فن وإعلام

دفاعا عن القراءة...القراءة والصحة العقلية (4)

سعيد ناشيد (كاتب)

فوق باب مكتبة مصرية قديمة في طيبة (الأقصر اليوم)، كما يروي ديودور الصقلي، كانت هناك عبارة تقول: «مشفى النفس». ثم جاءت المختبرات، بعد ثلاثة آلاف عام، لتصدّق العبارة بالأرقام.

فقد وجدت دراسة من جامعة ييل الأمريكية، في «العلوم الاجتماعية والطب» (2016)، أن قرّاء الكتب يعيشون نحو سنتين أطول، وفسّر الباحثون ذلك بأن الكتاب يطلب من قارئه انغماسًا بطيئًا يشغل الذهن كله. ولا يقف الأثر عند طول العمر، بل يبلغ الذاكرة نفسها: فدراستان من جامعة «راش» في شيكاغو، نشرتهما مجلة «علم الأعصاب» (2021 و2026)، تابعتا قرابة ألفي مسنّ، فوجدتا أن الأكثر نشاطًا ذهنيًا، بالقراءة والكتابة والألعاب الفكرية، تأخّرت إصابتهم بالزهايمر نحو خمس سنوات، وأن من أغنوا حياتهم بالقراءة كانوا أقل عرضة له بأكثر من الثلث.

ومنذ 2013 يصف الأطباء في بريطانيا، ضمن برنامج «كتب بوصفة طبية»، كتبًا يستعيرها المريض من المكتبة العامة إلى جانب علاجه. وتؤكد المراجعات المنهجية، ومنها ما نشرته «مراجعة علم النفس السريري» (2017)، أن العلاج بالقراءة يخفف الاكتئاب، وأن أثره يدوم بعد انتهائه.

لكن لماذا؟ الجواب الشائع كلمة واحدة: «الهروب». وهذا يكاد يقلب الحقيقة. فالهروب هو ما تمنحه الشاشة: تنتشلك من نفسك ثم تعيدك إليها أفرغ مما كنت. أما الكتاب فلا يُخرجك من نفسك، بل يُدخلك إليها في صحبة. وقد ميّزت حنة أرندت، في خاتمة «أصول الشمولية»، بين الخلوة والعزلة: في الخلوة أكون وحدي لكن مع نفسي التي أحاورها، وفي العزلة يهجرني الجميع، حتى نفسي. والقارئ يكون في خلوة لا في عزلة: يبدو وحيدًا في الغرفة، لكن معه أفضل ما فكّر فيه البشر.

هكذا يتبيّن أن من كتبوا «مشفى النفس» على باب مكتبتهم لم يكونوا يبالغون، بل سبقوا المختبر بثلاثين قرنًا. فالكتاب يشفينا لا لأنه يُخرجنا من العالم، بل لأنه يعيد إلينا من نحاوره حين نخلو بأنفسنا. وفي زمنٍ يكثر فيه الضجيج والتفاهة، وتشتدّ العزلة، ربما كانت أبسط وصفة لصحة العقل هي أقدمها: أغلق الشاشة، وافتح كتابًا.