""الانفعال يخبرنا بما نحسّه؛ أما الاقتدار فيسأل عما نستطيع فعله فعلًا.""
عن بول ريكور في مؤلفه :
"" انطولوجيا الهشاشة والقدرة الإنسانية ""
ليست الوحدة مجرد قيمة مرغوبة، بل مفهوم يحتاج إلى ضبط؛ لأن المسافة قد تتسع بين الوحدة بوصفها اصطلاحًا، والوحدة بوصفها حقيقة، والوحدة بوصفها طموحًا. فقد تعلن جماعة ما وحدتها لأنها تتطلع إليها، بينما يكشف واقعها عن تعدد في المصالح والتقديرات والمواقف. ولا يعني ذلك غياب الوحدة، وإنما يقتضي تحديد مستواها: هل هي وحدة مبدئية، أم تنظيمية، أم سياسية، أم فكرية، أم مهنية، أم مذهبية؟
هذا التمييز ضروري لأن الجماعة قد تتحد حول المبدأ وتختلف حول الوسيلة، وتتفق على الغاية وتتنازع في تقدير الطريق المؤدي إليها. والخطأ يبدأ عندما تتحول الوحدة الجزئية إلى ادعاء بالوحدة الكلية، فيصبح الاختلاف في الوسيلة كما لو كان خروجًا عن المبدأ نفسه ؛ ومن هنا ينبغي التمييز كذلك بين الوحدة والتوحيد ؛ فالوحدة علاقة بين مختلفين وجدوا بينهم مشتركًا، أما التوحيد فهو عملية يراد بها إنتاج هذا المشترك ، وقد يكون توحيدًا تعدديًا يحفظ الاختلاف، وقد ينقلب إلى توحيد قسري حين يصبح المطلوب ليس احترام القرار المشترك فقط، وإنما توحيد التقدير والخطاب، وربما المشاعر أيضًا.
الوحدة الإيديولوجية وإيديولوجيا الوحدة :
وهنا يظهر الفرق بين الوحدة الإيديولوجية وإيديولوجيا الوحدة.
الأولى اشتراك فعلي في منظومة من الأفكار والقيم؛ أما الثانية فتظهر عندما تتحول الوحدة نفسها إلى قيمة حاكمة لما يجوز التفكير فيه وقوله ؛ ولا تكون هذه الوظيفة سلبية بالضرورة ، ففي لحظات الأزمة تحتاج الهيئات المدنية والتنظيمات الذاتية والحركات الاجتماعية إلى التعبئة والثقة والتضامن. لكن الانزلاق يبدأ عندما تنتقل الوحدة من وظيفة تعبوية إلى سلطة معرفية؛ فلا يعود السؤال: «هل هذا القول صحيح؟»، وإنما: «هل يخدم التماسك أم يضعفه؟» ؛ وعندها يمكن أن تنشأ سلسلة من التقابلات المغلقة: النقد في مقابل الانضباط، والمراجعة في مقابل الثبات، والتردد في مقابل الصمود، والاختلاف في مقابل الوحدة.
وهنا تصبح الجماعة معرضة لمفارقة خطيرة: أن تحمي وحدتها من المعرفة التي تحتاج إليها لكي تستمر.
