تحليل

مغربية سبتة والقرار الأوروبي... في نقد منطق الاتهام والوصاية

عبد الواحد غيات (محلل سياسي وباحث في العلوم السياسية)
في تاريخ العلاقات بين الأمم، ثمة لحظات تكشف العمق الحقيقي للشراكات وصلابة التحالفات، لا في أوقات الوفاق والازدهار، بل في لحظات الأزمة والتوتر. وعلاقة المغرب بالاتحاد الأوروبي، التي تراكمت عبر عقود من التعاون المثمر في الأمن والاقتصاد والثقافة والتنمية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي، إثر القرار الذي تبنّاه البرلمان الأوروبي في السابع عشر من سبتمبر 2026، بأغلبية 339 صوتًا حظي بها تحالف اليمين (الوسط والمتشدد)، مقابل 225 صوتًا من اليسار، وامتناع 16 نائبًا عن التصويت.


هذا القرار، الذي وصف استغلال الهجرة بأنه "أداة من أدوات الحرب الهجينة"، وأدرج قضية سبتة ضمن إطار حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، لم يكن مجرد موقف سياسي عابر. إنه يعكس تحولًا في طريقة تعاطي بعض المؤسسات الأوروبية مع جوارها الجنوبي، ويطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الشراكة التي نريدها جميعًا: هل نريد شراكة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، أم شراكة قائمة على الاتهام والوصاية؟


المغرب، بوصفه شريكًا استراتيجيًا للاتحاد الأوروبي، وبوصفه دولة لها سيادتها وكرامتها ومصالحها المشروعة، يجد نفسه مضطرًا إلى توضيح موقفه بهدوء ومسؤولية. ليس ردًا على قرار برلماني، بل دعوة إلى حوار صريح وبناء، وإلى مراجعة مشتركة لأسس الشراكة التي تجمع ضفتي المتوسط.


ولفهم القرار الأوروبي في سياقه الصحيح، لا بد من العودة إلى الأحداث التي سبقته. ففي يوليوز 2026، شهدت مدينة سبتة تحركات جماعية لعدد من المهاجرين غير النظاميين، في مشهد أعاد إلى الذاكرة أزمات مماثلة عرفتها المنطقة في سنوات سابقة. هذه التحركات، التي انطلقت من ظروف إنسانية واقتصادية معقدة، سرعان ما تحولت إلى قضية سياسية كبرى، تجاوزت حدودها المحلية والإسبانية لتصل إلى قلب العاصمة الأوروبية. وجاء ردّ إسبانيا سريعًا: تعزيز أمني على الحدود، واستدعاء للسفير، وتصريحات رسمية تتهم المغرب ضمنيًا بعدم الوفاء بالتزاماته في مجال مراقبة الحدود. ثم جاء القرار الأوروبي ليمنح هذه الأزمة بعدًا قاريًا، عبر إدراجها في إطار "الحرب الهجينة" و "حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي".


لكن هذا التوصيف، على خطورته، يغفل حقيقة أساسية: أن المغرب ليس طرفًا في أي حرب ضد أوروبا، ولا يستعمل الهجرة كسلاح. ما حدث هو نتيجة تراكم عوامل بنيوية معقدة، بعضها خارج سيطرة المغرب، وبعضها مرتبط بسياسات أوروبية نفسها، خاصة فيما يتعلق بإغلاق مسارات الهجرة القانونية، وعدم كفاية الدعم الموجه لدول المصدر والعبور.


ومن الإنصاف، قبل أي حكم، أن نذكّر بحقيقة يعرفها الجميع في بروكسل ومدريد: المغرب كان ولا يزال شريكًا موثوقًا للاتحاد الأوروبي في مكافحة الإرهاب، وتفكيك شبكات التهريب، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وضبط الحدود. آلاف العمليات الأمنية المشتركة، وأعداد كبيرة من المهاجرين الذين تم اعتراضهم قبل وصولهم إلى الشواطئ الأوروبية، ومئات الشبكات الإجرامية التي تم تفكيكها بفضل التعاون المغربي-الأوروبي، كلها شواهد على أن المغرب يتحمل مسؤوليته كاملة، بل ونيابة عن شركائه.


