رأي

جيهان العبادي: كيف نُسقط السياسة من عليائها لنضعها في خانة “أين ستقف فلانة أثناء الصلاة”؟

جيهان عبادي (إعلامية)

 

في هذا البلد الذي يملك واحدًا من أعقد النماذج الدستورية في المنطقة، بلدٌ تُدار فيه السلطة بمنطقٍ مركّب يجمع بين الشرعية الدينية والشرعية الانتخابية والشرعية المؤسساتية…  

يستيقظ بعض “الصحفيين” اليوم ليطرحوا سؤالًا يليق بفقهاء المقاهي لا بخريجي معاهد الإعلام:

هل ستصلي رئيسة الحكومة بجانب الملك؟

يا لفراغ السؤال…  

يا لضحالة الخيال…  

يا لِما تبقّى من مهنيةٍ تُسحق تحت أقدام التفاهة.

 

كيف يعقل أن يتحوّل هذا السؤال إلى محور الأخبار؟  

كيف يُختزل حدثٌ انتخابيٌّ ضخم، تصدّر فيه حزبٌ سياسي نتائج الاقتراع، في سؤالٍ عن “هندسة الصفوف” بدل هندسة الدولة؟  

كيف نُسقط السياسة من عليائها لنضعها في خانة “أين ستقف فلانة أثناء الصلاة”؟  

أهذا هو مستوى النقاش في مغرب 2026 ؟؟؟؟

 فصلٌ بديع بين ما يجب أن يُفصل: الدين والسياسة

صاحب الجلالة، بصفته أمير المؤمنين، يؤدي الصلاة وفق أحكام الشرع، لا وفق بروتوكول الحكومة!!! 

ورئيسة الحكومة !!! إن عُيّنت !!!  تؤدي دورها السياسي وفق الدستور!!! الصلاة عبادة !!! و الحكومة سلطة تنفيذية !!! والدولة ليست مسرحًا لخلط المقامات.

وإن لم تصلِّي رئيسة الحكومة بجانب الملك … هل سينقلب الكون؟  هل ستتوقف الدولة؟  هل ستنهار المؤسسات؟  هل سيُعلَّق الدستور؟  هل سيُلغى الاقتصاد؟  هل ستتوقف مشاريع 2030؟

يا قوم…  

إنّ هيئة الصلاة لا تُقاس بمقاييس السلطة، ولا تُوزَّع فيها المناصب كما تُوزَّع الحقائب الوزارية؛ فالعبادة لا تُعطي امتيازًا سياسيًا، ولا تنتزع مكانةً دستورية، ولا تُغيّر شيئًا في بنية الحكم أو في تراتبية الدولة. إنّ صفّ الصلاة ليس منصةً لترقية أحد، ولا سُلّمًا لخفض أحد، بل هو فضاءٌ منزّهٌ عن كلّ ما يتوهّم البعض أنّه امتدادٌ للنفوذ أو انعكاسٌ للشرعية.

 درسٌ في الإعلام لمن يحتاجه

الإعلام لا يُطرح فيه سؤالٌ كهذا إلا إذا انهارت بوصلته المهنية.  

السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم هو:

- ما دلالات تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات؟  

- كيف ستُبنى التحالفات؟  

- ما موقع الأحزاب الأخرى في المشهد الجديد؟  

- ما انعكاسات النتائج على مشاريع الدولة الكبرى؟  

- كيف ستُدار المرحلة السياسية المقبلة؟

هذه هي الأسئلة التي تُطرح في إعلامٍ محترم، لا أسئلة “أين ستقف فلانة أثناء الصلاة”.