تحليل

الخطيئة المغاربية ومخاطر الإستعمار الأروبي الجديد ضد المغرب

لحسن العسبي (كاتب صحفي)

بالمرجعيات الحقوقية ومنظومة القوانين الدولية ذات الصلة بتصفية الإستعمار أين يمكن تصنيف قرار البرلمان الأروبي حول وضعية مدن سبتة ومليلية التي اعتبرها نواب الناخب الأروبي بوضوح جزء من الأراضي الإسبانية ومن الأراضي الأروبية؟

بدون تردد هذا قرار يندرج ضمن خانة "الفكر الإستعماري الأروبي" الذي كان يُعتقدُ أن القارة العجوز قد تخلصت منه نهائيا.. صحيح أن القرار المصوت عليه بنسبة أصوات وازنة بمقر البرلمان الأروبي بستراسبورغ ليس ملزما للآلية المؤسساتية التنفيذية للاتحاد الأروبي، لكنه يعكس في العمق للأسف الرؤية السياسية التي تحكم النخبة المنتخبة بأروبا إزاءنا بالجنوب المتوسطي..

عمليا يمكن تصنيف القرار نجاحا لاستراتيجية مدريد في تحويل مستقبل آخر المستعمرات الأروبية بقارتنا الإفريقية التي هي جزء لا يتجرأ من الأراضي المغربية إلى قضية أروبية سياسيا وأنها ليست فقط إسبانية. 

لا يمكن الرؤية إلى الموقف الإسباني بمعزل عن سياق تطورات ملف صحراءنا الغربية المغربية أمميا. ذلك أن عقل الدولة في مدريد (المفروض أنه قارئ جيد للتطورات والصانع للأفق المصلحي القومي ببلاد سرفانتيس)، يوقن أن هذا الملف الذي طالت تداعياته المعطلة والمكبلة منذ نصف قرن في طريقه للحسم بمنطق القانون الدولي الأممي خلال الشهور القادمة، بما يتوافق وتبني المقترح المغربي للحكم الذاتي "العملي، ذي المصداقية، القابل للتحقيق".. بالشكل الذي يجعل الأمر انعطافة غير مسبوقة بكامل منطقة غرب المتوسط وغرب إفريقيا..

إن المقصود هو أن مدريد تستبق المستقبل بعد أن ينهي المغرب ملف أراضيه الجنوبية، حيث إنه سيفتح طبيعيا ملف باقي أراضيه المحتلة بالشمال وسيفتح ملف تحديد وترسيم مياهه الإقليمية الدولية بشرعية قانون البحار الدولي المنصف تماما للحقوق الوطنية المغربية.

بالتالي فقد اشتغل "عقل الدولة الإسبانية" بغير قليل من المكر على ثلاثة ملفات يراها حيوية في تطوير موقع إسبانيا كقوة إقليمية أروبية تطمح لأن تصبح قوة فوق أروبية بمجال حيوي هائل مثل مضيق جبل طارق، هي:

- أولا، تطوير تغيير الوضعية القانونية لجبل طارق (كمستعمرة بريطانية منذ سنة 1704) بما يحقق بداية لشكل من السيادة المشتركة الفاتحة لباب الإستعادة العملية للسيادة الإسبانية على تلك الصخرة الإستراتيجية، ضمن أفق أروبي مرحليا يجعلها جزء من فضاء شينغن كما شرع في تنفيذ ذلك منذ أسابيع مع إسقاط الحدود وإلغاء الجمارك وفتح المجال لتحرك الأشخاص والسلع بدون حواجز..

- ثانيا، إخراج مشروع قديم من جبة "إرثها الإستعماري" لمنح الجنسية لجزء كبير من الصحراويين من مواليد الصحراء الغربية للمغرب، تحت يافطة حقوقية رنانة ("مبدأ جبر الضرر"). الأمر الذي يمكنها مستقبلا ألا تتحكم نعم في الأرض لكنها تطمع في المقابل توظيف جزء من تلك الساكنة كمحميين جدد بذات المنطق الإستعماري الإستبدادي للقرن 19. مما قد يحقق لها عودة من النافذة الإستعمارية بعد أن أخرجها المغاربة بمسيرتهم السلمية الخضراء (الثورية في روحها) من باب الصحراء مهزومة سنة 1975. 

