لم يُخلق الدماغ البشري ليقرأ. وليست هذه مجرّد عبارة بلاغية، بل خلاصة عقود من أبحاث علم الأعصاب. فالكتابة اختراع حديث لا يتجاوز عمره بضعة آلاف من السنين، وهي مدة أقصر من أن يفرز لها التطور البيولوجي دوائر عصبية خاصة. لذلك يضطر كل طفل يتعلم القراءة إلى "استعارة" منطقة من دماغه كانت مخصصة أصلاً للتعرف على الوجوه والأشياء، كي يستعملها في التعرف على الحروف والكلمات. هذا ما يسميه ستانيسلاس دوهين "إعادة التدوير العصبي" في كتابه "القراءة في الدماغ" (2009). وقد رصد التصوير الدماغي هذه المنطقة في الموقع نفسه من الجانب الأيسر للدماغ لدى القراء من مختلف اللغات، سواء قرأوا بحروف لاتينية أو عربية أو صينية.
والمعنى الفلسفي لهذا الاكتشاف أهم من تفاصيله التقنية: القراءة ليست هبة طبيعية كالبصر والكلام، بل مهارة هشة تُبنى بالجهد وتُصان بالممارسة. وما يُبنى بالجهد يمكن أن يتفكك بالإهمال. ثم إن القراءة لا تقف عند التعرف على الحروف. فما تسميه ماريان وولف "دائرة القراءة العميقة" في كتابها "أيها القارئ، عُد إلى البيت" (2018) شبكةٌ واسعة تربط البصر باللغة والذاكرة والاستدلال والخيال والتعاطف. وهذه الشبكة تحتاج سنوات كي تنضج، وتعمل ببطء. والبطء هنا ليس عيباً بل شرط: إنه الزمن الذي يحتاجه الدماغ كي يستحضر ما يعرفه، ويقارن، ويستنتج، ويشعر.
أما المحتوى السمعي البصري فيسلك طريقاً أقصر. فهو يعتمد على دوائر جاهزة ورثناها من ملايين السنين من التطور: الدماغ يتعرف على الوجه والصوت والحركة من دون تدريب، ومن دون أن يعيد توظيف شيء. وليس في هذا عيب في ذاته، فهذه الدوائر هي التي حفظت بقاء أسلافنا. لكن الفارق الحاسم هو: من يملك الإيقاع؟ القارئ يتحكم في سرعة التلقي: يتوقف عند جملة، ويعود إلى فقرة، ويتأمل في مفهوم، ويتخيل ما لم يُقل أو ما بين السطور. أما المشاهد فالإيقاع مفروض عليه من الخارج، والصورة تصله مكتملة لا تترك له شيئاً يبنيه، فلا يملك إلا أن يلاحقها.
وتُحذر وولف أيضاً من أن القراءة على الشاشة تدفع بطبيعتها إلى المسح السريع والقفز بين الأسطر، بدل الانتباه المتواصل الذي تربّيه الصفحة المطبوعة. والأخطر أن عادة المسح هذه لا تبقى حبيسة الشاشة، بل قد تصير طريقتنا في قراءة كل شيء، حتى الكتاب الورقي. والسبب بسيط: الدماغ كالعضلة، يقوى بالاستعمال ويضعف بالإهمال. والمرونة العصبية التي سمحت للدماغ بأن يتعلم القراءة هي نفسها التي تسمح له بأن ينساها؛ فالمنطقة التي أُعيد توظيفها للحروف لا تحتفظ بوظيفتها الجديدة إلا إذا ظلت تُستعمل بنحو دائم.
وهذا ما يجعل الأمر الإلهي "اِقرأ" طقسًا يتجدّد دومًا مثل الوضوء.






