"قِفا نَبْكِ.."، لا على الديّار والأطلال هذه المرة، بل على زمن جميل أشرقت فيه الشمس من واجهة حمراءَ تتوهج في قلب اليوسفية، وعلى صرحٍ كان روحا تسري في أوصال مدينة عمالية صاعدة. هناك، حيث كانت سينما الحمراء، تتنفس الحياة، وتمنح للمدينة إيقاعا وجمالا يكسران روتين ورتابة الأيام الفاصلة بين عذابات المنجم، واستخلاص راتب "الْكَانْزَا".
في تلك السنوات الذهبية، بين السبعينيات وبداية الثمانينيات، لم تكن السينما الحمراء بالحي الحسني مجرد فضاء لعرض الأفلام، بل كانت محرابا ثقافيا وفنيا وذاكرة حية.
معلمة شامخة فاقت بفسحتها ومهابتها قاعة الأفراح بالحي المحمدي. على خشبتها الفسيحة وفي كواليسها الخلفية التقى شباب المدينة بشغفهم، وعانقوا أطياف النجوم والمبدعين والمشاهير من كبار الفنانين والمبدعين والمثقفين الذين لم يكن ليطأوا أرض اليوسفية لولا هذا البهو المنير وذاك الشغف الساكن في قلوب قاصديه.
ما زالت الذاكرة تكتنز ملامح تلك البناية البهية. موقعها الاستراتيجي، وجدرانها المزينة بزليج براقٍ يتعانق فيه الأسود بالأصفر في تناسقٍ بديع الألوان. وعلى الواجهة، كانت تتصدر اللافتات المعلنة عن الأفلام: المعروضة عن اليمين تشدُّ الأبصار، والمرتقبة عن اليسار تغذي الشوق. وتحت المنشورات، داخل إطارات زجاجية أنيقة، استقرت مقتطفات ومشاهد مصغرة تسحر العيون قبل دخول القاعة، فيما تتحدث بقية الجدران بملصقاتِ أفلام سينمائية سابقة.
داخل هذا العالم الدافئ، كان جناح المقصف يبعث روائح الوجبات الخفيفة والمشروبات الغازية التي تطيب بها المشاهدة، وتتعالى صيحات الشباب حول طاولة "الْبِيَّارْ" في انتظار لحظة الصفر لانطلاق العرض السينمائي. وحين تفتح الأبواب، تستقبلك القاعة بدفئها، "مُولَاتْ" المصباح لإضاءة مسالك الكراسي الجلدية المريحة القابلة للطي. جدران عالية مكسوة بثوب أحمرَ قاني يفيض هيبة، ومراوح تلطف أجواء الحماس.
كان للسينما طقس يومي يتكرر مرتين، فيلم "هندي" يداعب ويدغدغ العواطف ويحرك الوجدان، وآخر لـ "رعاة البقر" يختصر مفاهيم "التاريخ والجغرافيا" بلغة سينما "هوليود" الساحرة. وتكتمل صورة الذكريات بأصحابها الذين خلدتهم ذاكرة مدينة المناجم...إنها وجوه وأسماء أضحت جزءا لا يتجزأ من حكايات جيل عاش الشغف بأبهى معانيه.
اليوم.. أقفُ شخصيا ويقف معي أبناء اليوسفية، ممن اختزنوا في وجدانهم بريق تلك الأيام، في لحظة حيرة وتأثر تفيض مرارة وأسى. كيف لهذه المعلمة الخالدة أن تنتهي إلى غرفة الإنعاش والموت السريري؟ كيف يلتحف هذا الفضاء الصمت والإهمال بعد كل ذلك الصخب الجميل؟ إنه ضيق في الصدر وحسرة في القلب أمام عجز يتملك صناع القرار، ونحن نرى تاريخنا الجميل يتآكل تحت وطأة النسيان.
