إصدار جديد للمريزق المصطفى يضع المجتمع والديمقراطية والسياسة والمواطنة أمام أسئلة مفتوحة
ليس كتاب "حوارات افتراضية في قضايا المجتمع والسياسة" مجرد تجميع لمقالات أو نصوص كتبت في مناسبات مختلفة، بل هو محاولة لإعادة تركيب أسئلة رافقت مسارا من التفكير والكتابة والانخراط في الشأن العام؛ أسئلة تتصل بالمجتمع والدولة والسياسة والديمقراطية والمواطنة، وبالتحولات التي يعيشها الإنسان المغربي في علاقته بالمؤسسات والمجال والآخر.
ويأتي هذا الإصدار الجديد في سياق تتغير فيه علاقة المواطن بالسياسة، وتتبدل فيه أشكال المشاركة وإنتاج الرأي العام، فيما تعيد الأجيال الجديدة صياغة علاقتها بالأحزاب والانتخابات والمؤسسات والفضاء العمومي.
ومن هذه الزاوية، يقترح الكتاب نفسه باعتباره نصا مفتوحا على المجتمع، لا نصا مغلقا على صاحبه.
حين تصبح الظاهرة الاجتماعية طرفا في الحوار
تقوم فكرة الكتاب الأساسية على مفهوم "الحوار الافتراضي"، لكن الافتراضي هنا لا يعني الوهم أو الانفصال عن الواقع، بل يمثل طريقة مختلفة في الاقتراب منه.
فالظاهرة الاجتماعية أو السياسية تتحول إلى طرف في الحوار، فتُسأل عن نشأتها وتحولاتها ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع، وعن المصالح التي ترتبط بها والنتائج التي يمكن أن تنتج عنها.
حين تحاور الديمقراطية، لا يتعلق الأمر بشخص يمثلها، وحين تحاور المقاطعة الانتخابية، لا يكون المقصود مقاطعا بعينه. وحين تكون الأحزاب السياسية طرفا في الحوار، فإن الغاية ليست محاكمة حزب أو شخص، وإنما مساءلة الظاهرة الحزبية نفسها: أدوارها، وتحولاتها، وعلاقتها بالمجتمع والمواطن والدولة والتمثيل السياسي.
أما حين تتحول "سيدتي" إلى شخصية افتراضية، فهي ليست امرأة بعينها، وإنما فضاء رمزي لأسئلة المساواة والحقوق والحريات والموقع الاجتماعي للمرأة.
بهذا المعنى، يتحول الحوار الافتراضي من مجرد أسلوب أدبي في الكتابة إلى أداة للتفكير السوسيولوجي والسياسي.
إنه يضع الظاهرة أمام نفسها، ويدفعها إلى الإجابة عن أسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها تقود إلى أسئلة أكثر عمقاً: من أين جاءت؟ لماذا ظهرت؟ ماذا تقول عن المجتمع؟ ماذا تخفي؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يتضرر؟ وهل هي نتيجة لتحول اجتماعي أم عامل في إنتاجه؟
من الانتخابات إلى السؤال الديمقراطي
ينطلق الكتاب من فكرة مفادها أن الديمقراطية لا يمكن اختزالها في الانتخابات وحدها، وأن المواطنة لا تختصر في ممارسة حق التصويت.
فالمواطن يعيش السياسة أيضا في المدينة والجامعة ومكان العمل والشارع والفضاء الرقمي، وفي علاقته اليومية بالإدارة والخدمات العمومية والعدالة الاجتماعية والمجالية.
لذلك، تصبح قضايا الشباب والنساء والتعليم والصحة والعمل والسكن والثقافة والهجرة والمدينة والعدالة الاجتماعية والعدالة المجالية والعدالة الضريبية جزءاً من السؤال الديمقراطي نفسه.
ومن هنا، لا يتعامل الكتاب مع العزوف السياسي باعتباره مجرد سلوك انتخابي، بل يربطه بأسئلة الثقة والتمثيل والعلاقة بين المواطن والمؤسسات.
كما لا ينظر إلى أزمة التمثيل السياسي بمعزل عن التحولات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع.
المقال بوصفه لحظة للتأمل
إلى جانب الحوارات الافتراضية، يضم الكتاب مجموعة من المقالات التي كتبت في سياقات مختلفة، لكنها تلتقي في محاولة واحدة: قراءة المجتمع من داخله، والاقتراب من السياسة من زاوية اجتماعية ومواطنية.
فالكتابة السياسية، وفق هذا المنظور، لا تعني بالضرورة الانحياز إلى هذا الحزب أو ذاك، وإنما يمكن أن تكون فعلا نقديا مستقلا، يسائل الجميع، بما في ذلك الكاتب نفسه.
ويؤكد الكتاب أن النقد الذي لا يشمل الذات قد يتحول إلى خطاب اتهامي، بينما النقد الذي يبدأ من الاعتراف بإمكان الخطأ يصبح، في حد ذاته، ممارسة ديمقراطية.
لذلك لا يقدم هذا العمل أحكاما نهائية على الأشخاص أو القوى السياسية، ولا يسعى إلى رسم صورة سوداء عن الواقع المغربي. فالمجتمع، كما يقدمه الكتاب، أكثر تعقيداً من ثنائية النجاح والفشل أو الصواب والخطأ.
