مجتمع وحوداث

قراءة في الهيكلة الجديدة للأقسام والمصالح بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة... من هيكلة الوزارة إلى هيكلة الأكاديميات.. هل يصمد اللاتمركز أمام الارتداد المركزي؟

محمد تاكناوي (إطار تربوي)

بصدور قرار وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة رقم 1275.26 المتعلق بإحداث وتنظيم الأقسام والمصالح التابعة للإدارة المركزية لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي وتحديد اختصاصاتها، الصادر في 4 يونيو 2026 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7541 بتاريخ 7 شتنبر 2026، وجدت نفسي، كمسؤول سابق عن التواصل وتتبع أشغال المجلس الإداري بإحدى الأكاديميات، أقرأ النص بعينين مختلفتين. عين الإطار الذي كان يعد ملفات المجلس الإداري ويصوغ تقاريره التركيبية ومحاضره النهائية، وعين المتتبع الذي يعرف أن هذا النص، الذي يحمل توقيع الوزير محمد سعد برادة، ليس وليد اليوم، بل هو تتويج لمسار انطلق مع الوزير السابق شكيب بنموسى نهاية 2023، حين وضع فلسفة الانتقال من هيكلة 2002 إلى هندسة بأربعة أقطاب كبرى هي: العمل التربوي، والحياة المدرسية، والتخطيط والموارد، والموارد البشرية.


ما فعله قرار برادة هو أنه حول تلك الفلسفة إلى تنظيم إداري دقيق. مفتشية عامة تتحول إلى منظومة تقييم بقواعد بيانات مرقمنة، ومديرية عامة للعمل التربوي يعاد بناؤها حسب الأسلاك مع بنيات مستقلة للتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، ومديرية لنظم المعلومات والتحول الرقمي وأخرى للبرمجة والميزانية ومراقبة التدبير تتولى تتبع عقود نجاعة الأداء مع الأكاديميات، مع إحداث قسمين حساسين في الكتابة العامة، أحدهما للتتبع والتنسيق مع الأكاديميات والآخر لأمن نظم المعلومات. تنظيم محكم على الورق، لكنه بالنسبة لمن عاش داخل الأكاديمية يحمل نذر ارتداد مركزي واضح.


فالقانون 07.00 منح الأكاديمية صفة مؤسسة عمومية مستقلة، وجعل من مجلسها الإداري برلمانا جهويا يضم الوالي ورئيس الجهة والعمال والمنتخبين وممثلي عدد من القطاعات الحكومية، يصادق على برنامج العمل والميزانية والخريطة المدرسية. كنت أعيش تلك اللحظة مرة في السنة وأعرف قيمتها، حيث كان النقاش حول بناء المؤسسات التعليمية والمرافق التربوية يعرف نقاشا حيا تشعر فيه الجهة أنها تملك مدرستها. اليوم، حين تحتكر مديرية البرمجة في الرباط إعداد الميزانية ولوحات القيادة وعقود البرامج، وحين يصبح قسم التتبع في الكتابة العامة وصيا يوميا يطلب المعطيات عبر منظومات مؤمنة مركزيا، سيتحول دور المجلس الإداري إلى مصادقة شكلية على عقد نجاعة تمت هندسته بمعايير موحدة في الرباط. التعاقد الذي كان يفترض أن يكون تفاوضا بين مستقلين سيصبح إذعانا، والمجلس الذي كان يقرر سيصبح غرفة تسجيل لأرقام أنتجتها خوارزمية مركزية.


والأمر الأكثر إيلاما بالنسبة لي، كمسؤول سابق عن التواصل، هو ما آل إليه مجال التواصل نفسه. الهيكلة الجديدة حصنت التواصل في بنية مركزية تابعة للكتابة العامة تخاطب الرأي العام الوطني ببلاغات رسمية. لكن خبرتي الميدانية علمتني أن الثقة لا تبنى ببلاغ وطني. حين كنت أحضر اجتماعات ولقاءات مدير الأكاديمية مع فعاليات مدنية وجمعوية، كانوا لا يسألون عن الاستراتيجية الوطنية، بل عن الحجرات الدراسية والداخليات في الدواوير والمداشر، وعن الاكتظاظ في المؤسسات التعليمية والنقل المدرسي وغيرها. وكان فضاء المجلس الإداري هو منصة هذا التواصل الترابي، لكنه حين يفقد سلطة القرار المالي والبيداغوجي يفقد معه مادته التواصلية، ويصبح بلا صلاحيات واختصاصات حقيقية سوى تنفيذ تعليمات مركزية. فيتحول التواصل من تواصل قرب يعالج انتظارات الناس إلى تواصل تبريري لسياسات وطنية، ويتحول تتبع أشغال المجلس إلى مجرد أرشفة لتوصيات اللجان الموضوعاتية التي لن تجد طريقها إلى الأجرأة.


لهذا أقولها من موقع التجربة، إن استصدار هيكلة جديدة للأكاديميات لم يعد ملاءمة شكلية، بل هو شرط لإنقاذ ورش اللاتمركز. نحن لا نحتاج إلى أكاديميات نسخة مصغرة من الوزارة، بل إلى هيكلة تعيد للمجالس الإدارية سلطتها الحقيقية بوصفها سلطة تقرير تملك تفويضا ماليا جهويا وقرارا في الخريطة المدرسية، وتملك نظام معلومات جهويا يغذي المركز لا العكس، وتملك، وهذا هو الأهم، قطب تواصل جهوي حقيقي يتابع تنفيذ توصيات المجلس على مدار السنة ويبني تعاقدا مجتمعيا حول المدرسة. مسار بدأ مع بنموسى بشعار "الوزارة في خدمة القسم" واكتمل مع برادة بشعار "الوزارة التي ترى القسم من الرباط"، لن يكتمل إلا بهيكلة ثالثة تعيد القرار والصوت إلى الجهة، وإلا سننتهي إلى معادلة أعرفها جيدا: وزارة قوية جدا ترى كل شيء من شاشاتها، وأكاديميات ضعيفة جدا تبرر كل شيء في بلاغاتها، ومدرسة في الوسط لا تجد من يصغي لخصوصيتها.