الكل كان ساخطا على الحصيلة الحكومية، الكل كان يشتكي من غلاء معيشي غير مسبوق ألهب جيوب المغاربة، ومن تداعيات ملف الفراقشية الذي هز ثقة الفلاح الصغير، ومن الانهيار المقلق لمنظومتي الصحة والتعليم، ومن حصيلة اجتماعية واقتصادية وُصفت في الشارع بالكارثية. كان خطاب المقهى ومواقع التواصل الاجتماعي موحدا في التعبير عن حالة استياء عارم من منطق التحكم الأغلبي وهيمنة منطق المال على القرار.
لكن المفارقة الصادمة التي كشفت عنها صناديق الاقتراع، هي أن نفس الوجوه التي كانت موضوع هذا السخط، ونفس المنطق الذي اشتكى منه الجميع، هو من عاد ليتصدر المشهد من جديد.
إن الجواب لا يكمن في شعبية مفترضة، بل في اختلالات بنيوية عميقة. حيث تحولت يوم الاقتراع في كثير من الدوائر إلى مجرد سوق لتبادل المنفعة، ونمط الاقتراع الحالي بالقاسم الانتخابي يكافئ التشتت ويخدم الأحزاب التي تملك آلة مالية جاهزة. ويضاف إلى ذلك عامل العزوف، الذي شكل هدية مجانية قدمها الغاضبون لمن غضبوا عليه، حين قرروا البقاء في منازلهم وترك الساحة فارغة.
ورغم قتامة هذه الصورة التي توحي بإعادة تدوير لنفس الفشل، فإن جانب التجديد يبعث على التفاؤل. فقد حملت هذه الانتخابات ولأول مرة مؤشرات إيجابية تمثلت في بزوغ وجوه جديدة شابة من الجنسين، تحمل خطابا مغايرا وطموحا صادقا للتغيير. كما سجلت فيدرالية اليسار تقدما ملموسا وغير مسبوق، وهو ثمرة حملة انتخابية نظيفة اعتمدت على قوة الفكرة ونظافة اليد والتواصل المباشر مع المواطنين، بعيدا عن منطق المال وشراء الذمم.
إن المشهد اليوم هو صراع حقيقي بين منطقين: منطق يعيد تدوير نفسه بأدوات المال والعزوف، ومنطق جديد يتسلل بهدوء عبر الشباب النظيف ليؤكد أن إرادة التغيير لا تزال حية، وأن المستقبل قد يكون أفضل.






