سياسة واقتصاد

انتخابات 23 شتنبر.. هل سيكون المقياس الحقيقي في صناديق الاقتراع؟

أنور الشرقاوي (فاعل جمعوي وطبيب)
بعيداً عن ألوان الأحزاب السياسية، ستشكل انتخابات 23 شتنبر 2026 لحظة مهمة لقياس علاقة المغاربة بالسياسة، وبالأحزاب، وبالمؤسسات.


من سيصوّت؟

ومن سيختار البقاء في منزله؟

كم عدد الأوراق البيضاء أو الملغاة؟

وما هي نسبة المشاركة الفعلية؟

وكم تمثل الأصوات التي انتخب بها كل نائب من مجموع الهيئة الناخبة؟


هذه الأسئلة تتجاوز القراءة البسيطة للنتائج، لتلامس سؤالاً أعمق: كيف أصبحت علاقة المواطن المغربي بالسياسة المنظمة؟


وزارة الداخلية: فاعل مركزي، لكنها ليست الحكم الوحيد


لا أحد يجادل في الدور المركزي الذي تضطلع به وزارة الداخلية في التنظيم الإداري والمادي للانتخابات.


لكن تقييم الجودة الديمقراطية لأي اقتراع لا يمكن أن يستند إلى مؤسسة واحدة فقط.


ومن هنا تبرز أهمية المراقبة الانتخابية المستقلة.


فالمراقبون المعتمدون يتابعون سير العملية الانتخابية، ويجمعون المعطيات بصورة موضوعية ومحايدة، ثم يقدمون ملاحظاتهم وتوصياتهم.


لذلك، فإن المقياس الحقيقي للانتخابات ينبغي أن يُبنى على أكثر من «مقياس»: الإدارة الانتخابية، والمراقبة المستقلة، والنتائج الرسمية، ثم التحليل العلمي للسلوك الانتخابي.


فصندوق الاقتراع يعطي الأرقام، لكن قراءة هذه الأرقام هي التي تمنحها معناها السياسي والاجتماعي.


الرقم الأول: كم مغربياً سيذهب إلى صناديق الاقتراع؟


ستكون نسبة المشاركة، بطبيعة الحال، تحت المجهر.

لكن ضعف المشاركة لا يعني تلقائياً أن «الشعب المغربي فقد بوصلته السياسية».


فالامتناع عن التصويت قد تكون وراءه أسباب متعددة: عدم الاهتمام، فقدان الثقة في الأحزاب، الشعور بأن الانتخابات لا تغير بما يكفي من تفاصيل الحياة اليومية، ضعف التعبئة محلياً، أو ببساطة اتخاذ قرار واعٍ بعدم المشاركة.


لذلك، فإن ارتفاع نسبة العزوف عن التصويت يمثل إشارة سياسية، لكنه لا يقدم، بمفرده، تفسيراً سياسياً جاهزاً.


ولفهم هذه الإشارة، سيكون من الضروري معرفة دوافع الممتنعين عن التصويت، ورصد الفوارق بين الأجيال والمناطق والفئات الاجتماعية.


فمن دون هذه القراءة، قد يتحول رقم واحد إلى اختصار مخلّ لواقع سياسي واجتماعي أكثر تعقيداً.


الورقة البيضاء: صوت يختار أن يتكلم بطريقة مختلفة


عدم التصويت، والتصويت بورقة بيضاء أو ملغاة، والتصويت لصالح مرشح، ليست سلوكيات انتخابية متطابقة.


لكل سلوك منها دلالته وسياقه.

ففي الحالة الأولى، هناك مشاركة فعلية في العملية الانتخابية، لكن من دون اختيار من بين العروض السياسية المطروحة.


أما في الحالة الثانية، فإن تحديد المعنى يصبح أكثر تعقيداً.


ولهذا فإن نشر هذه المعطيات بشكل منفصل وتحليلها بصورة مستقلة يمكن أن يساعد على فهم الرسالة التي أراد الناخبون إيصالها بصورة أفضل.


فالناخب لا يتحدث فقط عندما يضع اسماً أو رمزاً في صندوق الاقتراع؛ أحياناً، حتى الامتناع أو الورقة البيضاء يمكن أن يحمل دلالة تستحق القراءة.


بضعة آلاف من الأصوات تكفي للوصول إلى البرلمان؟


هناك سؤال آخر يستحق أن يُطرح: ما هو الحجم الانتخابي الحقيقي الذي يمثله النائب المنتخب؟


ففي بعض الدوائر الانتخابية، قد يفوز مرشح بعدد من الأصوات يبدو محدوداً إذا ما قورن بمجموع الناخبين المسجلين أو بإجمالي المواطنين الذين كان بإمكانهم المشاركة.


