هذا بالضبط ما يفعله عبد الإله بنكيران اليوم.
عاد الرجل، وعاد معه حزب العدالة والتنمية إلى البرلمان بقوة أكبر بكثير من كارثة 2021، لكن ليس إلى الموقع الذي كان يحتله في 2011 و2016. ولذلك فإن الاحتفال بالعودة مفهوم حزبياً، لكنه لا يبرر تحويل 54 مقعداً إلى أسطورة عودة كبرى.
فالمغرب الذي خرج منه بنكيران سنة 2017 ليس هو المغرب الذي عاد إليه.
والمغربي الذي كان يصغي إليه في 2011 ليس بالضرورة هو المغربي الذي يصغي إليه اليوم.
والأهم: الطبقة الوسطى التي اكتوت بتجربة الحكم لم تعد مستعدة بسهولة لشراء الخطاب نفسه، ولو أعيد تغليفه بورق المعارضة.
الرجل الذي وصل على ظهر «الربيع العربي»
ينبغي ألا ننسى اللحظة التي صعد فيها بنكيران.
كان المغرب يعيش ارتدادات 20 فبراير، والمنطقة العربية تهتز من تونس إلى مصر وليبيا وسوريا. وجاء دستور 2011، ثم انتخابات أفرزت حزب العدالة والتنمية في مقدمة المشهد.
كان السياق الدولي والإقليمي ملتبساً إلى حد كبير: الإسلاميون يصعدون انتخابياً في أكثر من بلد، والأنظمة القديمة تتهاوى، والمجتمعات تطالب بالكرامة والعدالة، والغرب نفسه لم يكن يعرف هل يتعامل مع هذه التحولات بوصفها ولادة ديمقراطية أم بداية موجة جديدة من عدم الاستقرار.
وفي المغرب، وجد بنكيران نفسه في المكان المثالي سياسياً: رجل بمرجعية إسلامية، بلسان شعبي، يأتي في لحظة يريد فيها الناس شيئاً اسمه التغيير.
كانت الوصفة ناجحة.
الرجل لم يكن بحاجة إلى لغة خبراء الاقتصاد.
كان يكفي أن يتحدث مثل الناس.
يضحك مثلهم.
يغضب مثلهم.
ويقول لهم، بوضوح شديد:
أنا واحد منكم.
وهنا تبدأ الحكاية الجميلة.
ثم تبدأ الفاتورة.
لأن المغرب ليس خطبة جمعة
دخل بنكيران الحكومة واكتشف، مثل كل من يصل إلى السلطة، أن المغرب أكبر من الحزب، وأعقد من الشعار، وأثقل من الميكروفون.
وجد أمامه اقتصاداً مضغوطاً، وفاتورة مقاصة ثقيلة، وعجزاً مالياً، ونظام تقاعد مهدداً، والتزامات اجتماعية ودولية، وأسعار طاقة دولية مرتفعة.
بل إن صندوق النقد يوثق أن دعم الطاقة ارتفع بقوة في 2012، وأن إصلاح الدعم أصبح ضرورة مالية، وأن الحكومة شرعت في رفع أسعار المحروقات ثم أنهت تحريرها تدريجياً بحلول 2015.
كل هذا صحيح.
لكن هناك حقيقة أخرى لا تقل أهمية:
المواطن لا يعيش داخل تقرير صندوق النقد.
المواطن يعيش داخل جيبه.
وهنا بدأت مشكلة بنكيران.
المقاصة: حين خرج الإصلاح من الورق ودخل إلى المطبخ
يمكن الدفاع عن إصلاح المقاصة اقتصادياً.
بل إن الأرقام تقول إن النظام القديم كان غير عادل في توزيعه، لأن الدعم الشامل لم يكن يصل إلى الفقراء وحدهم، وكانت الفئات الأكثر استهلاكاً تستفيد منه أكثر.
لكن السؤال السياسي الذي بقي معلقاً هو:
كيف تنتقل من دعم شامل إلى نظام أكثر استهدافاً دون أن يشعر المواطن بأن الدولة تخلت عنه؟
هنا كانت الطبقة الوسطى في ورطة.
هي لا تحصل على امتيازات الأغنياء.
ولا تستفيد دائماً من برامج الفقراء.
هي في المنتصف، حيث لا أحد يحب الوقوف طويلاً.
الموظف المغربي، الأستاذ، المهندس، الطبيب، التاجر الصغير، المقاول الصغير، الأسرة ذات الدخل المتوسط... هؤلاء هم الذين يعرفون معنى أن يرتفع كل شيء بينما يبقى الراتب واقفاً مكانه مثل شرطي متعب.
