لكن، بعد خمسة عشر عاماً تقريباً، تطرح انتخابات 23 شتنبر 2026 سؤالاً محرجاً: ماذا بقي من ذلك الوعد الدستوري؟
ليس السؤال هنا عن مدى حضور كلمة «الأمازيغية» في البرامج الانتخابية. فهي حاضرة بالفعل في عدد من البرامج. وليس من الإنصاف القول إن جميع الأحزاب تجاهلتها. فقد سجل التقرير الأولي حول «الأمازيغية في البرامج الانتخابية لاستحقاق 23 شتنبر 2026» تفاوتاً واضحاً بين الأحزاب، حيث قدمت بعض البرامج التزامات أكثر تحديداً من غيرها.
لكن السؤال الحقيقي أعمق من ذلك بكثير:
هل انتقلت الأمازيغية من خانة الخطاب الانتخابي إلى خانة الالتزام السياسي القابل للتنفيذ والمساءلة؟
المعطيات المتوفرة حتى الآن لا تسمح لنا بالاطمئنان إلى ذلك.
من لغة رسمية إلى حق مؤجل
المفارقة المغربية تكمن في أن الأمازيغية حق دستوري، لكنها ما تزال، في جوانب عديدة، تتصرف كأنها مجرد ملف قطاعي يمكن تأجيله أو تسريع وتيرته بحسب الظرف السياسي. فاللغة الرسمية لا تكون رسمية فقط لأنها وردت في الدستور. رسميتها تظهر عندما يستطيع المواطن استعمالها أمام الإدارة، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي المحكمة، وفي الإعلام، وفي الفضاء العام، دون أن يشعر أنه يستعمل لغة «ثانوية».
فالاعتراف القانوني لا يكفي لإنقاذ لغة من التهميش الوظيفي. اللغة لا تعيش بالدساتير وحدها؛ إنها تحتاج إلى الاستعمال اليومي، وإلى حضور مؤسساتي واجتماعي، وإلى انتقالها من جيل إلى جيل، وإلى أن تصبح لغة معرفة وتواصل وخدمة عمومية. وهذا بالضبط ما يبرز في القراءة السوسيولغوية المرفقة بهذا النقاش: هناك فجوة بين الاعتراف الرسمي والممارسات الاجتماعية الفعلية، وبين مكانة الأمازيغية في النصوص ومكانتها في الحياة اليومية.
ولذلك فإن استمرار هذا الوضع بعد 2011 لا يمكن اختزاله في مشكلة تقنية أو إدارية. إنه سؤال إرادة سياسية.
ماذا قالت الأحزاب في انتخابات 2026؟
هنا ينبغي أن نكون دقيقين.
التقرير الأولي لا يقول إن كل الأحزاب قدمت الشيء نفسه، بل يكشف تبايناً مهماً.
فالحركة الشعبية قدمت مجموعة من الالتزامات التفصيلية: تعميم الأمازيغية في التعليم والمرافق العمومية، إدماجها في مختلف الأسلاك التعليمية، توظيف 8 آلاف أستاذ إضافي، اعتماد ثلاث ساعات أسبوعياً على الأقل، وتوفير خدمات إدارية وقضائية وصحية بالأمازيغية في المناطق ذات الكثافة الناطقة بها، إضافة إلى رقمنة الخدمات ورفع حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي إلى 30 في المائة على الأقل.
والأصالة والمعاصرة اقترح إنشاء صندوق خاص لدعم استعمال الأمازيغية بقيمة ملياري درهم، إلى جانب آليات مرتبطة بالحكامة وتتبع تفعيل الطابع الرسمي.
أما التقدم والاشتراكية، فقد أعلن تخصيص خمسة مليارات درهم خلال خمس سنوات لتفعيل ترسيم الأمازيغية، مع تعميم تدريجي لتدريسها في المدرسة العمومية وتعزيز تكوين الأساتذة والأدوات البيداغوجية.
وهذه التزامات لا ينبغي إنكارها أو التقليل من شأنها.
لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أكبر: أين هي الأمازيغية في الرؤية الوطنية المتكاملة للأحزاب؟
فالتقرير نفسه يخلص إلى أن الالتزامات المفصلة والمحددة الأثر تتركز لدى ثلاثة أحزاب، بينما تبدو التزامات حزب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار أكثر مبدئية أو عامة في حدود ما تمت مراجعته، فيما يحتاج برنامج العدالة والتنمية إلى تدقيق إضافي.
بل إن القراءة المنشورة في الصحافة خلال الحملة الانتخابية تؤكد أن بعض البرامج ذهبت إلى تفاصيل إضافية في الإدارة والإعلام والتعليم والثقافة، وهو ما يجعل الحاجة أكبر إلى الانتقال من مجرد رصد الوعود إلى اختبار قابليتها للتنفيذ.