فوبيا الانهزام وعبادة المشاعر :
في هذا المناخ قد يتحول الخوف المشروع من الهزيمة إلى ما يمكن تسميته، بمعنى تحليلي لا سريري، فوبيا الانهزام: أي الخوف من كل سؤال أو معلومة أو مراجعة يمكن أن توحي بأن المسار المعتمد قد لا يحقق غايته ، وهنا يفيد، مع الاحتراز من تعميماته التاريخية، ما أثاره غوستاف لوبون حول سيكولوجية الجماهير وأثر العدوى والانفعال والإيحاء والشعار في السلوك الجماعي. فكلما ارتفعت كثافة التعبئة، ازدادت قدرة الصورة والرمز والانتماء على توجيه الأحكام ؛ ويتيح مصطفى حجازي مستوى آخر من الفهم من خلال تحليله لسيكولوجية القهر والتخلف الاجتماعي: فقد تحتاج الجماعة الواقعة تحت الضغط إلى بناء صورة قوية عن ذاتها تعوض بها هشاشة الواقع ، وعندئذ قد يصبح الاعتراف بالضعف تهديدًا للصورة الجماعية، ويُقرأ تغيير الوسيلة تراجعًا، والمراجعة هزيمة، والنقد مساسًا بالتماسك ؛ ولا تكمن المشكلة في المشاعر ذاتها ، فالغضب والأمل والكرامة والتضامن موارد أساسية للفعل الجماعي.
إن المشكلة تبدأ عندما تنتقل المشاعر من طاقة للفعل إلى معيار للحقيقة، وهذا هو المقصود ، ميشيل لاكروا ، بـعبادة المشاعر: أن تصبح حماية الشعور الجماعي مقدمة على معرفة الواقع، فيقال ما ينبغي أن تشعر به الجماعة بدل البحث فيما ينبغي أن تعرفه.
الأثر العكسي: حين تنتج الوحدة وهم الإجماع :
من أخطر نتائج التوحيد القسري أنه لا يلغي الاختلاف، وإنما قد يدفعه إلى الصمت ؛ يصمت المتردد حتى لا يوصف بالضعف، والناقد حتى لا يتهم بالتشويش، والمرهق حتى لا يبدو قليل الصمود. ومن ثم لا تختفي الاختلافات؛ بل تختفي المعلومات الدالة عليها ؛ وهنا تظهر مفارقة إبستمولوجية أساسية:
كلما أصبحت الوحدة غير قابلة للنقد، قلت قدرة الجماعة على معرفة حقيقة وحدتها ، فتصبح أمام «وحدة معلنة» لا نعرف مقدار مطابقتها للوحدة الفعلية، لأن أدوات قياسها أصبحت هي نفسها موضع ريبة ؛ وهذا أخطر من الاختلاف المعلن؛ فالاختلاف المرئي يمكن تدبيره، أما الاختلاف الصامت فينتج وهم الإجماع.
من إيديولوجيا الهزيمة إلى استحالة الاعتراف بالخطأ :
لكن المسألة الأعمق تظهر عندما تقترن فوبيا الانهزام بفكرة الثبات على المبدأ ؛ فإذا كانت الغاية عادلة والمبدأ مشروعًا، قد تنشأ بصورة غير واعية معادلة تفضي إلى ان صحة المبدأ توازي صحة الموقف وتساوي صحة الوسيلة ، وبالتالي يقتضي منطقها ضرورة الاستمرار فيها ؛ وإن هذه معادلة غير صحيحة إبستمولوجيًا ؛ لأن
صحة المبدأ لا تضمن صحة كل ممارسة تتم باسمه، كما أن خطأ الوسيلة لا يبطل بالضرورة عدالة المبدأ الذي استندت إليه ؛ وهنا ينبغي التمييز بين مستويين مختلفين جذريًا: الخطأ في المبدأ يعني أن المرجعية أو الغاية نفسها تحتاج إلى مراجعة ، أما الخطأ في الممارسة فقد يعني أن الوسيلة أو التوقيت أو التقدير أو طريقة التنفيذ لم تكن مناسبة، مع بقاء المبدأ صحيحًا.
وإن الخلط بينهما يجعل مراجعة الوسيلة تبدو تخليًا عن المبدأ ؛
وهكذا يمكن أن تصبح الجماعة أسيرة لوسيلتها دفاعًا عن مبدئها.
إبستمولوجيا الخطأ: المراجعة ليست هزيمة :
هنا نصل إلى النتيجة التي ينبغي أن تؤسس عليها الوحدة النقدية.