بل إن الغاية من هذه الورقة بالتحديد توظيفها دوما في كل تفاوض استراتيجي مع المغرب مستقبلا. دون إغفال يا لمكر الأمور أن من كان يقف اليوم وراء مشروع القرار الذي حاز المصادقة التشريعية في مرحلته الأولى دستوريا بالكورتيس الإسباني هو اليسار المدريدي المتشدق بمبادئ الحريات والتقدمية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب..

- ثالثا، خلق مناحة سياسية بأذرع وواجهات متعددة لترسيم اعتبار الأراضي المغربية المحتلة الكائنة بإفريقيا خارج أروبا ليست فقط جزء من الأراضي الإسبانية بل جزء من الأراضي الأروبية. ابتدأ ذلك بالتجييش الإعلامي، ثم انتقل إلى تجييش الشارع عبر مظاهرات عمومية غير مسبوقة، وتواصل عبر توظيف الرياضة (خاصة كرة القدم) كواجهة للمظلومية سياسيا. ثم تصاعد إلى الضغط على آلية الإتحاد الأروبي ببروكسيل لفرض وحدة الصف الأروبي ضد أي مطلب لتحرير تلك الأراضي المغربية الإفريقية من الاحتلال الإسباني، والدفع نحو اعتبارها جزء من فضاء شينغن، اعتبر الموقف السياسي للنخبة البرلمانية الأروبية أول الطريق فيه.. الأمر يؤكد أن مدريد نجحت مرحليا وسياسيا في جر المؤسسة التشريعية الأروبية بستراسبورغ إلى تصبح أداة استعمارية أروبية جديدة تجيز وتدافع عن احتلال أراض غير أروبية من قبل دولة أروبية عضو هي إسبانيا..

إن الإستراتيجية الإسبانية استراتيجية خبيثة واقعيا، بل هي عنوان واضح فعلي ل "عدوان هجين" ضد الحقوق المغربية الإفريقية في تحرير أراضيه المحتلة.. ما يجعلها تنجح مرحليا في السعي إلى تطويق المغرب في مرحلة دقيقة يواجهها لاستكمال إنهاء ملف وحدته الترابية في أراضيه الصحراوية الغربية الجنوبية.

لا يمكن إغفال أن هذه المنهجية القشتالية تحقق هذه الخطوات الملموسة للأسف بسبب غياب مستوى مؤسساتي رادع إفريقيا وعربيا وإسلاميا.. حيث شاء قدر الأمور وواقعها حتى الآن أن المغرب يقاوم أعزلا لوحده هذا المخطط الإستعماري الجديد الإسباني والأروبي. فلا إفريقيا مؤسساتيا (الإتحاد الفريقي) بادرت إلى الدفاع عن الحقوق الترابية الإفريقية للمغرب ولا جامعة الدول العربية تمتلك مصداقية قرار مؤثر للدفاع بالملموس على حماية حقوق عضو مركزي من أعضائها ولا الإطار المؤسساتي للدول الإسلامية "منظمة التعاون الإسلامي" تحرك لتفعيل آلية التضامن المؤثر الملموس لحقوق بلد إسلامي تأسست أصلا هذه المنظمة بعاصمته الرباط سنة 1969. 

أكثر من ذلك يسجل بتقزز وأسف مغاربيا أن جهات جزائرية من مستويات عدة تناصر علنا وبوقاحة المستعمر الإسباني ضد الحقوق العادلة للشعب المغربي في استكمال تحرير أراضيه المستعمرة بالمجال المتوسطي.