كان خطاب بنكيران يتحدث كثيراً عن الفقراء.
لكن الطبقة الوسطى كانت تريد أن تسأله:
وماذا عنا نحن؟
ثم جاء التقاعد… وابتعد «ولد الشعب» عن الموظف قليلاً
إصلاح التقاعد كان ضرورة مالية أيضاً، وهذه ليست دعاية للحكومة السابقة؛ المؤسسات المالية الدولية كانت تحذر من اختلالات الصندوق المغربي للتقاعد وتدفع نحو إصلاحه. الإصلاح الذي أقر في 2016 رفع سن التقاعد تدريجياً من 60 إلى 63 سنة، ورفع المساهمات، وغير طريقة احتساب المعاش.
اقتصادياً، يمكن شرح الضرورة.
اجتماعياً، الحكاية أكثر مرارة.
الموظف الذي قضى حياته يشتغل لم يكن يريد درساً جديداً في الاستدامة المالية.
كان يريد أن يعرف:
لماذا أدفع أنا ثمن اختلال لم أصنعه؟
وهنا وقع الاصطدام بين بنكيران الخطيب وبنكيران رئيس الحكومة.
الخطيب يقول:
أنا مع الطبقات الشعبية.
رئيس الحكومة يقول:
الإصلاح ضروري.
والموظف يسمع الاثنين ويقول:
مزيان… ولكن علاش أنا؟
هذه الجملة الصغيرة كانت ربما أكثر بلاغة من كثير من خطب المرحلة.
الشعبوية تعيش على «نحن» و«هم»
قوة بنكيران لم تكن فقط في مواقفه.
كانت في طريقة بناء المشهد.
نحن الشعب.
هم النخبة.
نحن البسطاء.
هم المتحكمون.
نحن الأخلاق.
هم الفساد.
وبين الطرفين يقف الزعيم الذي يقول: أنا أفهمكم.
هذا الخطاب شديد الفاعلية انتخابياً لأنه يختصر مجتمعاً معقداً في حكاية سهلة الهضم.
لكن المغرب ليس حكاية أطفال.
في المغرب موظف يريد إصلاح الإدارة، ومقاول يريد تمويلاً، وطالب يريد جامعة، وطبيب يريد مستشفى، وأستاذ يريد أجراً وظروفاً أفضل، ومسن يريد معاشاً، وشاب يريد عملاً.
هؤلاء لا يحتاجون إلى من يخبرهم بأنهم «الشعب».
هم يعرفون أنهم الشعب.
يريدون فقط أن يعرفوا ماذا ستفعل الحكومة بهذا الاعتراف.
هنا بدأت الطبقة الوسطى تفقد صبرها
المشكلة في الشعبوية أنها ترفع التوقعات بسرعة أكبر من قدرة الدولة على تحقيقها.
بنكيران لم يصنع كل أزمات المغرب، بالتأكيد.
ولم تكن إصلاحاته كلها خاطئة.
بل إن إصلاحات المقاصة والتقاعد ساهمت في خفض الاختلالات المالية؛ صندوق النقد يسجل أن إصلاح الدعم ساهم في خفض العجز، وأن إصلاح التقاعد عزز استدامة النظام.
لكن السياسة ليست امتحاناً في الاقتصاد فقط.
السياسة هي أيضاً من يتحمل الألم.
وهنا تحديداً كان بنكيران أقل نجاحاً في إقناع الطبقة الوسطى بأن الإصلاح الذي يدفع ثمنه جزء منها هو بالضرورة إصلاح عادل.
فقد يكون الإصلاح صحيحاً من زاوية الحساب المالي، لكنه يظل بحاجة إلى عدالة في توزيع كلفته.
والطبقة الوسطى المغربية ظلت تشعر، في مراحل كثيرة، أنها تلك التي يُطلب منها دائماً أن تكون وطنية عندما يحين وقت الدفع.
ثم جاء 2021… وسقطت الحكاية من فوق المسرح
125 مقعداً في 2016.
ثم 13 في 2021.
ليس من الجدية اختزال السقوط في عامل واحد، لكن ليس من الجدية أيضاً إنكار أثر تجربة عشر سنوات من الحكم.
فالناخب لا ينسى.
قد يسامح.
قد يتردد.
قد يغير رأيه.
لكنه لا ينسى بسهولة.
