معين من خلال إنتاج نخب جديدة، بينما يصبح الحزب الذي يعتمد على الأفراد أكثر عرضة للتأثر بأي انتقال.
فالحزب السياسي القوي ليس هو الذي يمتلك أكبر عدد من الأسماء المعروفة فقط، وإنما هو الحزب القادر على إنتاج أفكار وبرامج ونخب جديدة، وعلى إدارة الاختلافات الداخلية، وعلى الحفاظ على تماسكه التنظيمي حتى في حالة مغادرة بعض أعضائه.
وبالتالي، فإن مواجهة الترحال السياسي تبدأ من داخل الأحزاب نفسها. فإذا كانت هناك ديمقراطية داخلية حقيقية، وقنوات للحوار، وآليات واضحة لاختيار المرشحين، ومجال يسمح بتجديد النخب، فإن دوافع الانتقال قد تصبح أقل حضوراً. أما عندما يشعر الفاعل السياسي بأن موقعه داخل الحزب لا يرتبط بالكفاءة أو الالتزام أو العمل التنظيمي، وإنما بحسابات داخلية ضيقة، فإن البحث عن فضاء سياسي آخر يصبح أمراً متوقعاً.
غير أن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها، لأن طبيعة المنافسة الانتخابية نفسها تساهم أحياناً في تكريس هذه الظاهرة. فحين يصبح الفوز بالمقعد هو المعيار الأساسي لتقييم الحزب والمرشح، تصبح القدرة على جمع الأصوات أكثر أهمية من القدرة على تقديم مشروع سياسي واضح.
ومن هنا، يصبح التحدي الحقيقي هو إعادة الاعتبار للبرنامج السياسي. فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد سباق حول الأشخاص والمقاعد، وإنما ينبغي أن تكون مناسبة للتنافس بين تصورات مختلفة حول الاقتصاد والمجتمع والتعليم والصحة والتشغيل والتنمية الترابية والحكامة.
وعندما يصبح البرنامج في قلب المنافسة، فإن قيمة السياسي لا تقاس فقط بعدد الأصوات التي يستطيع جمعها، وإنما بقدرته على تقديم حلول واقعية وقابلة للتنفيذ.
أما عندما يصبح الشخص أقوى من البرنامج، فإن انتقاله من حزب إلى آخر لا يؤدي فقط إلى تغيير الانتماء، وإنما قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى بأكملها، وهو ما يجعل الخريطة السياسية رهينة بحركة الأشخاص أكثر من ارتباطها بالمشاريع.
ولا تتوقف تداعيات الترحال السياسي عند حدود الأحزاب، بل تمتد إلى المؤسسات المنتخبة. فالمجالس التي تقوم على أغلبيات هشة يمكن أن تتأثر بشكل مباشر بانتقال بعض الأعضاء، خصوصاً عندما يكون الفارق بين الأغلبية والمعارضة محدوداً.
وفي مثل هذه الحالات، قد يؤدي انتقال عدد قليل من المنتخبين إلى إعادة تشكيل الأغلبية، وفتح مفاوضات جديدة حول التحالفات والمسؤوليات، وهو ما يمكن أن يؤثر في استقرار المؤسسة وقدرتها على تنفيذ برامجها.
ومن المؤكد أن تغيير التحالفات في حد ذاته ليس ظاهرة غير ديمقراطية، لأن التحالف السياسي جزء طبيعي من الحياة المؤسساتية، خصوصاً عندما لا يحصل حزب واحد على أغلبية مطلقة. غير أن الإشكال يظهر عندما تصبح التحالفات مبنية على المصالح الشخصية والمواقع أكثر مما تقوم على التقارب في البرامج والتصورات.
فإذا كان التحالف يقوم على برنامج مشترك واضح، فإن تغييره يمكن أن يكون نتيجة لاختلاف سياسي حقيقي. أما إذا أصبح مرتبطاً بتوزيع المسؤوليات والمناصب، فإن ذلك قد يفقد العمل المؤسساتي جزءاً من مضمونه السياسي.