فهل يُكافأ المغرب على هذه الجهود بأن يُوصف بأنه طرف في "حرب هجينة " ضد أوروبا؟ هذا سؤال مشروع، ويستحق إجابة صريحة من المؤسسات الأوروبية. فالاتهامات، حتى لو جاءت في صيغة قرار برلماني غير ملزم قانونًا، تترك أثرًا في الرأي العام، وتُضعف الثقة التي تُبنى بها الشراكات. المغرب لا يطلب من أوروبا أن تشكره في كل مناسبة. لكنه يطلب أن تُعترف بجهوده، وأن يُعامل كشريك، لا كمتهم. هذا ليس مطلبًا تعجيزيًا، بل هو الحد الأدنى لما تقتضيه العلاقات الدولية المسؤولة.


وجوهر الخلاف بين المغرب وبعض المؤسسات الأوروبية يتعلق بطبيعة ملف الهجرة. فبينما تميل بعض الخطابات الأوروبية إلى تصنيف الهجرة ضمن إطار التهديدات الأمنية والحرب الهجينة، يرى المغرب أن الهجرة ظاهرة إنسانية واجتماعية واقتصادية، لها أسبابها العميقة، ولها حلولها الشاملة. فالهجرة ليست اختراعًا مغربيًا، ولا أداة في يد دولة. إنها نتيجة الفقر، والتغير المناخي، وعدم الاستقرار الإقليمي، وغياب الفرص، واتساع الفجوة التنموية بين ضفتي المتوسط. وهذه الأسباب لا يمكن حلها بالأسوار ولا بالاتهامات، بل بالتنمية والاستثمار وفتح مسارات قانونية منظمة.


والمغرب، بموقعه الجغرافي كدولة عبور ومقصد، يتحمل عبئًا ثقيلًا. آلاف المهاجرين يصلون إلى أراضيه كل سنة، ويجدون فيها، رغم محدودية الموارد، معاملة إنسانية تحترم الكرامة. والمغرب، بفضل سياساته في مجال الهجرة، أصبح نموذجًا إقليميًا يُشاد به في المحافل الدولية. فهل يُعقل أن يُتهم هذا البلد باستعمال الهجرة كسلاح؟


ولا يمكن لأي نقاش حول أزمة سبتة أن يتجاهل البعد التاريخي والقانوني للمدينتين. ولا يمكن أيضًا تجاهل أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية جزءًا من ترابه الوطني، وأن قضيتهما تظل من الملفات التاريخية العالقة بين البلدين، لم تُحسم عبر مسار تفاوضي متفق عليه. التعامل معهما حصريًا كـ "حدود خارجية للاتحاد الأوروبي" يتجاهل هذا البعد التاريخي الذي يراه المغرب جوهريًا، ويضع النقاش في إطار أحادي لا يعكس تعقيد الملف. المغرب، مع ذلك، يتعامل مع هذه القضية بحكمة ومسؤولية. لم يسعَ أبدًا إلى أي تصعيد كيف ما كان، ولم يستعمل سكان المدينتين كأداة ضغط، بل ظل يدعو إلى الحوار والتفاوض. وهذا موقف يليق بدولة مسؤولة، ويستحق التقدير لا الاتهام.


كما أن المغرب لا يحتاج إلى التهديد ولا إلى المواجهة ليدافع عن موقفه. فلديه رصيد هائل من القوة الناعمة التي راكمها عبر عقود: الاستقرار السياسي، والانفتاح الاقتصادي، والاعتدال الديني، والتنوع الثقافي، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والعلاقات التاريخية مع أوروبا وإفريقيا والعالم العربي. ملايين المغاربة يعيشون في أوروبا، ويساهمون في اقتصادها وثقافتها وحياتها العامة. آلاف الشركات الأوروبية تعمل في المغرب، والمغرب بوابة أوروبا نحو إفريقيا. هذه الروابط ليست تفاصيل ثانوية، بل هي أساس أي شراكة حقيقية.


