تحليل

إصلاح المنظومة الانتخابية.. بين أزمة التمثيلية وحدود الهندسة القانونية

عبد العزيز السطي

لم تعد أزمة الانتخابات في المغرب مرتبطة فقط بطريقة احتساب الأصوات أو توزيع المقاعد، وإنما أصبحت تعكس أزمة أعمق تتصل بطبيعة التمثيلية السياسية نفسها، وبحدود قدرة المؤسسات المنتخبة على إنتاج شرعية ديمقراطية حقيقية.

فحين تتسع دائرة العزوف الانتخابي، وتظل اللوائح الانتخابية مثقلة بأسماء الموتى وغير المحينين، ويستمر النقاش حول التقطيع الانتخابي وحجم الدوائر، فإن المسألة لا تعود تقنية محضة، بل تتحول إلى سؤال دستوري وسياسي حول معنى الانتخابات ووظيفتها في بناء السلطة السياسية.

إن الانتخابات، في النظام الديمقراطي، ليست مجرد آلية للوصول إلى البرلمان أو الجماعات الترابية، وإنما هي إحدى أهم الوسائل التي يمارس من خلالها الشعب سيادته. ولذلك فإن سلامة العملية الانتخابية لا يمكن اختزالها في يوم الاقتراع، بل ينبغي أن تشمل إعداد اللوائح، وتحديد الدوائر، وشروط الترشح، وتمويل الحملات، ومراقبة العملية الانتخابية، وإعلان النتائج، ثم ضمان إمكانية مساءلة المنتخبين بعد وصولهم إلى السلطة.

ومن هذه الزاوية، يكتسب النقاش حول إصلاح المنظومة الانتخابية أهمية خاصة، خصوصاً حين يقترن بمطالب من قبيل التصويت بالبطاقة الوطنية، وإحداث هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وتصفية اللوائح الانتخابية، وإعادة النظر في التقطيع الانتخابي، وتشديد قواعد النزاهة المالية، وربط الترشح للمسؤولية العمومية بمبدأ المساءلة.

كما أن النقاش يتجاوز القانون الانتخابي ذاته ليتقاطع مع القانون الدستوري والقانون الجنائي؛ لأن تخليق الحياة السياسية لا يتحقق بمجرد إضافة عقوبات سالبة للحرية، وإنما يتطلب منظومة متكاملة للوقاية من تضارب المصالح واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع والفساد الانتخابي، مع ضمان احترام الشرعية الجنائية وحقوق الدفاع.

إذا كانت الانتخابات تشكل إحدى أهم آليات إنتاج الشرعية السياسية والدستورية، فإن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هو:

إلى أي حد يستطيع إصلاح المنظومة الانتخابية والقواعد القانونية المؤطرة لها أن يعالج أزمة التمثيلية السياسية والعزوف الانتخابي، ويضمن نزاهة العملية الانتخابية وتخليق الحياة العامة، في ظل استمرار إشكالات التقطيع الانتخابي، وضعف استقلالية الإشراف على الانتخابات، وتعقيد آليات مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة: هل يكفي تغيير قواعد الاقتراع لإعادة الثقة إلى المواطن؟ وهل يمكن لوزارة الداخلية أن تجمع في الوقت نفسه بين وظيفة تدبير الانتخابات والإشراف عليها؟ وهل تشكل الدوائر الانتخابية الصغيرة أداة للتمثيلية أم آلية لإعادة إنتاج النفوذ المالي والسياسي؟ ثم هل تستطيع السياسة الجنائية، في غياب سياسة وقائية صارمة، أن تقوم وحدها بتخليق الحياة السياسية؟

المحور الأول: أزمة الشرعية الانتخابية بين العزوف واختلال التمثيلية

تكشف ظاهرة العزوف الانتخابي عن خلل يتجاوز عدم اهتمام المواطن بالانتخابات. فالعزوف، في كثير من الأحيان، يمثل شكلاً من أشكال الاحتجاج الصامت على أداء المؤسسات وعلى الاعتقاد السائد لدى فئات واسعة بأن نتائج الانتخابات لا تغير بصورة جوهرية قواعد اللعبة السياسية.