المشكلة ليست في غياب الوعود... بل في محدوديتها
قد يقول قائل: كيف نتحدث عن تهميش الأمازيغية، وهناك مليارا درهم هنا وخمسة مليارات هناك، و8 آلاف أستاذ، و30 في المائة من البث؟
والجواب أن هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تحسم القضية.
لأن الحركة الأمازيغية لم تطرح على الأحزاب مطلباً واحداً يتعلق بالتعليم.
المطالب التي رفعتها الفيدرالية الوطنية للجمعيات الأمازيغية بمناسبة انتخابات 2026 تضمنت 30 التزاماً حقوقياً وتشريعياً، تشمل استعمال الأمازيغية وتيفيناغ في الحملات الانتخابية، وتعميم التعليم، والعدالة والإدارة، وحقوق الأمازيغ بالخارج، والتنمية المستدامة، والثقافة والفنون، ومراجعة عدد من القوانين. وهنا تظهر الفجوة الحقيقية.فإذا كانت القضية الأمازيغية قضية دستورية وحقوقية ومجتمعية شاملة، فلا يمكن اختزالها في:
عدد الأساتذة.
أو ساعات التدريس.
أو نسبة من البث الإذاعي والتلفزيوني.
أو صندوق مالي، مهما بلغت قيمته.
هذه عناصر مهمة، لكنها ليست سياسة وطنية متكاملة لتفعيل الطابع الرسمي.
من الاعتراف الرمزي إلى المناصفة الفعلية
* لقد تجاوز النقاش، بالنسبة إلى جزء كبير من الحركة الأمازيغية، مرحلة السؤال: «هل الأمازيغية لغة رسمية؟»
الجواب موجود في الدستور.
* السؤال اليوم هو:
ما الذي يعنيه أن تكون لغة رسمية؟
هل يعني ذلك أن تكتب في الدستور؟
أم أن المواطن يستطيع أن يتوجه بها إلى الإدارة؟
أن يجدها في المدرسة؟
أن يستعملها في المحكمة؟
أن يحصل على المعلومة الصحية بها؟
أن يجد الوثائق والخدمات الرقمية بها؟
أن يسمعها في الإعلام العمومي؟
أن تكون حاضرة في الفضاء الانتخابي؟
أن تحظى الثقافة والفنون والإبداع المرتبط بها بسياسات عمومية وتمويل مستدام؟
وأن يشعر المتحدث بها أن لغته ليست مجرد علامة على الأصل والهوية، بل لغة كاملة للمواطنة؟
إن الفرق بين الأمرين هو الفرق بين الاعتراف والتمكين. وهو أيضاً الفرق بين لغة رسمية على الورق ولغة رسمية في الحياة.
الأخطر: أن يتحول الحق إلى وعد انتخابي
ربما تكون هذه هي المفارقة الأكثر إثارة للقلق.
حين تكون الأمازيغية حقاً دستورياً، فإن تفعيلها لا ينبغي أن يكون رهيناً بكرم هذا الحزب أو ذاك، ولا بمقدار اهتمام هذا المرشح أو ذاك.
لا ينبغي أن يصبح السؤال:
«ماذا سيعطينا الحزب للأمازيغية؟»
بل:
«كيف سيلتزم الحزب بتنفيذ حق دستوري قائم أصلاً؟»
هذه نقلة مهمة في طريقة التفكير.
الأمازيغية ليست منحة سياسية.
وليست هدية انتخابية.
وليست ورقة لاستقطاب أصوات الناخبين في المناطق الأمازيغية.
إنها جزء من البناء الدستوري للمغرب.
ولهذا فإن التعامل معها بمنطق الوعود الانتخابية وحدها يفرغ، ولو جزئياً، الطابع الرسمي من مضمونه.
هل نريد وعوداً أم عقوداً سياسية؟
المواطن لا يحتاج إلى عبارات جميلة عن «الهوية المغربية الغنية» و«التعدد الثقافي» و«المكون الأصيل».
لقد سمع المغاربة هذه العبارات طويلاً.
ما يحتاجونه اليوم هو شيء أبسط وأكثر صرامة:
ماذا ستفعلون؟ متى؟ وبأي ميزانية؟ ومن المسؤول؟ وكيف سنحاسبكم؟
هذه الأسئلة ليست تعجيزية. بل هي جوهر الديمقراطية.
إذا قال حزب إنه سيخصص خمسة مليارات درهم، فيجب أن نعرف كيف ستدرج في الميزانية.
وإذا وعد بتكوين آلاف الأساتذة، يجب أن نعرف في أي آجال.
وإذا التزم بتوفير الخدمات العمومية بالأمازيغية، يجب أن نعرف الإدارات المعنية ومؤشرات التنفيذ.
وإذا تحدث عن الإعلام، يجب أن نعرف النسبة والجدول الزمني.
وإذا تحدث عن الإدارة والعدالة، يجب أن نعرف النصوص التنظيمية والإجراءات والموارد البشرية.
