«اللهم الزهو ولا زواج القهرة»… عبارة شعبية مغربية متداولة منذ سنوات، وليست وليدة اليوم ولا من اختراع الفنانة كريمة غيث، فقد سبق أن تداولها وأداها فنانون رجال أيضاً. لكن يبدو أن بعض العبارات تتغير دلالتها بحسب من ينطق بها؛ فما يُمرَّر في الغناء عندما يؤديه رجل، يصبح فجأة موضع محاكمة أخلاقية عندما تؤديه امرأة. ولعل البداية الصحيحة لهذا النقاش هي أن نسأل: ما معنى «الزهو» أصلاً؟ في الدارجة المغربية، للزهو دلالات متعددة بحسب السياق، فهو قد يعني الفرح والبهجة والانبساط والاستمتاع بالحياة، وقد يأتي أيضاً بمعنى الإعجاب بالنفس أو الغرور. وفي عبارة «اللهم الزهو ولا زواج القهرة»، المقصود هو الفرح والبهجة في مقابل زواج يكون مصدر قهر ومعاناة؛ أي أنها، في سياقها الشعبي، لا تعني الدعوة إلى الانحلال أو رفض الزواج، وإنما تعبر بأسلوب شعبي عن رفض حياة زوجية قائمة على القهر. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا تُستدعى الأخلاق لمحاكمة فنانة بسبب كلمات أغنية شعبية، بينما لا تُطرح الأسئلة نفسها عندما يؤدي الرجال الكلمات ذاتها؟ ومن حق أي شخص ألا تعجبه الأغنية أو أن ينتقد كلماتها ومضمونها، فهذا جزء من حرية التعبير، لكن النقد شيء، والإهانة والتنمر والتشهير شيء آخر. وما يثير القلق أكثر هو أن تتحول أغنية أو موقف فني إلى مادة للاستثمار داخل حملة انتخابية، وأن تتحول المنصة التي يفترض أن يسمع فيها المواطن برنامجاً وأفكاراً وحلولاً إلى فضاء للسخرية من شخص أو استثمار زلة أو خطأ أو موقف لإثارة الجمهور وانتزاع التصفيق. هنا لا تعود المسألة مرتبطة بفنانة أو بأغنية، بل بمستوى الخطاب الذي نريد أن نؤسس عليه حياتنا السياسية. فالمرشح الذي يطلب ثقة المواطنين ليس مطالباً بأن يكون بارعاً في إطلاق العبارات المثيرة وتحريك الجمهور، بل أن يكون قادراً على شرح ما سيقدمه، وما هي أولوياته، وكيف سيعالج المشاكل، وما الذي يميزه عن غيره. ومحاربة الفساد، مثلاً، لا تكون بالتشهير وحده، ولا باستعراض أخطاء من سبق، وإنما بتقديم البدائل والآليات والضمانات التي تمنع تكرار تلك الأخطاء. فالناس لا تحتاج فقط إلى من يقول لها: «هؤلاء فشلوا»، بل تحتاج إلى من يشرح لها بوضوح: «وهذه هي خطتي حتى لا أفشل أنا أيضاً». فالمرشح لا يقدم للجمهور دائماً ما يحتاجه، بل كثيراً ما يقدم له ما يعرف أنه سيصفق له؛ وهنا يصبح الجمهور شريكاً في صناعة الخطاب الذي يشتكي منه لاحقاً. عندما نصفق للعبارة الجارحة أكثر مما نصفق للفكرة الجادة، فإننا نمنح المرشح إشارة خاطئة حول ما نريد أن نسمعه، ثم لا يحق لنا أن نتساءل لاحقاً لماذا تراجعت قيمة النقاش السياسي. نحن بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة التصفيق للشخص إلى ثقافة تقييم الفكرة، ومن الانبهار بالخطاب إلى مساءلة البرنامج، ومن سؤال «من هاجمت؟» إلى سؤال «ماذا ستفعل؟». ومن يريد أن يدخل مجال الشأن العام عليه أن يدرك أن التواصل السياسي ليس مجرد قدرة على إثارة الضحك أو تحريك العاطفة؛ إنه مسؤولية تحتاج إلى معرفة وإصغاء واحترام وإدارة للاختلاف، وإلى تكوين حقيقي في الخطابة والإقناع والتواصل المسؤول، لأن من لا يعرف كيف يختلف باحترام، قد لا يكون مستعداً بعد لتمثيل مجتمع متنوع ومختلف. وفي المقابل، على المواطن أن يرفع سقف انتظاراته من المرشح، لأن جودة الحياة السياسية لا يصنعها السياسيون وحدهم؛ إنها أيضاً انعكاس لما يكافئه المجتمع وما يرفضه. لذلك، ربما يكون السؤال الأهم ونحن نقترب من الاستحقاقات الانتخابية ليس: من استطاع أن يجعلنا نضحك أكثر؟ ولا من استطاع أن يصفق له الجمهور أكثر؟ وإنما: من قدم لنا ما يكفي من الأسباب لنمنحه أصواتنا؟ لأن الصوت الانتخابي ليس جائزة لمن يجيد استمالة الجمهور، بل أمانة لمن نعتقد أنه قادر على تحمل مسؤولية تمثيلنا. وعندما نصل إلى هذه القناعة، لن يعود المرشح بحاجة إلى تحريك الجمهور ضد شخص، أو صناعة خصم من فنان أو مواطن أو منافس، بل سيجد نفسه مضطراً إلى تقديم الشيء الذي يفترض أن تكون الانتخابات من أجله أصلاً: فكرة واضحة، وبرنامج قابل للنقاش، ومسؤولية قابلة للمحاسبة.






