قطعةٌ فنية بديعة، صُنعت بحرفية مغربية آسرة، بتفاصيل دقيقة تشهد على يدٍ تعرف كيف تحوّل الخشب إلى حكاية.
لكن الأجمل من جماله… حكايته.
فهذا المكتب لم يصنعه صانعٌ عادي؛
صنعه سجينٌ مغربي، بيديه وموهبته، وأهداه إلى الراحل الملك الحسن الثاني.
ومنذ ذلك الزمن، ظلّ هنا…
هادئًا، صامتًا، يحتفظ بقصته بين عروقه الخشبية.
يمرّ أمامه يوميًا المئات، يهرولون بين الممرات، يلهثون خلف الملفات والمصالح والمواعيد، ولا يكاد أحد يلتفت إلى هذا الجمال المختبئ في قلب مؤسسةٍ لها تاريخ.
ربما لأن العين، حين تنشغل بالمصلحة، تفقد قدرتها على رؤية التفاصيل.
وربما لأننا أصبحنا نبحث عما يُنجز لنا شيئًا، أكثر مما نبحث عما يروي لنا شيئًا.
أما هذا المكتب، فلا يطلب شيئًا من أحد.
فقط يقف هناك…
ويذكّرنا بأن وراء كل قطعة أثرًا إنسانيًا، وأن السجن لم يكن دائمًا نهاية الحكاية؛ فقد كان، في زمنٍ ما، مكانًا يستطيع فيه إنسانٌ أن يتعلم حرفة، ويبدع بيديه، ويترك أثرًا يتجاوز أسوار الزنزانة.
قد يمرّ الناس أمامه كل يوم ولا يرونه…
لكن بعض التحف لا تحتاج إلى من ينظر إليها، بقدر ما تحتاج إلى من يعرف قصتها.
وشكرًا لصديقتي على هذه المعلومة الجميلة، التي جعلتني أرى هذا المكتب بعينٍ أخرى.
ورحم الله الملك الحسن الثاني، الملك الفنان الراقي، الذي لم تكن عينه ترى الأشياء من ظاهرها فقط، بل كانت ترى في الصنعة موهبة، وفي الموهبة إنسانًا، وفي الإنسان قيمةً تستحق أن تُصان.
ملكٌ رحل، وبقيت في أشياء صغيرة من حولنا إشاراتٌ إلى زمنه؛
في قطعة خشبٍ نُحتت بعناية،
وفي يدٍ مغربية أبدعت رغم القضبان،
وفي أثرٍ ما زال يحتفظ بحكايته داخل مؤسسةٍ تحفظ ذاكرة الوطن.
رحم الله الحسن الثاني، الذي عرف أن الجمال لا يسكن القصور وحدها، وأن الموهبة قد تولد خلف بابٍ مغلق، وأن اليد التي تُحسن الصنع تستحق أن تُرى.
رحم الله من مضى…
وبقي أثره.
مضى، وبقيَتْ من مجدهِ شواهدُهُ،
فما يُخلِّدُ أهلَ المجدِ إلا الأثرُ.






