كلما صادفت مقطع "فيديو" وسط تسونامي الحملة الانتخابية الفيسبوكية، التي يشهدها إقليم اليوسفية أصاب بالذهول جراء ما يقترفه "المرشح" من انزلاقات أثناء تصريحاته وخطاباته وكأنه يمتلك عصى سحرية لتحقيق ما عجزت عنه "حكومته" أكثر من ولاية، حيث يطل "المرشح" من نافذة "الإغاثة" بسردية الإمكانات المجالية التي اكتشفها في هذه البقعة من تربة "قبيلة أحمر" ليحدث الناس عن الثروة الفوسفاطية والتراث المادي واللامادي والسياحة.... متحسرا على عدم استثمارها في مسار التنمية، علما أن رفوف "حكومته" شاهدة على مطالب الناس والمجتمع منذ اكتشاف الفوسفاط وإحداث مدينة "لويس جونتي".
إن المثل المغربي: "يَمْحِي السْمَا بِلِيكَةْ" يجسد أبلغ وصف لسياسة تجاهل واقع إقليم اليوسفية وإعادة اختراع العجلة من طرف "المرشح". إذ إن مأساة و "نكبة" المشهد المحلي - حسب تعبير أحد الوزراء - لا تكمن في غياب الحلول أو انعدام الرؤية، بل في التنكر لما راكمته العقول، وكشفته أعمال المؤرخين وبيانات المثقفين ومقالات الإعلاميين، وتجاهل ما خُطّ بأقلام الدارسين وأبحاثهم الميدانية دون الحديث عن التوصيات العلمية التي تخدم التنمية المحلية.
لقد عانى إقليم اليوسفية تاريخيا وجغرافيا وثقافيا من مفارقة صارخة، بالنظر إلى غنى الموروث والذاكرة مقابل التهميش والإهمال الميداني، على اعتبار أن الذخيرة الحضارية والتاريخية تؤكد أن هذا المجال الجغرافي يختزن ذاكرة موثقة وشفهية ضاربة في القدم، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر (موقع جبل إيغود وتاريخ الإنسان العاقل، المعالم الأثرية، مدرسة الأمراء العلويين بالشماعية، سبخة زيمة، محمية الطالعة، التاريخ الزاخر للصلات التاريخية بالدولة المغربية وسلاطينها...)، إضافة إلى الموروث المادي واللامادي الذي يُشكل رصيدا لو استُغل بالشكل الأمثل لكان رافعة لسياحة ثقافية واستكشافية مستدامة.
للأسف الشديد، لو استعمل "المرشح" ذاكرة "الذكاء الاصطناعي" للبحث عن الجهد الفكري والبحثي المهدور الذي لم يدخر فيه المؤرخون والباحثون والمهتمون من أبناء المنطقة جهدا في التشخيص وتشريح واقع الحال مع طرح البدائل الممكنة وإعداد المقترحات والدراسات، فضلا عن مئات المراسلة الموجهة للجهات المعنية لتثمين هذه المقدرات، غير أن هذه التوصيات ظلت حبس الرفوف مغيبة عن السياسات العمومية. لو استعان بالثقافة الرقمية لاطلع على تراكمات فعاليات الإقليم التي لم تجد في حكومة "المرشح" من يجيب عن أسئلة التنمية.
هكذا استعمل "المرشح" الخطاب السطحي بدلا من التراكم، وكرس الخطابات والمزايدات المستعملة في المواسم والمحطات السياسية لتتعامل مع مقدرات إقليم اليوسفية وكأنها اكتشاف حديث، مما أفرغ العمل التنموي من محتواه ويعيد الإقليم في كل مرة إلى نقطة الصفر، في سلوك يجسد العبثية والتنكر لحجم التراكم المعرفي والتاريخي.
إن الرهان الحقيقي للنهوض بالإقليم لا يتأتى بالإنكار أو المحو، بل بالاعتراف بما أُنجز، والانطلاق من توصيات أهل الخبرة والدراسة، وتحويل التراث المادي واللامادي من مجرد شعارات انتخابية إلى مشاريع تنموية ملموسة ردّا لشيء من الاعتبار لإقليم اليوسفية وسكانه.






