المقامة الأولى: الدرهم الهارب..
في أخبار أبي المقاصة، وأهل العدالة، وأصحاب اليسار، وما جرى للجيب بين الوعد والقرار حدثنا عيسى بن الجيب، قال:
خرجت ذات صباح أطلب درهماً كان قد فرّ مني بين ثمن الخبز وفاتورة الماء، فإذا به يركض في أزقة المدينة، ويصيح صيحة المظلوم المستجير: «يا أهل المغرب، أدركوني قبل أن تدركني الزيادة، وقبل أن أصير أثراً بعد عين، ونقوداً بعد أن كنت قدرةً على العيش!»
فقلت له:
ــ ويحك يا درهم، ما بالك هارباً، وقد كنت بالأمس في جيب المواطن مستقراً، وعلى حاله مستتراً؟
فقال:
ــ يا عيسى، طال بي السفر بين صناديق المقاصة، وموائد الحكومات، وبيانات الأحزاب، حتى صرت لا أدري: أأنا مالٌ مدخر، أم وعدٌ مؤجل، أم مواطنٌ صغير في دولة كبيرة؟
فقلت:
ــ حدثني عن رحلتك، فلعل في أخبارك عبرةً لأولي الألباب، ونكتةً لأهل الحساب.
قال:
ــ أما أول الرحلة، فكان يوم خرجت حكومة العدالة والتنمية تبشر بالإصلاح، وتعد الناس بالإنصاف، وتقول إن المقاصة تحتاج إلى تقويم وتصحيح.
فقلت في نفسي: لعل الخير آتٍ، ولعل الإصلاح سيصل إلى الفقير قبل الغني، وإلى الجيب قبل الخزينة.
ثم رأيت نظام المقايسة يدخل على المحروقات دخول الفاتح على مدينة، ورأيت الدعم ينحسر شيئاً فشيئاً، والأسعار تتحرر، وتصعد ثم تصعد والمواطن يراقب عداد المحطة كما يراقب المسافر طائرة أقلعت من غيره.
فقلت:
ــ يا قوم، إن كان الإصلاح ضرورياً، فأين نصيبي من ضرورته؟ وإن كان السوق حراً، فمن يحررني أنا من ضيق العيش؟
فضحك أبو المقاصة وقال:
ــ إنهم يحسنون الحساب يا عيسى، لكنهم نسوا أن للميزانية وجهاً آخر اسمه الأسرة المغربية، وأن لكل رقم في الخزينة أماً وأباً وأطفالاً ينتظرون العشاء.
قلت:
ــ لعلهم يقولون إن الدعم كان يثقل الدولة؟
قال:
ــ عمموا زور الحساب، لكن المواطن له حساب آخر؛ فالميزانية تُقرأ في التقارير، أما الغلاء فيُقرأ في جيب ربة البيت آخر الشهر.
ثم قال:
ــ لقد رأيت عجباً من أمر السياسة: المواطن حاضر في الخطاب، غائب عند الحساب؛ والقدرة الشرائية حاضرة في البرنامج، غائبة عند التنفيذ؛ والفقير يُطلب منه الصبر، حتى كاد الصبر نفسه يحتاج إلى دعم ومقاصة!
فضحكت حتى كدت أسقط من الكرسي.
ثم قلت:
ــ وما خبر التطبيع؟
فقال:
ــ ذلك باب من أبواب المقامات، فيه بيانٌ يخرج، وتوقيعٌ يدخل، وحزبٌ يشرح، ومواطنٌ يسأل.
ففي غشت 2020، كان قد صرح سعدهم، أمين المصباح المعتم ورئيس للحكومة، يعلن رفض التطبيع، ثم جاء دجنبر من السنة نفسها، فإذا به يوقّع، بصفته رئيساً للحكومة، الإعلان المشترك المغربي الأمريكي الإسرائيلي.
فقلت:
ــ وما قول الحزب؟
قال:
ــ قال ما قال، وأصدر ما أصدر، وبقي المواطن حائراً بين البيان والتوقيع.
فقلت:
ــ وأيهما أبلغ؟
قال:
ــ البيان يملك الكلمات، أما التوقيع فيملك الأثر.
فسكتُّ، لأن بعض الأجوبة لا تحتاج إلى شرح.
المقامة الثانية: في قومٍ لهم ذاكرة قصيرة..
قال عيسى بن الجيب:
ثم مضيت في الأسواق، فإذا بي أسمع قوماً يتحدثون عن العدالة الاجتماعية، فقلت:
ــ سبحان مقلّب الأحوال! ألم يكن بعض هؤلاء بالأمس في الحكومة؟
فقال صاحبي:
ــ بلى.
قلت:
ــ ألم يكن لهم في المقاصة إصلاح؟
قال:
ــ بلى.
قلت:
ــ ألم تكن للمحروقات حرية؟
قال:
ــ بلى.
قلت:
ــ فلماذا عادوا اليوم يسألون عن حال الجيب؟
قال:
ــ لأن السياسة يا عيسى لها ذاكرة عجيبة: تنسى ما فعلت، وتتذكر ما فعله الآخرون.