وحين عاد بنكيران إلى قيادة الحزب، بدا المشهد أحياناً كأن الحزب قرر معالجة هزيمة 2021 باستدعاء الرجل الذي ارتبطت صورته بأوج صعوده.
أي: إذا مرض المريض، فلنعطه الدواء نفسه الذي كان يتناوله عندما كان سليماً.
وحدها السياسة تستطيع إنتاج مثل هذه الوصفة بثقة.
واليوم: 54 مقعداً
هنا ينبغي أن نكون منصفين.
54 مقعداً ليست 13.
إنها عودة سياسية حقيقية، ولا يصح الاستهانة بها.
لكنها ليست 125.
وليست عودة إلى الصدارة.
وليست تفويضاً لاستعادة تجربة الحكم.
إنها عودة إلى البرلمان، وإلى المعارضة، وإلى مساحة سياسية جديدة.
وهنا تكمن المفارقة:
بنكيران عاد إلى المكان الذي يجيد فيه الكلام أكثر: المعارضة.
المعارضة بيت مريح للشعبوية.
هناك يمكنك أن تتحدث عن الغلاء.
عن الحكومة.
عن الطبقة الوسطى.
عن الفساد.
عن الأسعار.
عن الفشل.
أما السؤال الذي يطاردك فهو واحد:
وماذا كنت ستفعل أنت؟
وهنا يبدأ الامتحان.
المغرب اليوم ليس مغرب 2011
المغرب الذي يستقبل بنكيران اليوم أكثر تعباً من الشعارات.
هناك شباب يريدون العمل.
أسر تريد حماية قدرتها الشرائية.
طبقة وسطى تخشى الانحدار.
قرى ومدن تريد خدمات حقيقية.
ومواطن لم يعد يكتفي بأن تقول له الحكومة أو المعارضة:
نحن معك.
يريد أن يعرف:
ماذا ستفعلون؟
كم سيكلف؟
من سيدفع؟
من سيستفيد؟
ومتى تظهر النتيجة؟
هذه هي الأسئلة التي تقتل الشعبوية ببطء.
لأنها تحول الزعيم من شاعر للغضب إلى محاسب للوعود.
ولذلك فإن عودة بنكيران تحمل شيئاً من الكوميديا السوداء
الرجل الذي دخل السياسة ذات يوم وهو يقول للشعب:
أنا واحد منكم
عاد بعد سنوات ليجد أن الشعب نفسه يقول له:
نعرفك.
وهذه أخطر جملة يمكن أن يسمعها سياسي.
لأن «نعرفك» تعني:
نعرف خطابك.
نعرف ضحكتك.
نعرف غضبك.
نعرف معاركك.
نعرف حكومتك.
نعرف إصلاحاتك.
ونعرف أيضاً ماذا حدث للطبقة الوسطى عندما أصبحت أنت في موقع القرار.
لم يعد بنكيران يملك رفاهية تقديم نفسه باعتباره الحل القادم من خارج التجربة.
إنه جزء من التجربة.
وهذه هي الورطة.
في النهاية…
لا يحتاج المغرب إلى شيطنة بنكيران، كما لا يحتاج إلى تأليهه.
يحتاج فقط إلى أن يتذكر.
أن الرجل جاء في لحظة إقليمية نادرة، حملته موجة «الربيع العربي» والإصلاح السياسي، وصنع لنفسه صورة الزعيم الشعبي صاحب المرجعية الأخلاقية.
ثم دخل الدولة.
فاكتشف أن الدولة لا تعمل بالأخلاق وحدها.
واكتشف المواطن أن الإصلاحات، مهما كانت ضرورية، لها ثمن.
واكتشفت الطبقة الوسطى أنها ليست فقيرة بما يكفي لتحتمي، ولا غنية بما يكفي لتنجو.
ثم قال الناخب في 2021 كلمته القاسية.
واليوم أعطاه 54 مقعداً.
لا أكثر ولا أقل.
فليقرأ بنكيران الرقم كما هو، لا كما يحب أن يكون.
فالـ54 ليست عودة إلى 2011.
إنها فرصة أخيرة ليثبت أن الرجل الذي كان يجيد الحديث عن الشعب يستطيع، هذه المرة، أن يتحدث عن المغرب.
والمغرب، يا سي بنكيران، أكبر من الشعبوية.
وأثقل من الخطبة.
وأكثر تعباً من أن يُغرى مرة أخرى بجملة جميلة.
لقد جربنا الكلام.
الآن نريد أن نرى ماذا بقي بعد الكلام.