فالمغرب يقدم لأوروبا ما لا تقدمه أي دولة أخرى في المنطقة: شراكة موثوقة، واستقرارًا إقليميًا، وتعاونًا أمنيًا فاعلًا، وسوقًا مفتوحة، وفرصًا استثمارية واعدة. فهل من الحكمة أن تُقابل هذه الشراكة بالاتهامات؟


وبدلًا من التصعيد والاتهامات المتبادلة، تقترح رؤية جديدة للشراكة مع الاتحاد الأوروبي، تقوم على أربع ركائز أساسية: أولها المسؤولية المشتركة، إذ لا يمكن أن يتحمل المغرب وحده عبء حدود ليست حدوده؛ فالتعاون الأمني يجب أن يكون متكافئًا، مدعومًا بالوسائل والموارد والاعتراف بالجهود، لأن أوروبا تحتاج إلى المغرب كما يحتاج المغرب إلى أوروبا، والشراكة الحقيقية تقوم على المنفعة المتبادلة.


وثانيها الهجرة القانونية، فأوروبا تحتاج إلى يد عاملة، وإفريقيا تحتاج إلى فرص، وفتح مسارات قانونية ومنظمة للهجرة يقلل الضغط على الحدود، ويحمي المهاجرين من الشبكات الإجرامية، ويخدم اقتصادات الدول الأوروبية التي تعاني من شيخوخة السكان ونقص اليد العاملة.


وثالثها التنمية في دول المصدر والعبور، إذ لا يمكن حل أزمة الهجرة ببناء الأسوار، بل ببناء المدارس والمستشفيات وفرص العمل في دول المصدر، والمغرب شريك طبيعي في أي جهد تنموي في إفريقيا، بفضل خبرته وعلاقاته ومصداقيته في القارة.


ورابعها الحوار الثقافي والإنساني، إذ إن تبادل الطلبة، والتعاون الجامعي، والتبادل الثقافي، والحوار الديني، كلها أدوات قوة ناعمة تبني الثقة بين الشعوب، وتجعل العلاقات أكثر متانة من أي قرار سياسي ظرفي.


وحين يخاطب المغرب البرلمان الأوروبي، فهو لا يخاطب خصمًا، بل شريكًا. ولا يطلب أكثر من الاحترام المتبادل والحوار الصريح؛ فهو يمدّ يده إلى أوروبا، لا ليتنازل عن حقوقه، بل ليبني معها مستقبلًا مشتركًا قائمًا على الثقة والمصالح المتبادلة. وعلى البرلمان الأوروبي أن يدرك أن القرارات السياسية، حتى وإن كانت غير ملزمة قانونًا، تترك أثرًا في الرأي العام وفي العلاقات بين الدول. ووصف المغرب بأنه طرف في "حرب هجينة " ليس مجرد خطأ في التحليل، بل إساءة لشريك استراتيجي يستحق قدرًا أكبر من الحذر في التوصيف. وفي ضوء ذلك، يبدو من المفيد أن تتجه العلاقة بين الطرفين نحو تصحيح التصنيفات التي قد تمسّ بسمعة المغرب دون سند وقائعي كافٍ، وفتح حوار مسؤول مع الرباط بعيدًا عن لغة الاتهام المسبق، وبناء شراكة متوازنة تقوم على مبدأ المسؤولية المشتركة، والاستثمار في التنمية والهجرة القانونية كبديل عن منطق الأسوار والاتهامات المتبادلة.


في نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل تريد أوروبا أن تبني جسورًا مع المغرب، أم أسوارًا في وجهه؟ المغرب اختار الجسور. اختار الحوار، والتعاون، والشراكة، والاحترام المتبادل. ونأمل أن تختار أوروبا الشيء نفسه. فالعلاقة بين المغرب وأوروبا أعمق من أن تُختزل في قرار برلماني، وأقوى من أن تُهزها أزمة ظرفية. إنها علاقة تاريخية، وثقافية، وإنسانية، واقتصادية، وأمنية. علاقة تربط بين شعوب، لا بين حكومات فقط. ومن أجل هذه الشعوب، ومن أجل مصلحة الجميع، يجب أن تسود الحكمة، وأن تنتصر الثقة، وأن تظل الجسور قائمة.


المغرب ليس حارسًا لحدود أوروبا، ولا أداة في حرب لا يريدها. إنه دولة ذات سيادة، لها مصالحها وأمنها وكرامتها. لكنه في الوقت نفسه، جار وفيّ، وشريك موثوق، وصديق حقيقي. وعلى أوروبا أن تختار: شراكة متوازنة مع المغرب، أم وصاية واتهامات تخدم أعداء الاستقرار في المتوسط.


الشراكة نعم. الوصاية لا.