فقلت:
ــ وهل الذاكرة ملك لأحد؟
قال:
ــ لا، ولكن المواطن يحتفظ بها في مكان لا تصل إليه البلاغات.
قلت:
ــ وأين؟
قال:
ــ في دفتر الفواتير.
المقامة الثالثة: في أصحاب تحالف اليسار، وأهل السؤال..
ثم حدثني أبو الجيب عن قوم آخرين، فقال:
ــ أما أصحاب تحالف اليسار، فلم يدخلوا الحكومة ليقولوا للمواطن: اصبر، وإنما دخلوا البرلمان ليقولوا للحكومة بكل جرأة: لماذا؟
وكان من أولئك عمر بلافريج، وفاطمة التامني، ونبيلة منيب، ومصطفى الشناوي، ممن جعلوا من السؤال البرلماني أداة للمساءلة، ومن المنبر السياسي مكاناً لحمل هموم الناس.
فقلت:
ــ ولكن السؤال لا يملأ الجيب.
قال:
ــ صحيح، لكنه يمنع الحكومة من أن تظن أن الجيب بلا صاحب.
فقلت:
ــ وماذا كان خطابهم؟
قال:
ــ التعليم العمومي، والصحة العمومية، والشغل، والقدرة الشرائية، وحقوق المواطنين، ومساءلة الحكومة عن سياساتها، والانتصار للمطالب الاجتماعية المشروعة.
ثم قال:
ــ أما تحالف اليسار، فقد جعل الدولة الاجتماعية في قلب مشروعه؛ دولةً لا تكتفي بإحصاء الفقراء، بل تسأل لماذا يكثرون؛ ولا تكتفي ببناء المستشفيات، بل تسأل من يستطيع الوصول إليها؛ ولا ترفع شعار التشغيل، بل تسأل عن الشاب الذي أكلت البطالة سنوات عمره.
فقلت:
ــ وهل يكفي البرنامج؟
قال:
ــ لا.
قلت:
ــ وهل يكفي التاريخ؟
قال:
ــ لا.
قلت:
ــ فما الذي يكفي؟
قال:
ــ أن يلتقي البرنامج مع الممارسة، وأن يلتقي الكلام مع الموقف، وأن يلتقي الوعد مع الفعل.
المقامة الرابعة: في الحراك حين يتكلم الشارع..
ثم قال:
ــ وبلغني أن قوماً كانوا يرون في الحراك الاجتماعي إزعاجاً، وقوماً آخرين يرونه رسالة.
قلت:
ــ وما الفرق؟
قال:
ــ الأول يسأل: كيف نُنهي الاحتجاج؟
والثاني يسأل: لماذا بدأ الاحتجاج؟
قلت:
ــ وأصحاب تحالف اليسار؟
قال:
ــ جعلوا مساندة المطالب الاجتماعية والحقوقية والحق في الاحتجاج السلمي جزءاً من خطابهم، وجعل تحالف اليسار توسيع الحريات والانفراج السياسي ودولة المؤسسات جزءاً من مشروعه.
فقلت:
ــ أليس غريباً أن تُطلب دولة اجتماعية بلا حرية؟
فضحك وقال:
ــ بل الأغرب أن تُطلب حرية بلا عدالة اجتماعية!
ثم قال:
ــ الحرية التي لا يجد صاحبها ثمن الدواء ناقصة، والدولة الاجتماعية التي لا تسمح له بالكلام ناقصة؛ أما المواطن، فقد تعب من أن يُعطى نصف حق ونصف وعد ونصف رغيف.
المقامة الخامسة: في الحريات، وذاكرة الشبيبة، ودفتر القضاء..
ثم سكت أبو الجيب طويلاً، وقال:
ــ بقيت كلمة يا عيسى.
قلت:
ــ وما هي؟
قال:
ــ الحريات.
قلت:
ــ وما شأن الدرهم بالحريات؟
قال:
ــ لأن الدرهم إذا نقص ضاق العيش، وإذا ضاقت الحرية ضاق الوطن؛ والفرق أن الأول يظهر في الجيب، والثاني يظهر في وجه الناس.
ثم قال:
ــ من حق كل حزب أن يتحدث عن الديمقراطية، ومن حق المواطن أن يسأل عن تاريخ ذلك الحديث.
ثم ذكر لي قصة الشبيبة الإسلامية، ومؤسسها عبد الكريم مطيع، وصلتها بمرحلة سياسية شديدة الصراع، وبقضية اغتيال الزعيم المغربي عمر بنجلون، وهي قضية ظل مطيع ينفي مسؤوليته عنها، بينما صدرت في حقه أحكام غيابية.
وقال:
ــ أنا لا أحاكم أحداً بالتاريخ وحده، ولا أنسب إلى حزبٍ معاصر كل ما جرى في مرحلة سابقة؛ ولكني أسأل: ماذا تغير؟ وماذا بقي؟ وقد كال ابن كيرانهم القدح والتجريح للشهيد بنجلون وداماؤه لم تجف.. فالقتل في جينات جلبابهم.
