سياسة واقتصاد

الجزائري عطاف ما زال يعزف على الأسطوانة المشروخة

يوسف غريب (كاتب صحفي)

مرة أخرى اعتلى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، منبر الأمم المتحدة حاملاً معه قاموساً دبلوماسياً مستهلكاً : 

السلام.. الحوار تصفية الاستعمار الشرعية الدولية.. والمفاوضات المباشرة.

كلمات كبيرة ببريق أممي لكن مضمونها سرعان ما يعود إلى النقطة نفسها الدفاع عن مقاربة سياسية جامدة، وإعادة تدوير خطاب لم يعد يضيف شيئاً إلى مسار تسوية النزاع.

المشكلة ليست في أن الجزائر تتحدث عن السلام فمن حق أي دولة أن تدافع عن رؤيتها المشكلة تكمن في أن خطاب السلام يفقد كثيراً من معناه عندما يتحول إلى غطاء لمواقف لا تساعد على فتح الطريق أمام التسوية بل تعيد إنتاج الأزمة بالشروط نفسها التي جعلتها تستمر كل هذه العقود... 

وهنا تحديداً تبرز مفارقة خطاب عطاف: 

يدعو إلى المفاوضات لكنه يريد في الوقت نفسه تحديد شكلها وحدودها ومرجعياتها سلفاً... وبقبعة الطرف المحايد 

يتحدث عن الحل السياسي لكنه يتعامل مع المقترحات التي لا تنسجم مع الرؤية الجزائرية وكأنها عقبة أمام السلام... ويستحضر الاستقرار الإقليمي.. ثم يقدم خطاباً يعيد إنتاج مناخ الاستقطاب ذاته الذي فشل طوال عقود في إنهاء النزاع.

والأكثر إثارة للانتباه هو التحذير من أن اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي يمكن أن يهدد استقرار المنطقة.

هل أصبح البحث عن تسوية سياسية واقعية هو مصدر الخطر.. بينما يُفترض أن استمرار النزاع عقود هو عنوان الاستقرار؟

لذلك علق اغلب المهتمين مع نهاية الأسطوانة الجزائرية بطرح هذا السؤال 

ماذا تريد الجزائر بالضبط..؟! 

وهذا السؤال بالضبط لا يعنينا بالمرة كمغاربة 

لأن بلدنا ياعطاف اختارت أن تجيب عن هذا الجدل بالفعل لا بالكلام.. 

فمنذ 1975 وأقاليمنا الجنوبية ليست بالنسبة إلينا مجرد ورقة تفاوضية أو عنواناً في بيان أممي بل جزء أصيل من وطن تغير كثيرا 

تغيرت مدنه وتطورت بنيته التحتية واتسعت طموحاته الاقتصادية وتعززت ريادته في إفريقيا.. 

ومن يصر على قراءة المغرب بخرائط الأمس لن يفهم المغرب الذي يتشكل اليوم

فالمغرب لا ينتظر المستقبل.. المغرب يبنيه.

وفي الجنوب تحديداً لا تُكتب قصة المغرب بالبيانات وحدها بل بالطرق التي تمتد والموانئ التي تُشيد والمدن التي تتوسع والاستثمارات التي تتجه إلى المنطقة وبإصرار دولة اختارت أن تجعل من وحدتها الترابية مشروعاً وطنياً متكاملاً 

بمساهمة أهالينا هناك الذين حسموا خيارهم بوعي وديمقراطية عبر مشاركة مكثفة في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة ليقينهم بأن صناديق الاقتراع هي الاستفتاء الحقيقي والحي على مغربية الأرض 

دون الحديث عن دينامية الجوار الجنوبي حيث تحولت الگرگرات من مجرد معبر حدودي إلى ممر وشريان اقتصادي وتجاري يربط بعمق أواصر التعاون عبر اتفاقية مع موريتانيا وباقي العمق الإفريقي

ولهذا لم يعد السؤال: 

كم خطاباً آخر تحتاج الدبلوماسية الجزائرية كي تكرر نفس الأسطوانة المرشوخة 

بل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: 

كم من الوقت سيحتاج خطابك يا عطاف لتدرك أن صحراءنا ليست مجرد عنوان في مفاوضات..

بل جزء من حاضر مملكتنا ومستقبلها الأبدي؟