أما أن تظل الالتزامات بلا آجال وبلا مؤشرات وبلا آليات للمساءلة، فسنظل أمام وعود انتخابية قابلة للتأويل أكثر مما نحن أمام تعاقد سياسي.
أين المرشحون؟ ثمة سؤال آخر أكثر إحراجاً.البرامج الحزبية شيء، ومواقف المرشحين الشخصية شيء آخر.
ولهذا اعتمد التقرير قاعدة منهجية سليمة: لا يجوز اعتبار مرشح ما ملتزماً بالمطالب الأمازيغية لمجرد أن حزبه أدرجها في برنامجه. فالالتزام الشخصي يحتاج إلى تصريح شخصي موثق. وعند إعداد التقرير الأولي لم تكن أسماء مرشحين قد أدرجت بعد، في انتظار استكمال الرصد الميداني والتوثيق. وهنا ينبغي أن يتوجه السؤال مباشرة إلى المرشحين:
من منكم تبنى شخصياً هذه المطالب؟
من منكم تحدث عنها في حملته؟
من منكم استعمل الأمازيغية وتيفيناغ في تواصله الانتخابي؟
ومن منكم مستعد، بعد الوصول إلى البرلمان، لأن يدافع عنها باعتبارها حقاً دستورياً وليس مجرد شعار انتخابي؟
فحتى استعمال الأمازيغية وتيفيناغ في الحملات يمكن أن يصبح مؤشراً قابلاً للرصد والقياس، وليس مجرد انطباع. وهذا ما يقترحه التقرير صراحة. بعد 23 شتنبر يبدأ الاختبار الحقيقي قد يكون من السهل على الأحزاب أن تكتب فقرة عن الأمازيغية في برنامج انتخابي. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في 23 شتنبر. سيبدأ في 24 شتنبر. عند تشكيل الحكومة .وعند إعداد قانون المالية. وعند صياغة مشاريع القوانين. وعند تعيين المسؤولين. وعند وضع برامج التعليم. وعند تحديد ميزانيات الإعلام والثقافة. وعند إصدار النصوص التطبيقية. هناك فقط سنعرف ما إذا كانت الوعود الانتخابية تعاقداً سياسياً أم مجرد خطاب انتخابي.
فالتقرير الأولي لا ينبغي أن يكون نهاية عملية الرصد، بل بدايتها. فهو نفسه يدعو إلى تتبع ما بعد الاقتراع، ومراقبة ترجمة الالتزامات المالية والتربوية والإدارية إلى قرارات وإجراءات، كما يدعو الأحزاب إلى نشر جداول زمنية ومؤشرات لإنجاز التزاماتها.
لا نريد أكثر من تطبيق الدستور
المطلوب في النهاية ليس امتيازاً للأمازيغية على حساب العربية، ولا صراعاً لغوياً جديداً. المطلوب هو أن يصبح مبدأ التعدد اللغوي والثقافي الذي أقره الدستور حقيقة يومية. أن تكون العربية والأمازيغية لغتين رسميتين في الدولة، لا لغتين متفاوتتي الحضور في الواقع. أن تكون الأمازيغية لغة مواطنة، لا لغة فولكلور. لغة مدرسة، لا مجرد لغة احتفال. لغة إدارة، لا مجرد لافتة. لغة إعلام، لا مجرد نافذة محدودة. لغة عدالة، لا مجرد وعد. ولغة مستقبل، لا مجرد ذاكرة.
لقد أعطى دستور 2011 للأمازيغية مكانة قانونية غير مسبوقة. وما ينتظره المواطنون اليوم ليس اعترافاً جديداً، بل تفعيل الاعتراف الموجود.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام الناخبين والمجتمع المدني والحركة الأمازيغية بعد 23 شتنبر هو: من التزم فعلاً؟ ومن وعد فقط؟ ومن بدأ التنفيذ؟ ومن بقي عند حدود الخطاب؟
فالانتخابات لا تمنح الأحزاب شيكاً على بياض.
والبرنامج الانتخابي ليس قصيدة إنشائية.
إنه تعاقد سياسي.
ومن يطلب أصوات المواطنين على أساس وعوده، يجب أن يقبل بعد ذلك أن يُسأل عنها.
وفي قضية الأمازيغية تحديداً، حان الوقت لكي تتحول المراقبة من مراقبة ما تقوله الأحزاب قبل الانتخابات إلى مراقبة ما تفعله بعدها.
لأن حقوق الأمازيغ لا تحتاج إلى وعد انتخابي جديد. إنها تحتاج إلى أن تُنفذ. وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي يبدأ يوم 24 شتنبر، لا يوم 23 منه.
[1] المركز المغربي لديمقراطية الانتخابات في إطار المؤشر المغربي لديمقراطية الانتخابات
تقرير أوليالأمازيغية في البرامج الانتخابية لاستحقاق 23 شتنبر 2026قراءة أولية في الالتزامات الحزبية وبطاقة رصد للمرشحينشتنبر 2026 · وثيقة أولية قابلة للمراجعة..