ومن ثم، فإن التعامل مع العزوف باعتباره مجرد مشكلة تقنية أو سلوكية لدى الناخبين يمثل تبسيطاً خطيراً للمسألة. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى أن يُطلب منه التصويت، وإنما يحتاج إلى الاقتناع بأن صوته قادر على إنتاج أثر سياسي حقيقي.

ومن هنا تأتي أهمية المقترح المتعلق بالتصويت بالبطاقة الوطنية. فهذا المقترح، إذا صيغ ضمن ضمانات قانونية وتقنية كافية، يمكن أن يخفف من بعض العراقيل المرتبطة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية. غير أن اختزال أزمة المشاركة في مسألة التسجيل وحدها سيكون خطأً منهجياً؛ لأن المواطن قد يكون مسجلاً في اللوائح ومع ذلك يختار عدم التصويت.

المشكلة إذن أعمق: إنها مشكلة ثقة.

كما أن استمرار وجود أسماء متوفين أو بيانات غير محينة في اللوائح الانتخابية يطرح سؤالاً حول جودة الإدارة الانتخابية، لأن دقة الهيئة الناخبة ليست مسألة إدارية هامشية، وإنما شرط أولي لصحة العملية الديمقراطية.

والأخطر من ذلك أن اختلال التمثيلية لا يتوقف عند اللوائح، بل يمتد إلى هندسة الدوائر الانتخابية. فالدوائر الصغيرة، وفق المنطق الذي يطرحه التصريح موضوع التحليل، قد تؤدي إلى تقليص فرص التنافس الحقيقي، خصوصاً عندما تدخل الموارد المالية وشبكات النفوذ المحلي في صناعة النتائج.

إن السؤال هنا ليس: كم نائباً ستنتخب كل دائرة؟ وإنما: أي طبقة سياسية نريد أن تنتجها هذه الهندسة الانتخابية؟

فالقانون الانتخابي ليس نصاً محايداً تماماً؛ إنه في جوهره أداة لهندسة التمثيلية. وعندما تصمم القواعد بطريقة تجعل التنافس أكثر صعوبة أمام القوى السياسية الأقل امتلاكاً للمال والنفوذ، فإن القانون يتحول، ولو بصورة غير مباشرة، إلى آلية لإعادة إنتاج النخب نفسها.

 

 

المحور الثاني: بين مقاستقلال الإشراف على الانتخابات تضيات الدستور ومنطق الإدارة

تكمن راديكالية هذا الطرح الذي يعتبر أكبر الطابوهات المؤسساتية في كونه يواجه مباشرة "عقدة الرقابة" في المغرب؛ إذ ينهي حقبة الاحتكار المؤسساتي عبر إخضاع وزارة الداخلية لأوامر هيئة مستقلة، مُحوّلاً الجهاز الترابي من صانع للعملية الانتخابية إلى خادم لوجستي يخضع للمساءلة.

وهنا نصل إلى قلب المسألة الدستورية، فالانتخابات ليست مجرد عملية نقل صناديق وأوراق ومحاضر، وإنما هي عملية تتعلق بإنتاج السلطة السياسية. ولذلك فإن الجهة التي تتولى الإشراف عليها ينبغي أن تتمتع بأقصى درجات الحياد والاستقلال والثقة.

ولا يعني ذلك بالضرورة إقصاء الإدارة الترابية أو وزارة الداخلية من العملية الانتخابية، إذ لا يمكن تجاهل الإمكانات التنظيمية واللوجستية الضخمة التي تتوفر عليها الإدارة، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الجهاز الإداري نفسه طرفاً مركزياً في مختلف مراحل العملية الانتخابية، في غياب جهاز مستقل قادر على ممارسة رقابة مؤسساتية حقيقية.

والحجة التي تقوم على أن وجود عشرات الآلاف من مكاتب التصويت يجعل الإشراف المستقل أمراً صعباً لوجستيكياً ليست حاسمة؛ لأن استقلال الهيئة لا يعني أن عليها أن تدير كل التفاصيل بنفسها. يمكن بناء نموذج مؤسساتي تتولى فيه الإدارة التنفيذ الميداني واللوجستي، بينما تضطلع هيئة مستقلة بالرقابة والإشراف والتقييم وضمان تكافؤ الفرص وتتبع سلامة المسار الانتخابي.

