تستوقفني تسمية «مخدع التصويت» قبل أن تستوقفني ورقة التصويت نفسها. فالمَخدع، في أصل الاستعمال، هو المكان المستور الذي ينفرد فيه المرء بنفسه؛ غير أن جرس الكلمة يستدعي، على سبيل المفارقة اللغوية لا الاشتقاق، حقلًا آخر قريبًا في السمع: خَدَعَ، يخدع، خِداعًا وخَدْعًا. وكأن اللغة، بمكرها الجميل، تضع الناخب في مكان محجوب عن الأعين، ثم تتركه وحيدًا أمام احتمالين: أن يختار، أو أن يُخدع في اختياره.
لكن هل يدخل الإنسان إلى المخدع وحيدًا فعلًا؟
يدخل بجسده منفردًا، نعم، لكن تدخل معه أشياء كثيرة: الصور التي شاهدها، والخطب التي سمعها، والأسماء التي ألفها، والانتماءات التي ورثها، والمكانات التي تعلم احترامها، والمخاوف والآمال التي راكمها، وربما الأحكام التي كوّنها قبل أن تبدأ الحملة أصلًا. يدخل وحده، ولكن المجتمع يدخل معه.
ومع ذلك، تظل في هذا المكان الصغير خصوصية ديمقراطية لافتة: لا أحد يرى ما أفعل ، وهنا بالذات تنشأ لحظة خاصة بين الذات والضمير ؛ فخارج المخدع أوجد بين الآخرين، أما داخله فأكون، لثوانٍ، أمام نفسي منتشيا بلحظة ديمقراطية نادرة مؤطرة باقتدار حر متميز . أما خارجَه أتعرض لقوى الاعتراف والتأثير والامتثال؛ وداخله تتاح لي فرصة مساءلة أثرها في اختياري ؛ وليس معنى ذلك أنني أتحرر فجأة من المجتمع، وإنما أن السرية تمنحني هامشًا لاستعادة المسافة بين ما يراد مني أن أختاره وما أقرر أنا أن أختاره ؛ وهنا خطر لي سؤال آخر: بأي معيار أختار؟
وتذكرت هوبز وتمييزه الدقيق بين القيمة والجدارة ؛ فالقيمة، في التصور الهوبزي، تتصل بما يمنحه الآخرون لقوة الإنسان من تقدير؛ ويمكن، بشيء من التبسيط، تسميتها السعر الاجتماعي للقوة. فقد ترتفع قيمة شخص بما يملكه من مال أو معرفة أو نفوذ أو شهرة أو شبكة علاقات أو قدرة على التأثير. إنها ليست جوهرًا ثابتًا يسكن الشخص، وإنما تتشكل أيضًا من حاجة الآخرين إلى قوته وتقديرهم لها.
أما الجدارة فسؤال مختلف: ليست كم تساوي في سوق الاعتراف، وإنما هل تتناسب قدرتك مع المهمة التي تتقدم إليها؟
وهنا يكمن فارق يبدو بسيطًا، لكنه شديد الأهمية في كل عملية اختيار: فقد يكون شخص مرتفع القيمة الاجتماعية، ولا يكون الأجدر بمهمة معينة؛ وقد يكون آخر أقل شهرة ونفوذًا، لكنه أكثر ملاءمة لها من حيث المعرفة والخبرة والكفاءة والقدرة ؛ ولذلك قد يكون أحد أخطر أخطاء الانتقاء الاجتماعي أن تتحول القيمة إلى قرينة تلقائية على الجدارة.