إنه مجتمع يحمل في داخله مظاهر الأزمة، لكنه يحمل أيضا إمكانات التجاوز؛ يعرف التفاوت، لكنه ينتج كذلك أشكالاً من التضامن والمبادرة والمقاومة؛ ويعيش أزمات في الثقة والمشاركة، لكنه يطرح باستمرار أسئلة جديدة حول المستقبل.
"الطريق الرابع".. سؤال عن الممكن
يتقاطع هذا الإصدار أيضاً مع التجربة الفكرية والعملية التي أخذت، خلال السنوات الماضية، شكل مشروع "الطريق الرابع".
ولا يقدم الكتاب "الطريق الرابع" الجزء الأول، باعتباره وصفة سياسية جاهزة أو بديلا مغلقا عن التجارب القائمة، وإنما باعتباره تجربة في التفكير والممارسة ومساراً مفتوحاً على الأسئلة التي يطرحها المجتمع المغربي حول الدولة والمجتمع والسياسة والمواطنة والعدالة والمشاركة.
وفي قلب هذا التصور يبرز سؤال الممكن:
كيف يمكن إعادة الاعتبار للمواطن باعتباره فاعلاً، وليس مجرد ناخب؟
كيف يمكن التفكير في الديمقراطية باعتبارها ممارسة اجتماعية، وليس فقط آلية انتخابية؟
وكيف يمكن بناء علاقات أكثر توازناً بين الدولة والمجتمع والسوق والقوى السياسية والمدنية؟
لا يدعي الكتاب تقديم أجوبة نهائية عن هذه الأسئلة، بل يضعها ضمن مسار متواصل من التفكير والمساءلة.
المجتمع يحتاج إلى أن يحاور نفسه
لعل الفكرة المركزية التي تجمع مختلف نصوص الكتاب هي أن المجتمع يحتاج إلى أن يحاور نفسه.
أن يسأل عن الديمقراطية دون تقديسها.
وأن يسأل عن الأحزاب دون إلغائها.
وأن يناقش الدولة دون اختزالها.
وأن ينتقد المجتمع دون احتقاره.
وأن يدافع عن الحقوق والحريات دون تحويل الاختلاف إلى خصومة.
وأن يبحث عن العدالة دون الوقوع في الشعبوية.
من هنا تصبح قيمة الحوار أكبر من مجرد تبادل الكلام. فالحوار،
في التصور الذي يقترحه الكتاب، هو اعترافةبالآخر وبخثه في الاختلاف، وهو أحد شروط تحول الديمقراطية من مجرد آجراء مؤسساتي إلى ممارسة اجتماعية وثقافية سياسية.
كتاب ابن لحظتها.. لكنني لا يتوقف عندها
يعترف الكتاب بأن بعض نصوصه ولدت تحت ضغط لحظات سياسية واجتماعية محددة، وهو أمر طبيعي، فالكتابة ابنة زمنها.
لكن الرهان لم يكن تقديم تعليقات عابرة على أحداث مؤقتة، وإنما محاولة التقاط ما يوجد خلف الحدث: البنية الاجتماعية، والتحولات الثقافية، والسلوك السياسي، وعلاقة المواطن بالمؤسسة، والتوتر بين ما هو قائم وما هو ممكن.
ولهذا يمكن قراءة "حوارات افتراضية في قضايا المجتمع والسياسة" باعتباره وثيقة جزئية لمسار من التفكير في المجتمع المغربي خلال مرحلة معينة، وفي الوقت نفسه دعوة إلى مواصلة التفكير فيه.
فالكاتب لا يطلب من القارئ أن يتفق مع كل ما سيرد في الكتاب، بل يترك له مساحة الاختلاف والنقد والمراجعة.
ذلك أن الكتاب الذي لا يسمح بالاختلاف يتحول إلى خطاب مغلق، بينما الكتاب الذي يفتح المجال أمام النقد يصبح جزءاً من النقاش العمومي.
من الحوار الافتراضي إلى الحوار الحقيقي
في النهاية، لا يريد الكتاب أن يكون مجرد مجموعة من الإجابات، بل فضاءً لإنتاج أسئلة جديدة.
فالقيمة الحقيقية للحوار ليست دائماً في الوصول إلى جواب نهائي، وإنما في القدرة على اكتشاف السؤال الذي لم نطرحه بعد.
ومن هنا تأتي الرسالة الأعمق لهذا الإصدار:
الحوار الافتراضي ليس نهاية الحوار، بل دعوة إلى الحوار الحقيقي.
والمقال ليس نهاية التفكير، بل لحظة من لحظاته.
أما المجتمع، فيبقى مفتوحاً على المستقبل، وعلى إمكانات متعددة للتغيير وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة والدولة والمجال.
بهذا المعنى، يقدم "حوارات افتراضية في قضايا المجتمع والسياسة" نفسه ككتاب لا يكتفي بقراءة المجتمع، وإنما يحاول أن يدعوه إلى قراءة نفسه أيضا.