هذا لا يعني تلقائياً أن انتخابه غير شرعي، فالمشروعية القانونية تستمد من القواعد الانتخابية ومن النتائج التي تعلنها الجهات المختصة رسمياً.


لكن سؤالاً سياسياً وسوسيولوجياً يبقى مطروحاً:

ما طبيعة العلاقة بين النائب والسكان الذين يمثلهم، عندما يكون جزء محدود فقط من الناخبين قد شارك فعلياً في انتخابه؟

إنه سؤال لا يتعلق بشرعية المقعد قانونياً، وإنما بعمق التمثيلية السياسية والاجتماعية.


الامتحان الحقيقي للأحزاب


الانتخابات لن تقيس فقط الوزن النسبي للأحزاب داخل صناديق الاقتراع.

بل ستكشف أيضاً إلى أي حد ما زالت التنظيمات السياسية تتوفر على امتدادات محلية قادرة على تحويل انشغالات المواطنين اليومية إلى مشاركة سياسية وانتخابية.


فالحزب السياسي ليس مجرد آلة انتخابية تقدم مرشحين.

ومن المفترض أن يكون أيضاً وسيطاً بين المواطن والمؤسسات: يستمع إلى انشغالات الناس، ويقترح الحلول، ويشرح السياسات العمومية، ويكوّن الأطر، ويحافظ على حوار مستمر مع المجتمع.


لكن إذا أصبحت شريحة واسعة من المواطنين لا تجد نفسها في هذه الوساطة السياسية، فإن سؤالاً أساسياً يفرض نفسه:

هل ما زالت الأحزاب تتحدث بما يكفي إلى المواطنين، أم أن المواطنين هم الذين توقفوا عن الإصغاء إليها؟


الخطر ليس في العزوف وحده


سيكون من المبالغة اعتبار ضعف المشاركة الانتخابية، بشكل آلي، تهديداً فورياً لاستقرار البلاد.


فالمسألة الأعمق قد تكون في مكان آخر: في تحول المسافة بين المواطن والأحزاب والمؤسسات إلى مسافة دائمة.


وهذه المسافة تستحق أن تُدرس باعتبارها قضية مرتبطة بالتمثيلية السياسية وبالثقة في المؤسسات.


فالديمقراطية يمكن أن تشتغل بمستويات متفاوتة من المشاركة.

لكن عندما تصبح الهوة بين المواطنين والسياسة ظاهرة مستمرة، فإنها قد تجعل تمثيل انتظارات المجتمع أكثر تعقيداً، وقد تغذي بدورها نوعاً من عدم الثقة في المؤسسات.


بعد صناديق الاقتراع... يجب النظر إلى الصورة كاملة


بعد إعلان النتائج، لن يكون كافياً معرفة من فاز ومن خسر.

ينبغي النظر، في الوقت نفسه، إلى عدد المسجلين، وعدد المصوتين، وعدد الممتنعين، والأصوات الصحيحة، والأوراق البيضاء والملغاة، والأصوات التي حصلت عليها كل لائحة، والتوزيع الجغرافي للمشاركة، ثم عدد الأصوات التي كانت فعلياً كافية للحصول على مقعد برلماني.


فقط من خلال وضع كل هذه المعطيات جنباً إلى جنب، يمكن الاقتراب من قياس درجة حرارة المشهد السياسي المغربي.


 

ما هو ححم الرابط الذي يصل المجتمع بتمثيله السياسي ؟


لكن صناديق الاقتراع قد تقدم، إلى جانب النتائج المعلنة، جواباً آخر أقل وضوحاً ولكنه لا يقل أهمية:

هل ما زال المواطنون يشعرون بأن السياسة تعنيهم بما يكفي لكي يريدوا أن يكونوا جزءاً من صناعتها وصنع قراراتها؟


إنه السؤال الذي ينبغي للأحزاب السياسية والمؤسسات والمراقبين والباحثين أن يواجهوه بجدية.


فهذا السؤال يتجاوز الانقسامات الانتخابية والحسابات الحزبية، ليمس جوهر التمثيلية الديمقراطية نفسها.


لأن الانتخابات لا تقيس فقط من حصل على المقاعد، بل تكشف، بشكل غير مباشر، عن قوة أو ضعف الرابط الذي يصل المجتمع بتمثيله السياسي.