من أنت؟
عند هذه النقطة استعاد سؤال مألوف معناه: من أنت؟ ومن أنتم؟
كثيرًا ما يوجه شخص أو مؤسسة هذا السؤال إلى خصم أو نظير، فيبدو استفهامًا عن الهوية، بينما يحمل أحيانًا حكمًا مضمرًا على القيمة:
من أنت حتى تتكلم؟
ومن أنتم حتى تعترضوا؟
وما موقعكم حتى تقترحوا؟
ومن منحكم حق مناقشة من هم أعلى منكم موقعًا أو شهرة أو نفوذًا؟
لكن، ألا يجوز قلب السؤال نفسه؟
من أنت حتى تجعل قيمتك دليلًا على جدارتك؟
ومن قال إن الموقع يمنح صاحبه، فوق ما يمنحه من سلطة أو شهرة، امتياز امتلاك الحقيقة؟ وهل ارتفاع القيمة الاجتماعية للسائل يجعل قوله أصح، وانخفاض قيمة المسؤول يجعل حجته أضعف؟
هنا لا يعود سؤال «من أنت؟» مجرد استفهام ؛ فقد يتحول إلى وسيلة لإغلاق النقاش قبل أن يبدأ: بدل مناقشة ما قيل، نجعل صاحب القول مطالبًا أولًا بإثبات حقه في أن يقول.
بورديو يدخل معي إلى المخدع :
غير أن هوبز يترك أمامنا سؤالًا آخر: إذا كانت القيمة اجتماعية، فكيف تُصنع هذه القيمة؟
هنا يصبح بورديو رفيقًا مفيدًا داخل مخدع التصويت ؛ فأغلبية المرشحين لا يصلون إلى ورقة الاقتراع متساوين في القيمة الرمزية؛ قبل أن أدخل المخدع، اشتغل الحقل السياسي والإعلامي والاجتماعي طويلًا على صناعة التفاوت بينهم ، فهناك من يمتلك "رأس مال" اقتصاديًا، ومن يمتلك شبكة علاقات، ومن يحمل اسمًا عائليًا أو تاريخًا سياسيًا، ومن يملك رأسمالًا ثقافيًا، ومن راكم حضورًا إعلاميًا أو حزبيًا أو محليًا ؛ وحين يُعترف بهذه الموارد اجتماعيًا تتحول إلى ما يسميه بورديو رأسمالًا رمزيًا.
وعندها قد يبدو الشخص جديرًا لأنه معروف، بينما يكون جزء من جدارته المفترضة أثرًا لقيمة سبق أن صنعها الحقل من حوله.
وهنا تبرز إحدى آليات إعادة الإنتاج ، حيث نختار من سبق أن مُنح قيمة، ثم نستدل باختياره على جدارته، فيمنحه الاختيار قيمة إضافية تؤهله لأن يُختار من جديد ؛ غير ان بورديو نفسه يجعلنا أكثر حذرًا من وهم آخر: أنا لا أترك الحقل السياسي عند باب المخدع ، إنه يدخل معي ؛ تدخل معي اللغة التي أستعملها في الحكم على المرشحين، والصور التي صنعتها وسائل الاتصال، والمكانات الاجتماعية التي تعلمت تقديرها، وما يبدو لي طبيعيًا أو بديهيًا أو مستحقًا ؛ ولهذا فالمخدع ليس مكانًا سحريًا للتحرر من الهيمنة الرمزية، ولكنه قد يكون مكانًا قصيرًا لوعيها ؛ وهنا تكمن قيمته الديمقراطية.
وهونيث أيضًا: من يستحق أن يُرى؟
لكن ثمة سؤالًا آخر لا يتعلق بمن ارتفعت قيمته فقط، وإنما بمن حُرم من الاعتراف أصلًا ؛ فهنا يحضر هونيث ، لأن الصراع الاجتماعي ليس دائمًا صراعًا على المصالح المادية وحدها؛ إنه أيضًا صراع من أجل الاعتراف ؛ والإنسان يحتاج إلى أن يُعامل بوصفه ذاتًا لها أهلية الكلام والفعل والمشاركة ؛ ولهذا فإن سؤال «من أنت؟» حين يقال بقصد التحقير لا يخفض القيمة الاجتماعية للآخر فقط؛ بل قد ينكر عليه أهلية الظهور في المجال المشترك.