 

الإستعمار الجديد لتقنيات التواصل والخطيئة المغاربية الأصلية

 

قليلا ما ينتبه المرء أننا دخلنا بجنوبنا المعولم شكلا غير مسبوق لحروب هجينة تستعمل فيها تكنولوجيا التواصل كأداة استعمارية جديدة، من حيث أنها تشتغل على تكييف "الرأي العام" وطنيا ودوليا. مثلما أن حرب المعلومات والأخبار الزائفة آلية مركزية ضمن هذه الحروب الإستعمارية التحكمية الجديدة. ولنا في ما قامت وتقوم به إسبانيا تواصليا ضد الحقوق المشروعة للمغرب والمغاربة خير دليل على ذلك، مثلما يقوم دليلا على ذلك التوظيف الخشن لجزء من الرأسمال المالي الجزائري (لمصلحة أية أجندة استعمارية دولية يشتغل بالنيابة؟) لتوظيف جيش من "الذباب الإلكتروني" ضمن أفق تأزيمي يهيئ الرأي العام مغربيا وجزائريا للتصعيد السلبي والمواجهة..

إن حرب المعلومة حرب هجينة غير مسبوقة تستهدف الأمن القومي للمغاربة. بل إن واقعا للمقاومة المؤسساتية ببلادنا ضمن التقنيات التكنولوجية الحديثة للأمن السيبراني وحماية المعطيات الوطنية أمام أساليب الإختراقات التي تحاولها مؤسسات دولية وازنة، يزيد من شراسة تلك الجهات الدولية بخلفية وعيها الإستعماري الكلاسيكي. وهذه حروب تتم في الدروب السفلى للتواصل وصناعة الرأي العام بتقنيات مدوخة جد متطورة لا يدركها ولا ينتبه إليها الجميع..

سيكون من الوهم الإعتقاد أن المغرب سيوضع في الزاوية الضيقة، فهو يملك أوراقا عديدة مؤثرة ووازنة، أهمها وأقواها وحدة صفه الوطني (رغم بعض التشويش الذي يأتيه حتى من بعض أبنائه سامحهم الله في هذه الجغرافية التواصلية أو تلك)..

لا يمكننا أيضا نسيان التذكير أن الخطيئة المغاربية الأصلية كامنة وراء التطورات الأخيرة المتسارعة بين بروكسيل (تصريح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حول سبتة كحدود لأروبا)/ ثم باريس (بضع مؤشرات تفيد محاولة تجميد مشروع الإتفاق التاريخي مع المغرب)، وأخيرا مدريد (طموح ربح الزبدة وفلوس الزبدة بمضيق جبل طارق)،، ثم تلك التي تسجل بين الرباط/ واشنطن / الجزائر..

كم ننسى الخطيئة المغاربية الأصلية في المسألة.. 

إن الواقع لا يرتفع وواجب المسؤولية الأخلاقية يلزمنا التذكير بكل مسؤولية بما فتحته من مسارات سوء وتوتر وإضعاف لشعوبنا المواقف الرسمية الجزائرية الخادمة لأجندات خارجية بالمنطقة منذ عقود، من حيث تعطيلها ومنعها ومحاربتها لأي اتحاد جهوي تعاوني بشمال إفريقيا يكون مخاطبا مغاربيا ومتوسطيا وازنا أمام باقي حسابات مصالح الآخرين..

إن مخطط وضع المغرب في الزاوية الضيقة وتقزيمه وخنقه (البارحة، اليوم، غدا) بكل أعطابنا السياسية المكبلة داخليا والغير ضرورية في غالب الأمور، لن يمر أبدا.. لن يمر..

لأننا مغربيا في قدر هذه المعركة من خانة أبطال "إن سقطتُ فاضرب عدوك بي".. نعم نحن وطنيا من قلب خانة الشرف هذه.. بل وفي كثير حالات ولحظات مواجهة هذا الامتحان "لابد من ركوب العاصفة" بحكمة قصيد محمود درويش.. لأن معركتنا المغربية عادلة، تحررية، نضالية ووطنية..

لن نتخلى عن وطننا حتى مع ركوب العاصفة.. وللي ليها ليها..

إن الحل عمليا كامن في علاج الخطيئة المغاربية الأصلية..

الحل في علاج الضرس الخبيث للنظام الجزائري، الذي بسياسته فتح أمامنا جميعا باب هذا القبح كله..

قدرنا مغربيا أن نواصل بروح نقد ذاتي مسؤول واجب البناء والإصلاح بيد ونواصل رد العدوان بيد..