ثم قال:
ــ وهناك ملف آخر، لم يطوِ القضاء صفحته الأخيرة بعد: ملف عبد العلي حامي الدين في قضية مقتل الطالب بنعيسى آيت الجيد.
فقلت:
ــ وهل صدر فيه حكم؟
قال:
ــ نعم، صدر حكم ابتدائي سنة 2023، ثم استمر المسار القضائي في مراحله اللاحقة، وبقي دم الشهيد بنعيسى معلقا في رقبة "الحامي". ولهذا لا يصح أن نجعل المقامة محكمة، ولا الراوي قاضياً.
ثم ضرب الدرهم على الطاولة وقال:
ــ دعوا القضاء يحكم، ودعوا التاريخ يشهد، ودعوا السياسة تتحمل مسؤوليتها.
ثم أضاف:
ــ ولكن اسألوا السياسي، أيّاً كان لونه، عن موقفه من الحرية، وعن موقفه من الاحتجاج، وعن موقفه من الصحافة، وعن موقفه من المعارضين حين يكون في الحكم، وحين يكون خارجه.
قلت:
ــ وما يقول تحالف اليسار؟
قال:
ــ يقول إن الديمقراطية والحريات الفردية والجماعية والانفراج السياسي ودولة المؤسسات ليست زينةً في واجهة البرنامج، وإنما جزء من مشروعه السياسي والاجتماعي.
ثم ابتسم وقال:
ــ ولعمري، إن الحرية ليست شعاراً يعلق في الانتخابات، كما أن العدالة الاجتماعية ليست صورةً على ملصق.
المقامة الأخيرة: حين نطق الدرهم بالحكمة..
قال عيسى بن الجيب:
فلما طال بنا الحديث، رأيت الدرهم يتثاءب، ويستعد للعودة إلى الجيب.
فقلت له:
ــ إلى أين؟
قال:
ــ إلى حيث توجد الحقيقة.
قلت:
ــ وأين توجد؟
قال:
ــ عند الخباز، وعند الصيدلي، وعند محطة الوقود، وعند باب المدرسة، وفي طابور المستشفى، وفي بيت المتقاعد، وفي غرفة الشاب العاطل، وفي بيت المرأة التي تحسب ما تبقى من الراتب قبل أن تشتري حاجيات أبنائها.
قلت:
ــ وهل لك كلمة أخيرة؟
قال:
ــ نعم.
ثم وقف فوق الطاولة، وانتفخ حتى ظننته درهماً من أيام الرخاء، وصاح:
«يا أهل السياسة، لا تحدثوني عن عدالتكم وأنا أُستنزف في جيب المواطن، ولا تحدثوني عن اجتماعيتكم وأنا أسمع أنين الأسرة آخر الشهر، ولا تحدثوني عن الديمقراطية وأنا لا أرى الحريات إلا في موسم الخطابة!»
ثم التفت إليّ وقال:
ــ أما تحالف اليسار، فإن كان يريد دولة اجتماعية وحريات أوسع وعدالةً اجتماعية، فليُسأل عن برنامجه وقدرته على تحويله إلى أفعال.
وأما العدالة والتنمية، فليُسأل عن حكومتيه، وعن إصلاح المقاصة، وتحرير الأسعار، وعن مواقفه من الحراك الاجتماعي، وعن المسافة بين بعض خطاباته وممارساته في ملف التطبيع، وعن ذاكرته السياسية ومسؤولية رموزه عن مواقفهم وأفعالهم.
فلا تجعلوا الانتخابات سوقاً للوعود، ولا المقامة محكمةً للأشخاص؛ اجعلوها دفتر حساب.
ثم قفز الدرهم إلى جيبي.
فقلت له:
ــ لقد كنت هارباً، فما الذي أعادك؟
قال:
ــ لم أعد، يا عيسى؛ إنما أنت الذي صرت تعرف أين كنت.
فقلت:
ــ وأين كنت؟
قال:
ــ كنت بين الخبز والحرية، وبين المقاصة والحراك، وبين البيان والتوقيع، وبين البرنامج والممارسة.
ثم همس:
«إن السياسة عند قومٍ كلامٌ يُقال، وعند قومٍ فعلٌ يُنال؛ أما المواطن، فلا يملك إلا ذاكرةً تحفظ، وجيباً يحاسب، وصوتاً ينتظر أن يُستعمل.»
قال عيسى بن الجيب:
فطويت المقامة، وأغلقت دفتر الحساب، وقلت:
لعمري، ما أفصح الدرهم حين يتكلم، وما أصدق الجيب حين يحاسب، وما أبقى من الذاكرة حين تنسى الأحزاب ما قالته، ولا ينسى المواطن ما دفعه.
وهنا انتهت المقامة…
وبقي الدرهم في الجيب،
وبقيت الحرية في السؤال،
وبقي الحكم لصاحب الصوت.
ففتح عيسى رسالته وعلى ضوء الشمعة قرأ البيان التالي :
صوتوا للشمعة والرسالة.






