تحليل

المغرب يرفض فاتورة العقم الاستراتيجي الإسباني

يوسف غريب (كاتب صحفي)
من الصعب أن تقرأ البيان الأخير لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي دون أن تتوقف عند مسافة جديدة تقطعها الدبلوماسية المغربية في إدارة أزماتها الجيوسياسية مع الجار الإسباني مسافة لم تعد تُقاس بمدى المرونة أو القادرة على احتواء شطحات النخب السياسية في مدريد.. بل بمقدار الوضوح والصرامة في إفهام الطبقة السياسية شمال المتوسط بأن قواعد اللعبة السابقة قد سقطت بالتقادم.

استوقفني كثيراً تلك اللحظة التي يُقرر فيها البيان الذهاب رأساً إلى تشخيص البنية الداخلية للخطاب الإسباني لم تعد بلدنا تكتفي بإصدار بلاغات النفي التقليدية أو تدبيج عبارات التهدئة بل أضحت تشرح للإسبان أنفسهم طبيعة العطب الذي يعتري سلوكهم السياسي ذلك العطب المتمثل في الإصرار الكلاسيكي على تحويل المغرب إلى كبش فداء عند كل استحقاق انتخابي أو التعامل مع ملف الهجرة كأصل تجاري يُعرض في بورصة المزايدات الحزبية بين اليمين واليسار. 

إنه تحليل ينزع عن الخطاب الرسمي لمدريد ورقة التوت ويكشف عن واقع مأزوم تُهرب فيه النخب الإسبانية مشكلاتها الهيكلية نحو ضفتها الجنوبية.

في ملف الهجرة تحديداً رفعت بلدنا صوتها بطلب الأدلة والوقائع الحسابية إذ كيف يُراد للمغرب أن يستمر في لعب دور الحارس الأمين لحزمة الأزمات الأوربية بينما يُراد له في الوقت ذاته أن يظل متلقياً للوم الأحادي عند أول هزّة شاذة؟ 

إن المطالبة بالوقائع والتفنيد الصارم للاتهامات العارية من الإثبات ليست سوى إعلان رسمي عن نهاية عصر الاستعلاء الأخلاقي الأوربي وتأكيد على أن المسؤولية الأمنية إما أن تكون مشتركة ومقدّرة من الجانبين أو أن يُعاد النظر في المفهوم برمته.

لكن الملمح الأكثر عمقاً وتكثيفاً في البيان يكمن في نحت مصطلح جديدة تحت اسم اسم.

العقم الاستراتيجي وهي عبارة وإن صيغت بكتان الدبلوماسية ورزانتها تحمل شحنة نقدية باذخة لمسار إدارة العلاقات في مدريد. العقم هنا ليس مجرد عجز طارئ عن الفهم بل هو غياب الرؤية المؤطرة للمصالح العليا إذ كيف يُضحى برصيد استراتيجي هائل من الثقة والشراكة بُني بالجهد اليومي لرجال الأمن والسياسة والاقتصاد على مدى العقود الأخيرة من أجل تحصيل نقاط انتخابية عابرة في جدول أحزاب لا ترى أبعد من أرنبة أنفها... 

إن الجغرافيا حقيقة صلبة وبلدنا لا تجادل في حتمية الجوار ولا تلغي إكراهاته لكنها تؤكد بوضوح أن إدارة هذا الجوار لم تعد تحتمل المواقف الرمادية ولا حسابات الدكاكين السياسية الصغيرة. إن القدرة على حماية الشراكة التاريخية تتطلب قيادات في مدريد تمتلك شجاعة التسامي عن التجاذبات اليومية وتدرك أن المغرب الذي يتعاملون معه اليوم يتحدث بلغة الندّية وبثقة دولة تملك مقومات قرارها وتعرف وزن أوراقها على طاولة الشطرنج الإقليمية.

إن البلاغ في مجمله ليس رد فعل على حادثة عابرة بقدر ما أراه وثيقة تأسيسية لمرحلة قادمة... مرحلة يمارس فيها المغرب حق السيادة الكاملة على خطابه ومواقفه محذراً من أن استمرار العقم الاستراتيجي في مدريد سيعيد تشكيل العلاقات على قاعدة الريبة والتوجس.. 

لقد انتهى زمن الترضيات والعنوان الوحيد المقبول اليوم في هذه العلاقة الجوارية هو :

الوضوح الكامل..

أو إعادة رسم قواعد اللعبة برمتها.