سياسة واقتصاد

حين يصبح الصمت اختيارا… التغيير يبدأ من صندوق الاقتراع

بلخير سلمى

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي تعود إلى الواجهة مجموعة من الأسئلة التي طالما شغلت المواطن لماذا لم تتغير أوضاعنا كما نريد ؟ لماذا لا نجد من يدافع عن قضايا مدننا وأحيائنا ؟ لماذا تتكرر بعض المشاكل نفسها ؟ ولماذا تبقى انتظارات المواطنين أكبر من النتائج التي يرونها على أرض الواقع ؟

لكن ربما علينا قبل أن نبحث عن الإجابة عند الآخرين يجب أن نطرح سؤالا أكثر عمقا على أنفسنا ماذا فعلنا نحن من أجل التغيير الذي نطالب به ؟

فلا يمكن أن نبقى أسرى ثقافة الشكوى ننتقد الواقع ونحمل المسؤولية للجميع بينما ننسحب نحن من إحدى أهم أدوات المشاركة الديمقراطية الا و هي التصويت.

صحيح أن التصويت وحده لا يصنع المعجزات ولا يحل جميع مشاكل المجتمع ولا يمنحنا ضمانة بأن كل من يصل إلى موقع المسؤولية سيحقق كل ما وعد به. لكن العزوف بدوره ليس حلا والابتعاد عن المشاركة لا يمكن أن يكون مشروعا للتغيير.

إن الديمقراطية لا تبنى فقط داخل المؤسسات وإنما تبنى أيضا من خلال مواطن واع بدوره يعرف أن له حقا في الاختيار وأن عليه في المقابل مسؤولية أن يختار بوعي.

فالانتخابات ليست مجرد يوم نذهب فيه إلى صناديق الاقتراع، وإنما لحظة نتحمل فيها مسؤولية الاختيار.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط بين المرشحين، وإنما أيضا ضد اللامبالاة وضد الاعتقاد بأن صوتي لن يغير شيئا ، وضد تحويل الانتخابات إلى مناسبة موسمية تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية.

حين يعزف المواطن عن التصويت فإنه لا ينسحب من المشهد فقط، بل يترك للآخرين مساحة أكبر لتحديد ملامح المستقبل الذي سيعيش فيه هو وأبناؤه.

ومن هنا، فإن الشباب تحديدا أمام مسؤولية تاريخية.

الشباب ليس مجرد فئة تنتظر أن يتحدث الآخرون باسمها. الشباب قادر على أن يكون حاضرا في النقاش العمومي، وفي المؤسسات، وفي الأحزاب، وفي المجتمع المدني، وفي مختلف مواقع المسؤولية.

مدننا في حاجة إلى طاقات جديدة، إلى شباب يعرف مشاكلها من الداخل، ويؤمن بأن المسؤولية ليست امتيازا شخصيا وإنما تكليف لخدمة الناس والدفاع عن مصالحهم المشروعة.

نحتاج إلى شباب قادر على حمل المشعل، وعلى الاستماع إلى المواطن قبل الحديث باسمه، وعلى تحويل انتظارات الناس إلى قضايا وبرامج ومبادرات، وعلى إيصال صوت الأحياء والقرى والمدن إلى المؤسسات والجهات المعنية.

لكن الأهم من ذلك كله، أننا بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة.

ثقافة لا تجعل الاختيار الانتخابي مبنيا على القرابة أو الصداقة أو المنفعة العابرة، ولا تجعل المواطن يمنح صوته فقط لأن شخصا ما طلب منه ذلك، وإنما تجعله يسأل من يستطيع أن يمثلني؟ من أراه قادرا على تحمل المسؤولية؟ من أؤمن بأنه سيضع المصلحة العامة فوق مصلحته الخاصة؟ ومن سأستطيع مساءلته غدا عن الوعود التي قدمها اليوم؟

إن منح الصوت مسؤولية، كما أن ممارسة المسؤولية تقتضي قبول المحاسبة.

ولهذا، لا ينبغي أن تنتهي علاقتنا بالمنتخبين بمجرد وضع الورقة في صندوق الاقتراع. المواطن الذي يصوت اليوم ينبغي أن يبقى مواطنا حاضرا غدا يتابع، يسأل، يقترح، ينتقد، ويحاسب بالوسائل الديمقراطية والقانونية المتاحة له.

التغيير الحقيقي لا يبدأ عندما يتغير الآخرون، وإنما عندما نغير نحن طريقة تعاملنا مع الشأن العام.

لا يمكن أن نطالب بمدينة أفضل ونحن نترك الآخرين وحدهم يقررون مستقبلها.

لا يمكن أن نطالب بفرص أكبر للشباب ونحن ننسحب من كل فضاءات المشاركة.

لا يمكن أن نطالب بصوت مسموع ونحن نختار الصمت عندما يحين وقت التعبير.

ولا يمكن أن ننتظر أن يحمل الآخرون همومنا، إذا لم نتحمل نحن أيضا مسؤولية الدفاع عن قضايانا.

لذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل مواطن ومواطنة، وإلى كل شاب وشابة، بسيطة ولكنها عميقة:

لا تكن متفرجا على مستقبل مدينتك. كن جزءا من صناعته.

اذهب إلى صندوق الاقتراع، اقرأ، اسأل، ناقش، قارن، واختَر وفق قناعتك.

لا تمنح صوتك بدافع الخوف، ولا بدافع المجاملة، ولا مقابل مصلحة عابرة.

امنحه لمن ترى أنه يستحق ثقتك، وقادر على تحمل المسؤولية وخدمة الصالح العام.

قد لا يكون صوت واحد كافيا لتغيير كل شيء، لكن ملايين الأصوات الواعية قادرة على صناعة اتجاه جديد.

والتغيير الذي ننتظره من الدولة، ومن المؤسسات، ومن المنتخبين، ومن الأحزاب، ومن المسؤولين… يحتاج أولا إلى مواطن يؤمن بأن له دورا في صناعة هذا التغيير.

فلا تكتف بالشكوى من المشهد السياسي… شارك في صياغته.

ولا تنتظر أن يتغير كل شيء من حولك حتى تتحرك.

التغيير يبدأ الانسان نفسه من فكرته، من وعيه، من اختياره… ثم من صوته.

وفي النهاية، تبقى الانتخابات محطة، لكن المواطنة ليست موسما

صوت بوعي، شارك بمسؤولية، وتابع من منحتهم ثقتك… لأن مستقبل مدينتك لا يكتب فقط من طرف من يصلون إلى مواقع المسؤولية، بل أيضا من طرف المواطنين الذين يقررون من يمنحونهم هذه المسؤولية.