إنها ليست مجرد جدران تداعت، بل هي قطعة من أرواحنا تئن. وإننا إذ نكتب اليوم بمداد الشوق والأسى، نبعث رجاء متجددا وأملا يتطلع إلى غد أفضل. أمل في أن تمتدَ يد العناية لإعادة الحياة إلى هذا الصرح التاريخي، ليفتح مجددا في وجه التنشئة وشباب المدينة المتعطش للفن والنور، ولتعود السينما الحمراء، كما كانت دائما...نبضا للثقافة، ومنارة للذاكرة، وشاهدا على عراقة اليوسفية الفوسفاطية.
لم تكن السينما الحمراء، مجرد شاشة تعرض عليها حكايات الأحد العابرة، بل كانت أكاديمية مفتوحة للوعي، ومشتلا صغيرا نمت فيه بذور شغفنا الفني والثقافي. ففي ذروة ذلك الزمن الجميل، بزغ فجر النادي السينمائي باليوسفية تحت لواء الجامعة المغربية للأندية السينمائية، تجربة ملحمية جعلت من يوم الأحد منارة أسبوعية تنبض بالثقافة والسينما والفكر والتربية على قيم المواطنة.
رغم شح الإمكانيات، وثقل سومة الكراء التي كانت تتطلب "ألف درهم" كل يوم أحد، وهو مبلغ جسيم بلمسات ذلك الزمان، لم ينكسر الشغف. كنا نقتطع هذا التحدي اقتطاعا من عرق انخراطات الأعضاء ومبيعات البطاقات، لنضمن للمدينة ساعتين من النور، ودرسا بليغا في حب الفن السابع والتضحية لأجله.
لم تكن الأفلام التي أُسيلت عليها أضواء الإسقاط مجرد استعراض للمشاهد والصور، بل كانت وثائق وازنة الحمولة. تحكي قضايا المجتمع، وتلامس هموم السياسة، وتغوص في عمق الإنسانية. شريط بعد شريط. صيغت ذائقتنا، وتشكل وعينا السينمائي الذي تجاوز مجرد المشاهدة السطحية إلى الفهم والتذوق العميق. وما إن يكتمل العرض وتضاء أنوار القاعة، حتى تبدأ ملحمة المناقشة المفتوحة.
كانت الخشبة/ الشاشة والجمهور يتحولان إلى خلية نحل فكرية. يفكك فيها الإخراج، وتشرح خبايا السيناريو، ويستقرأ فيزياء الضوء وزوايا الكاميرا وحركة الممثلين. كنا نتعلم كيف نقرأ بين السطور وفي الظلال، وكيف تصبح حركة الكاميرا موقفا فكريا واللفتة البسيطة فلسفة قائمة بذاتها.
تلك الصباحات أو المساءات لم تكن مجرد نشاط سينمائي للنادي، بل كانت صقلا للأرواح، وبناء لجيل شجاع يتعلم كيف يفكر، يطرح السؤال، ينتقد، ويحلم. واليوم، كلما شرد الذهن نحو تلك الأيام، يظل صدى تلك النقاشات وشغف أولئك الشباب محفورا في وجدان اليوسفية، شاهدا على أن الفن حين يسكن الروح...لا يموت أبدا.
اليوم، يتآكل فضاء "السينما الحمراء" على إيقاعِ احتضار صامت... جدران كانت يوما تضج بالحياة والفكر ومختلف الفنون الأصيلة التراثية الشعبية، باتت تئن تحت وطأة الغبار والنسيان، بعد أن أُغلقت أبوابها وشلّت روحها. معلمة صنعت ذاكرة أجيال كاملة في اليوسفية، تنهشها اليوم المرارة، وتقف شاهدة على زمن ينزف تاريخا ووعيا. لكنّ الذاكرة التي أنجبت جيل النادي السينمائي، والروح التي خاضت معارك الوعي كل يوم أحد، لا يمكن أن تستسلم لهذا الرحيل المؤلم.