إن المسألة، في النهاية، ليست مسألة عدد مكاتب التصويت، وإنما مسألة من يراقب من؟

ففي الديمقراطية، لا يكفي أن تكون الإدارة قوية؛ يجب أيضاً أن تكون خاضعة للرقابة. ولا يكفي أن تكون الانتخابات منظمة؛ يجب أن تكون محل ثقة.

ومن منظور القانون الدستوري، فإن مبدأ سيادة الأمة والاختيار الحر للناخبين لا يكتملان بمجرد إجراء الاقتراع، وإنما يتطلبان ضمانات مؤسساتية تجعل العملية الانتخابية محكومة بالحياد والشفافية والمساواة.

 

 

المحور الثالث: التقطيع الانتخابي بين التعددية الديمقراطية وإعادة إنتاج النخب

يمثل التقطيع الانتخابي أحد أكثر عناصر النظام الانتخابي حساسية، لأنه قد يتحول من تقنية تنظيمية إلى وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى السياسية.

فالدوائر الصغيرة ذات المقاعد المحدودة قد تنتج نتائج أقل تمثيلية للتعددية، خصوصاً إذا اقترنت بوجود تفاوت كبير في الموارد المالية والتنظيمية بين المتنافسين.

أما الدوائر الأكبر، فإنها قد تتيح، نظرياً، فرصاً أكبر لتمثيل التيارات السياسية المختلفة، وتحد من قدرة النفوذ المحلي أو المالي على التحكم الكامل في النتيجة.

لكن الدفاع عن الدوائر الكبيرة ينبغي ألا يتحول بدوره إلى عقيدة انتخابية. فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون مدى تحقيق النظام لمبادئ المساواة في التصويت، والتناسب في التمثيل، وتكافؤ الفرص، ومنع هيمنة المال السياسي.

إن التخوف من "البلقنة" السياسية لا ينبغي أن يصبح ذريعة لتقليص التعددية. فالتعددية ليست مرضاً ديمقراطياً، وإنما هي أحد شروط الديمقراطية. والخطر الحقيقي لا يكمن في كثرة الأصوات داخل البرلمان، وإنما في وجود برلمان يبدو مستقراً عددياً لكنه عاجز سياسياً عن ممارسة وظيفته التشريعية والرقابية بصورة مستقلة.

وتكشف مسألة المشاركة النسائية، التي يثيرها التصريح، عن مفارقة أخرى: فقد تكون النساء حاضرات بقوة في قاعدة التصويت، بينما تظل تمثيليتهن ومساهمتهن الفعلية في صناعة القرار محدودة.

وهنا يظهر الفرق بين المشاركة الانتخابية والتمكين السياسي.

فالمرأة التي تصوت ليست بالضرورة امرأة ممثلة، والناخب الذي يشارك في الاقتراع ليس بالضرورة ناخباً يشعر بأن صوته مؤثر في صناعة السياسات العمومية.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأخطر: هل نريد انتخابات تنتج مجرد أغلبية عددية، أم انتخابات تنتج مؤسسات سياسية قوية، متعددة، وقادرة على التشريع والرقابة والمساءلة؟

 

 

المحور الرابع: تخليق الحياة السياسية بين الردع الجنائي والوقاية من الفساد

شكل تخليق الحياة السياسية أحد أبرز تحديات الإصلاح الديمقراطي، غير أن مقاربته لا ينبغي أن تختزل في تشديد العقوبات الجنائية أو التلويح بالعقوبات السالبة للحرية. فالفساد السياسي لا يبدأ عند لحظة ارتكاب الجريمة، وإنما قد ينشأ من تضارب المصالح، واستغلال النفوذ، وتحويل المعلومة المرتبطة بالوظيفة العمومية إلى وسيلة لتحقيق منافع خاصة.