وفي هذا السياق، يصبح المواطن هو الطرف الأكثر تأثراً بهذه التحولات. فالناخب الذي يشارك في الانتخابات ينتظر أن تتحول أصواته إلى سياسات وقرارات ومشاريع، وليس إلى صراعات مستمرة حول المواقع.
وعندما يرى المواطن أن المنتخبين ينشغلون بإعادة ترتيب التحالفات والانتماءات أكثر من انشغالهم بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، فإن ذلك قد يؤدي إلى اتساع المسافة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، ويعزز الشعور بأن العمل السياسي لا يرتبط بما يكفي بالانتظارات الحقيقية للمجتمع.
ومن ثم، فإن الترحال السياسي لا يمثل فقط مشكلة حزبية أو انتخابية، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة مرتبطة بالثقة السياسية. فالثقة لا تُبنى فقط من خلال الانتخابات، وإنما من خلال استمرارية العلاقة بين الناخب والمنتخب، ومن خلال احترام البرامج والالتزامات التي قدمت خلال الحملة الانتخابية.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول النقاش حول الترحال السياسي إلى محاولة لتقييد حرية السياسي في تغيير قناعاته. فالسياسة تقوم أساساً على الاختلاف، والفاعل السياسي ليس ملزماً بالبقاء في تنظيم لم يعد مقتنعاً به. غير أن الحرية السياسية تظل مرتبطة بالمسؤولية السياسية، خصوصاً عندما يكون القرار الفردي قادراً على التأثير في تمثيلية جماعية أفرزتها صناديق الاقتراع.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الانتقال السياسي القائم على القناعة، وبين الانتقال المرتبط بالحسابات الانتخابية الضيقة ، الأول يمكن أن يكون جزءاً من تطور طبيعي للممارسة السياسية، أما الثاني فإنه يطرح سؤالاً حول جدوى الانتماء الحزبي وحول طبيعة العلاقة التي تربط السياسي بالناخب.
يبقى الترحال السياسي الذي يمثل مرآة تعكس جانباً من واقع الحياة الحزبية المغربية. فهو يكشف عن دينامية سياسية وإعادة تموضع مستمرة، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن الحاجة إلى تقوية المؤسسات الحزبية وإعادة الاعتبار للبرامج السياسية وتجديد النخب على أساس الكفاءة والاستحقاق.
إن الخريطة السياسية لا ينبغي أن تتشكل فقط من خلال حركة الأشخاص، وإنما من خلال تنافس المشاريع والأفكار والبرامج. كما أن تجديد النخب لا ينبغي أن يعني فقط انتقال وجوه معروفة من حزب إلى آخر، وإنما ينبغي أن يفتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات السياسية القادرة على تقديم إجابات مختلفة عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع.
وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سينتقل من حزب إلى آخر، ولا بمن سيحصل على التزكية، ولا بمن سيحافظ على مقعده، وإنما يتعلق بمستقبل العمل السياسي نفسه. فإذا بقيت الأحزاب تعتمد بشكل كبير على الأشخاص والوزن الانتخابي الفردي، فإن ظاهرة الترحال ستظل حاضرة كلما اقترب موعد الانتخابات. أما إذا نجحت الأحزاب في بناء مؤسسات قوية، وإنتاج نخب جديدة، وتقديم برامج واضحة، وربط المسؤولية السياسية بالنتائج والمحاسبة، فإن الخريطة السياسية ستصبح أكثر استقراراً، وستتحول المنافسة الانتخابية من سباق حول الأشخاص إلى تنافس حقيقي حول المشاريع.
وهكذا، فإن معالجة الترحال السياسي لا تبدأ من منع الانتقال فقط، وإنما تبدأ من معالجة الأسباب التي تجعل الانتقال مغرياً ومفيداً سياسياً. وعندما يصبح الحزب أقوى من الشخص، والبرنامج أقوى من التزكية، والمؤسسة أقوى من الحسابات الفردية، يصبح العمل السياسي أكثر نضجاً، وتصبح الانتخابات أكثر قدرة على التعبير عن الإرادة الحقيقية للناخبين.






