تطرح الاستحقاقات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 في المغرب سؤالاً نقدياً حول مدى انسجام السلوك الانتخابي للأحزاب السياسية مع المبادئ الدستورية المؤطرة للتعددية والديمقراطية التمثيلية. إن بروز نفوذ العائلات وتنامي ظاهرة "التناسل السياسي" (Political Dynasties) عبر تزكية الأبناء والزوجات تُعيد تشكيل النخب وفق منطق مغلق يعيد إنتاج الريع السياسي، مما يهدد الجوهر الفلسفي للعملية الديمقراطية.
أولاً: المأزق الدستوري وتراجعات مبدأ تكافؤ الفرص
ينص الوثيقة الدستورية لسنة 2011 في الفصل السابع على أن الأحزاب السياسية "تساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، وتعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وترسيخ المواطنة". غير أن ممارسة إعادة إنتاج النخب من داخل البنيات القرابية تخرق روح مبدأ تكافؤ الفرص وشروط التنافس الحر والمشروع المفترضة في الممارسة الديمقراطية.
من منظور القانون الدستوري، تحوّل هذه التزكيات المؤسسة البرلمانية من فضاء لـ "التمثيلية الشعبية الأمة" إلى مجال لـ "التمثيلية الفئوية أو العائلية".
هذا الانتقال المفاهيمي يفرغ النصوص الدستورية المنظمة للانتخابات من شحنتها المعيارية، ويجعل آليات الاقتراع مجرد إجراءات شكلية لمأسسة النفوذ والسلطة الموروثة.
ثانياً: التحليل السوسيولوجي للظاهرة: من الحزب السياسي إلى «الأوليغارشية العائلية»
تفسر نظريات العلوم السياسية - ولا سيما "قانون الأوليغارشية الحديدي" لروبيرت ميشيلز—كيف تميل التنظيمات السياسية إلى الحصر التدريجي لمركز القرار في يد فئة قليلة. وفي السياق الانتخابي لـ شتنبر 2026، يتجلى هذا التمركز في أبهى صوره من خلال:
* خصخصة الأصول السياسية: تحويل الرصيد الرمزي والمادي للحزب إلى رأس مال خانق يستفيد منه المحيط العائلي للقيادات.
* إغلاق قنوات الترقي السياسي: حرمان القواعد الحزبية والكفاءات المستقلة من الصعود الوظيفي داخل الهياكل الحزبية، مما يؤدي إلى ظاهرة "التجريف الحزبي".
* تأمين الشبكات النفعية: الرهان على الترشيح العائلي كوسيلة لحماية المصالح الاقتصادية وتأمين امتداد الشبكات النفعية داخل مراكز القرار التشريعي.
ثالثاً: الآثار على عقلانية السلوك الانتخابي وأزمة الثقة
تؤدي مأسسة "التناسل السياسي" إلى تعميق أزمة الممارسة الديمقراطية عبر مستويين رئيسيين:
* تقويض وظيفة الاقتراع: يترسخ لدى الناخب انطباع بأن العملية الانتخابية هي لعبة صفَرية تُحسم نتيجتها عبر "النسب والقرابة" قبل بدء صندوق الاقتراع.
* تغذية العزوف السياسي: يتراجع الإقبال على المشاركة السياسية كأثر مباشر لفقدان الثقة في نجاعة المؤسسات التمثيلية قدرتها على إحداث التغيير المرجو.
إن الاستحقاقات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 تحتم إعادة النظر في هندسة التنافس السياسي. إن حماية الديمقراطية التمثيلية تتطلب تجديد النخب عبر قواعد حوكمة حزبية صارمة وقوانين انتخابية تُكرس مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، حتى لا يتحول البرلمان من سلطة تشريعية تمثل الإرادة العامة إلى بنية مغلقة لإعادة إنتاج السلالات السياسية.