فالتفكير النقدي لا يسأل فقط: هل نحن على حق؟ بل يسأل أيضًا:
في ماذا نحن على حق؟ وفي ماذا يمكن أن نكون مخطئين؟
قد نكون على حق في المبدأ ومخطئين في تشخيص الظرف؛ على حق في الغاية ومخطئين في اختيار الوسيلة؛ على حق في النقد والاعتراض ومخطئين في تقدير الكلفة؛ أو على حق في البداية ثم يصبح الاستمرار في الوسيلة نفسها غير ملائم بعد تغير الواقع؛
ومن ثم فالمراجعة لا تعني بالضرورة الانتقال من الحق إلى الخطأ، بل قد تكون انتقالًا من ممارسة أقل ملاءمة للمبدأ إلى ممارسة أكثر قدرة على تحقيقه، وهذا يقلب منطق فوبيا الانهزام رأسًا على عقب لأن الاعتراف بالخطأ في الممارسة قد يكون شكلًا من أشكال الوفاء للمبدأ، لا التخلي عنه ؛ فالذي يجعل الوسيلة قابلة للمراجعة هو بالضبط كونها وسيلة وليست مبدأ.
أما حين تُرفع الوسيلة إلى مرتبة المبدأ، فإنها تكتسب حصانة رمزية، حيث يصبح تعديلها تراجعًا، والتخلي عنها هزيمة، حتى ولو أصبحت كلفتها أعلى من مردودها.
الوحدة النقدية: أن نتحد دون أن نعصم أنفسنا من الخطأ :
لذلك لا ينبغي قياس قوة الجماعة بقدرتها على إنتاج موقف واحد فقط، وإنما بقدرتها على تصحيح نفسها دون أن تنهار صورتها عن ذاتها ، وهذه هي الوحدة النقدية: أن يكون هناك مشترك قوي بما يكفي لتحمل الاختلاف، ومبدأ راسخ بما يكفي للسماح بمراجعة الوسائل المتخذة باسمه ؛ لأن الجماعة التي لا تستطيع الاعتراف بخطأ ممارستها إلا إذا تخلت عن مبدئها ستجد نفسها أمام خيار زائف: إما المكابرة وإما الاستسلام ، بينما توجد إمكانية ثالثة أكثر اقتدارًا: الثبات على المبدأ مع الجرأة على مراجعة الممارسة، وهنا يصبح الخطأ نفسه موردًا معرفيًا؛ لأن اكتشافه لا يهدم التجربة، بل ينتج منها معرفة تسمح بتصحيح المسار ، ولذلك ربما يكون الاختبار الحقيقي للوحدة ليس مقدار قدرتها على مقاومة الاختلاف، وإنما مقدار قدرتها على مقاومة وهم العصمة الجماعية.
فليس السؤال فقط هل نستطيع البقاء موحدين عندما نختلف؟
بل أيضًا هل نستطيع أن نعترف بأننا أخطأنا في الوسيلة، دون أن نشعر بأننا خنّا المبدأ؟
عندما يصبح الجواب ممكنًا، تنتقل الوحدة من مجرد دفع و تعبئة للمشاعر إلى اقتدار معرفي جماعي؛ ومن التوحيد القسري إلى الوحدة النقدية؛ ومن الخوف من الهزيمة إلى القدرة على التعلم ؛
ذلك أن المبدأ الذي لا يحتمل مراجعة الممارسة يتحول إلى عقيدة مغلقة، والممارسة التي تستعير قداسة المبدأ تفقد قابليتها للنقد والتقويم ؛ أما الوحدة الناضجة فهي التي تعرف أن الوفاء للمبدأ لا يقاس بتكرار الوسيلة نفسها، وإنما بالقدرة المستمرة على البحث عن الوسيلة الأقدر على تحقيقه.
المقال المقبل : المحاماة بين وحدة المبدأ واقتدار الممارسة
أو من الاكتفاء الذاتي إلى الوعي النقدي بالذات