ومن هذا المنطلق، يكتسب مبدأ «من أين لك هذا؟» أهمية سياسية وقانونية، باعتباره مدخلاً للمساءلة المالية للمسؤولين العموميين، شريطة احترام مبدأ الشرعية الجنائية وقرينة البراءة وحقوق الدفاع. فالمطلوب ليس إدانة الأشخاص بناءً على الشبهة، وإنما بناء منظومة قانونية قادرة على كشف الثراء غير المبرر، ومنع تضارب المصالح واستغلال الوظيفة والمعلومة العمومية.

كما أن محاربة الفساد تقتضي الانتقال من منطق العقاب بعد وقوع الجريمة إلى منطق الوقاية قبل وقوعها، من خلال تعزيز الشفافية، ومراقبة التصريح بالممتلكات والمصالح، وتشديد الرقابة على المال العام وتمويل الحياة السياسية.

وتبرز، في هذا السياق، أهمية استقلال أجهزة الرقابة وفعالية القضاء، إلى جانب الدور الذي ينبغي أن يضطلع به المجتمع المدني والإعلام والمحامون في كشف الاختلالات ومراقبة تدبير المال العام. فإضعاف هذه الأدوار باسم تنظيم المساطر قد يؤدي، عملياً، إلى تضييق دائرة المساءلة بدل توسيعها.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج مزيد من النصوص العقابية، وإنما في بناء منظومة متكاملة للوقاية والشفافية والمساءلة. فدولة القانون لا تحارب الفساد خارج القانون، لكنها في المقابل لا ينبغي أن تجعل من التعقيدات القانونية أو الإجرائية حصانة فعلية أمام المساءلة.

إن تخليق الحياة السياسية لا يكون بتجميل الخطاب حول مكافحة الفساد، بل بجعل السلطة نفسها خاضعة للرقابة، والثروة قابلة للمساءلة، والوظيفة العمومية منفصلة عن المصالح الخاصة. وإلا فإن «التخليق» سيظل مجرد شعار سياسي، بينما تستمر الآليات التي تسمح بإعادة إنتاج الفساد والريع داخل المجال السياسي.

 

 

وختاما 

 

فإن النقاش حول إصلاح المنظومة الانتخابية في المغرب يكشف أن الأزمة ليست أزمة تقنية يمكن حلها بتعديل مادة قانونية أو تغيير طريقة احتساب الأصوات، وإنما هي أزمة ذات طبيعة مركبة، تتداخل فيها السياسة بالقانون وبالمؤسسات وبالثقافة الديمقراطية.

فالتصويت بالبطاقة الوطنية قد يعالج جزءاً من مشكلة التسجيل، لكنه لن يعالج وحده أزمة الثقة. والهيئة المستقلة للانتخابات قد تعزز الحياد المؤسسي، لكنها لن تكون ذات جدوى إذا ظلت بقية شروط المنافسة السياسية غير متكافئة. وإعادة النظر في التقطيع الانتخابي قد تفتح المجال أمام تعددية أكبر، لكنها لن تمنع المال والنفوذ من التأثير ما لم تقترن بقواعد صارمة للتمويل السياسي وتكافؤ الفرص.

أما تخليق الحياة العامة، فلا يمكن أن يتحول إلى مجرد خطاب عقابي يُرفع كلما اقترب موعد الانتخابات. التخليق الحقيقي يبدأ قبل الجريمة، من خلال الوقاية والشفافية وتضارب المصالح والمراقبة المالية، ثم يأتي القانون الجنائي في المرحلة التي يصبح فيها التجريم مستوفياً لشروطه.

والأخطر أن تتحول مكافحة الفساد إلى شعار للاستهلاك السياسي، بينما يتم في الوقت نفسه إضعاف أدوات الرقابة والمساءلة والمجتمع المدني. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي تُسن، وإنما بعدد القيود التي تضعها الدولة على استعمال السلطة، وبمدى قدرة المواطن على مساءلة من يحكمه.

إن المطلوب، في نهاية المطاف، ليس مجرد انتخابات نزيهة في يوم واحد، وإنما نظام سياسي يجعل النزاهة قاعدة يومية للحكم.