خلال اللقاء "التشاوري" الذي نظمته عمالة اليوسفية خلال السنة الجارية، ارتفعت صرخة استغاثة ونداء أمل. نداء يتجاوز البكاء على الأطلال إلى صناعة المستقبل، من أجل التدخل العاجل لانتشال هذا الصرح التاريخي من براثن الضياع، وسلوك المساطر القانونية ونزع الملكية للمنفعة العامة وفق الضوابط والتعويضات التي يكفلها القانون، لتتحول البناية من ملكية خاصة معطلة إلى ملك عمومي، ملك لكل أبناء المدينة وإقليم اليوسفية.
طبعا من حقنا أن نحلم بتحويل "سينما الحمراء" إلى مركب متعدد التخصصات، وإعادة هيكلتها وتأهيلها لتصبح فضاء ثقافيا حيويا شاملا ينبض بالحياة من جديد، لتعويض النقص الحاد الذي تعانيه المدينة في المنشآت الثقافية. نعم نحلم بقاعة عمومية مجهزة للندوات والمؤتمرات والملتقيات الفكرية. نتطلع لفضاء مسرحٍ حديث لاستقبال العروض المسرحية والفنية الوطنية والمحلية، فضلا عن إقامة أروقة للمعارض التشكيلية وورشات إبداعية لشباب وأطفال المدينة، وضمان عروض الأفلام السينمائية والوثائقية لتجديد دماء النادي السينمائي.
إن إنقاذ "السينما الحمراء" ليس مجرد استرجاعٍ لبناية من إسمنت وزليج، بل هو إعادة نبض لقلب اليوسفية الثقافي والفني والإبداعي، ووفاء لجيل بنى وشيّد، وإهداء مستحق لشباب متعطشٍ للنور والفن والجمال...إنها دعوة نطلقها بقلوب مفعمة بالرجاء، عسى أن يجد هذا الصوت آذانا صاغية، لتتحول "الحمراء" من غرفة احتضار... إلى ميلاد جديد.
في هذا السياق توجه جمعية تراث أحمر للتنمية والأعمال الإجتماعية باليوسفية نداء إلى كل المؤسسات والمسؤولين محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا...لكل من شهد زمن الذروة والشغف. ولكل من يعزّ عليه تاريخ هذه المدينة العمالية، بالنظر إلى أن "السينما الحمراء" هي قلب اليوسفية الثقافي والفني الذي نبض لعقود. هي شباك التذاكر ورسائل الفن والإبداع، هي النادي السينمائي ونقاشات الأحد الفكرية والثقافية والفنية، هي الخشبة التي وطأتها أقدام كبار الفنانين والمثقفين، وهي المكان الذي صقل وعي جيل بأكمله.
مطلبنا واضح وحضاري، نناشد عامل إقليم اليوسفية والمجلس الجماعي وكافة المؤسسات المنتخبة بالتدخل العاجل وفق المساطر القانونية ذات الصلة بنزع الملكية للمنفعة العامة وتثمين الذاكرة، من أجل تحويل البناية إلى ملك عمومي، والعمل على ترميمها وتحويلها إلى مركب ثقافي متعدد التخصصات (قاعة ندوات، مسرح، سينما، وفضاء للورشات الإبداعية) لشباب المدينة المتعطش للفن والنور.
إن إنقاذ "الحمراء" هو إعادة الروح إلى مدينتنا ووفاء لذاكرتنا الجماعي وللقيمة التاريخية والرمزية، إذ يعتبر فضاء السينما الحمراء، إحدى المعالم الإشعاعية البارزة التي شكلت الوجدان الثقافي والفني لمدينة اليوسفية منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث احتضنت تظاهرات وطنية ومحلية وعروضا للنادي السينمائي، وفرق مسرحية، واستقبلت كبار المثقفين والفنانين والمبدعين إلى جانب المجموعات الغنائية الغيوانية.