من هنا يصبح الاختيار الديمقراطي أكثر تعقيدًا، فليس المطلوب أن نستبدل أصحاب القيمة بمن لا قيمة لهم، ولا أن نمنح الجدارة تلقائيًا لكل من تعرض لنقص الاعتراف. فهذا سيكون مجرد قلب للتراتبية، لا تجاوزًا لها ؛ فالمطلوب شيء أدق ، أي ألا نجعل فائض الاعتراف دليلًا كافيًا على الجدارة، وألا نجعل نقص الاعتراف دليلًا على انعدامها ؛ وهنا يلتقي هوبز وبورديو وهونيث داخل المخدع نفسه :
يقول لي هوبز: ميّز بين القيمة والجدارة !
وينبهني بورديو: احذر؛ فالقيمة التي تراها طبيعية قد تكون حصيلة توزيع غير متكافئ للرأسمال والاعتراف !
ويضيف هونيث: وانتبه أيضًا إلى من لم يُمنح أصلًا فرصة عادلة لكي تُرى قدرته ويُعترف بصوته !
لحظة بين الذات والضمير :
لهذا يبدو لي مخدع التصويت واحدًا من أكثر الأمكنة المشبعة بالديمقراطية إثارة للتأمل ؛ ففيه يبلغ تأثير الجماعة ذروته، وفيه أيضًا تمنح السرية للفرد إمكانية مقاومته ؛ حيث تصلني إلى باب المخدع كل محاولات الإقناع والتأثير والتعبئة؛ لكن لا أحد يجرأ أو يستطيع أن يدخل معي ليضع العلامة بدلًا مني.
وهذه العزلة ليست مجرد إجراء تقني لضمان سرية الاقتراع. إنها، في معناها الأعمق، لحظة لاسترداد الذات أمام الضمير ، حيث لا
يعني الضمير هنا امتلاك الحقيقة، ولا أن اختياري سيكون حديا وبالضرورة صائبًا؛ فالضمير نفسه ابن تجربة وثقافة ومصالح وتمثلات؛ لكن السرية تتيح لي شيئًا أكثر تواضعًا وأهمية ، وذلك بأن أتحمل مسؤولية اختياري باعتباره اختياري أنا.
وهنا يمكن قلب سؤال «من أنت؟» مرة أخرى، لكن هذه المرة باتجاه الذات: من أنا حين لا يراني أحد؟ وهل أظل وفيًا لما أعلنته أمام الآخرين؟ هل أختار بدافع الخوف؟ المصلحة؟ الانتماء؟ جبر الخاطر ؟ الاعتياد؟ الإعجاب؟ أم أحاول أن أختبر، بقدر ما أستطيع، الجدارة التي أبحث عنها فيمن سأمنحه صوتي؟
إنها لحظة قصيرة، لكنها تضع الإنسان أمام مسؤوليته دون جمهور.
من الانتخاب السياسي إلى الانتقاء الاجتماعي :
ولا تقف المسألة عند التصويت ؛ فنحن نمارس الاختيار باستمرار: في المؤسسات، والمهن، والجامعات، والجمعيات، ومواقع المسؤولية، وفي دوائر الاعتراف الاجتماعي المختلفة ؛ والمشكلة ذاتها تتكرر: هل نختار صاحب القيمة الأعلى أم صاحب الجدارة الأنسب؟
فحين تصبح المكانة العائلية أو المهنية أو الاقتصادية أو الثقافية معيارًا ضمنيًا للاختيار، قد تتحول القيمة المتراكمة إلى شهادة جدارة لم تخضع للاختبار ؛ وهكذا يعيد المجتمع إنتاج مواقعه لأنه ينتقي من يعرف قيمته مسبقًا بدل أن يختبر من يثبت جدارته بالفعل.
لكن الإنصاف يقتضي كذلك ألا ننكر قيمة الخبرة والتجربة والسمعة والثقة. فهذه ليست أوهامًا بالضرورة، وقد تكون مؤشرات مهمة على الجدارة.
إن المشكلة تبدأ فقط عندما تتحول المؤشرات إلى براهين نهائية.