وإذا كان المواطن قد فقد الثقة في الانتخابات، فإن استعادة هذه الثقة لن تتم عبر مطالبة المواطن بالمشاركة أكثر، وإنما عبر جعل صوته أكثر قيمة، وتمثيليته أكثر عدالة، ورقابة المؤسسات أكثر استقلالاً، ومحاسبة المسؤولين أكثر جدية.

فالديمقراطية التي تطلب من المواطن أن يصوت، ثم لا تمنحه آليات حقيقية لمراقبة من انتخبهم، تظل ديمقراطية ناقصة. والقانون الذي يجرّم الفساد بعد وقوعه لكنه لا يبني آليات فعالة لمنعه، يظل قانوناً يطارد الظاهرة بدل أن يحاصر أسبابها.

ومن هنا، فإن الإصلاح الانتخابي الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد إعادة هندسة للصناديق، بل إعادة بناء للعلاقة بين المواطن والسلطة.

والمعركة الحقيقية ليست فقط حول من سيفوز في الانتخابات القادمة، وإنما حول أي دولة نريد أن تنتجها هذه الانتخابات: دولةً تعيد تدوير النخب والامتيازات، أم دولةً تجعل السلطة خاضعة للقانون، والانتخاب طريقاً فعلياً لتداول القرار، والمواطن صاحب السيادة لا مجرد رقم في لائحة انتخابية؟

وللانتقال من "ديمقراطية الاقتراع" إلى "ديمقراطية المساءلة"، تتحدد أبرز المداخل الإصلاحية في المحاور التالية:

الاستقلالية والحكامة الانتخابية: إحداث هيئة الوطنية مستقلة ودائمة للإشراف الكامل على الانتخابات، مع حصر دور وزارة الداخلية في الجانب اللوجستي، واعتماد البطاقة الوطنية والتعديل الرقمي المستمر لتصفية اللوائح الناخبة.

العدالة التمثيلية والتقطيع الانتخابي: اعتماد معايير موضوعية للتقطيع الانتخابي (السكان، الجغرافيا، والتجانس) تفادياً للسرقة السياسية والمالية للدوائر، وبما يضمن التعددية والتمثيل الحقيقي لكافة مكونات المجتمع.

تخليق الحياة العامة ومحاصرة الفساد: حصر الشبهات المالية والسياسية عبر تشدد الرقابة على تمويل الحملات ومنع استغلال موارد الدولة، وإرساء منظومة استباقية لمنع تضارب المصالح قبل حدوث الاختلالات، مع مراجعة التشريعات الجنائية لتجريم الإثراء غير المشروع واستغلال النفوذ.

النزاهة والرقابة الديمقراطية: ربط الترشح بضوابط النزاهة والأحكام القضائية النهائية، وتعزيز استقلالية متابعة جرائم المال العام، مع حماية المجتمع المدني، الصحافة، والمحاماة باعتبارها أدوات مجتمعية أساسية للرقابة والشفافية.

استمرارية التقييم والمساءلة: إرساء آلية مؤسساتية لتقييم العملية الانتخابية عقب كل استحقاق، وتطوير أدوات تمكّن المواطن من تتبع أداء منتخبيه ونشر معطيات العمل التشريعي والرقابي بانتظام.

إن إصلاح المنظومة الانتخابية لا ينبغي أن يتحول إلى عملية تقنية لإعادة توزيع المقاعد، لأن جوهر الأزمة ليس في الصندوق وحده، وإنما في البيئة السياسية والقانونية التي تحيط به. المطلوب هو الانتقال من إصلاح الانتخابات إلى إصلاح شروط إنتاج السلطة نفسها: من يترشح؟ كيف يمول حملته؟ من يراقبه؟ كيف يحاسب؟ وما هي الضمانات التي تحول دون تحويل المنصب العام إلى مصدر للإثراء والنفوذ؟

وبذلك يصبح الإصلاح الحقيقي قائماً على ثلاثة مرتكزات متلازمة: انتخابات نزيهة، تمثيلية عادلة، ومساءلة فعالة. فإذا غاب أحدها، تحولت الديمقراطية إلى مجرد هندسة انتخابية؛ وإذا اجتمعت، أمكن الحديث فعلاً عن انتقال من شرعية الصندوق إلى شرعية الأداء والمحاسبة.