ومن الانتخاب إلى القلق الفكري :
وفي المجال الفكري تأخذ المسألة صورة أخرى: من أنت حتى تقول هذا؟ وهل تُقاس الفكرة بسيرة قائلها أم بقوة حجتها؟ هل شهرة المفكر تجعل كل أقواله أجدر بالقبول؟ وهل قلة الاعتراف بصاحب فكرة تسلب فكرته قدرتها على الإقناع؟
هنا يظهر ما يمكن تسميته القلق الفكري: أن يقلقنا القول الجديد، فنفر من مناقشة مضمونه إلى مساءلة هوية صاحبه؛ وبدل أن نسأل: ماذا يقول؟ وما حجته؟ وما الذي يضيفه؟ نسأل: ومن يكون حتى يقول ذلك؟
وعندها يتحول سؤال «من أنت؟» إلى شكل من أشكال حراسة الحدود الرمزية للفكر: من يحق له الكلام، ومن ينبغي أن يصمت، ومن يستحق أن يُسمع قبل أن نسمع أصلًا ما يقول.
بين المَخدع والخِداع :
لهذا ربما كانت تلك الدقائق القليلة في مخدع التصويت أوسع من ورقة وصندوق ؛ إنها تذكرنا بأن الديمقراطية لا تختبر فقط في حرية أن نختار، بل أيضًا في نوعية المعايير التي نستعملها ونحن نختار ؛ وهنا تتكامل العدسات الثلاث:
يعلمنا هوبز ألا نخلط بين القيمة والجدارة؛ وينبهنا بورديو إلى أن القيمة نفسها قد تكون حصيلة تاريخ من توزيع القوة والرأسمال والاعتراف؛ ويذكرنا هونيث بأن من لا يحظى بالاعتراف قد يتم حجب جدارته قبل أن تتاح لها فرصة الظهور.
ويبقى القرار لي !
أنا وحدي أمام الورقة، ولكنني لست خاليًا من المجتمع وتمثله ؛
ولعل فضيلة المخدع ليست أنه يحررني نهائيًا من تأثير الآخرين، بل أنه يمنحني لحظة أستطيع فيها أن أجعل تأثيرهم موضوعًا لتفكيري بدل أن يظل قوة خفية تحرك اختياري.
وهنا يصبح السؤال الديمقراطي أعمق من " لمن " سأصوت؟
إنه: بأي معيار سأختار؟ وهل أستطيع أن أميز بين من ارتفعت قيمته ومن ثبتت جدارته؟ وهل أستطيع أن أرى من حجبت عنه آليات الاعتراف فرصة إظهار جدارته؟
وبين المَخدع والخِداع مسافة صغيرة في اللفظ، لكنها قد تكون مسافة كبيرة في الوعي ؛ إنها المسافة بين اختيار تصنعه لنا القيم المتراكمة خارجنا، واختيار نحاول أن نصنعه بأنفسنا؛ بين قوة الصورة وبرهان القدرة؛ بين الاعتراف الموروث والجدارة المختبرة.
وربما كانت سرية التصويت، في معناها الإنساني الأعمق، لا تحميني فقط من معرفة الآخرين بما اخترت، بل تمنحني تلك اللحظة النادرة التي لا أحتاج فيها إلى إرضائهم.
هناك، خلف الستار، تنسحب الجماعة قليلًا، ويخفت ضجيج القيمة، وتبقى الذات أمام ضميرها ؛ وعندها لا يعود السؤال: من أنت؟ بل يصبح السؤال الذي أوجهه إلى نفسي: من أكون أنا، حين لا يراني أحد، وأنا أختار؟
أشرت على خانتين سرا ، ثم أودعت لائحة التصويت في صندوق زجاجي ، فعبرت الشفافية رمزيا عن حضورها دون كينونتها الحق .
وفي انتظار الفرز ، نكون قد حققنا الحق في الاختيار بإسم أداء الواجب !






