يبدو أن القائمين على شؤون منظومتنا التربوية لم يفرغوا بعد ما في جعبتهم من أفكار بالكامل، إذ ما يزالون يجتهدون و يكدون في وضع التصورات و ابتكار المناهج لا لشيء في اعتقادي إلا ليثبتوا لمشغليهم بأن استمرار صرف أجورهم له فعلا ما يبرره، شأنهم في ذلك شأن مهندسي "مايكروسوفت" الذين ما فتئوا يطورون إمكانات الحواسيب و أدائها و استعمالاتها حتى أضحت التفاصيل الصغيرة ـ و التي قد لا تنطوي دائما على فائدة تذكر ـ تعد بالمئات.
و هكذا، فبعد اختراع مفهوم "مدارس الريادة" ـ الذي لم أمنح لنفسي بعد الفرصة لفهم كنهه لعلمي المسبق بأن أيامه معدودة و لعلمي كذلك بأن الوزير الوصي الذي ارتبط إسمه به عائد لا محالة إلى عجين بسكويته ـ انتهى إلى علمي أن خبراء الميدان في زمننا العجيب هذا اهتدوا بمختبراتهم الجهنمية إلى استراتيجية جديدة ما أنزل الله بها من سلطان ألا وهي إخضاع الوافدين الجدد على مؤسسات تعليمية خصوصية بعينها لاختبار قد يكون مدروسا و قد يكون عشوائيا و ذلك قبل الموافقة على تسجيلهم بالقسم التحضيري. لماذا هذا الاختبار ؟ ربما هم أنفسهم غير مقتنعين بفائدته مادام أن الرسوب فيه يعني تفريط المدرسة في زبون، و في هذا إ ضرار واضح بمصالحها المادية قبل كل شيء، اللهم إلا إذا كان الإقبال عليها بنفس درجة إقبال المسلمين على الحرمين الشريفين أو بنفس درجة إقبال جماهير البارصا على مدرجات "كامب نو". التحركات الجارية و الدينامية التي يعرفها القطاع تعطي الانطباع بأن أهل الاختصاص نجحوا في تقويم كل الاعوجاجات و لم يتبق لهم سوى الرفع من قيمة التحضيري و جاذبيته.
هذه المهزلة المدوية عاشها قبل سنة من الآن أحد أقاربي عندما هم بتسجيل ابنه بمدرسة من مدارس مدينته "الراقية". كان على أتم الاستعداد للاستجابة لكل الشروط المادية ـ بما في ذلك مصاريف التسجيل المثيرة للجدل و رسوم الدراسة الشهرية التي تكاد تعادل الحد الأدنى للأجور ـ لكنه لم يكن ينتظر إطلاقا إخضاع ابنه لاختبار الولوج الذي اعتبره المدير التربوي شرطا من شروط القبول. كان من الطبيعي أن ينفعل القريب، ليس خشية رسوب فلذة كبده بل لكونه وجد صعوبة كبيرة في استساغة مبدأ الاختبار نفسه، و من فرط الصدمة لم يتمالك أعصابه فبدأ يزبد و يرغي مطالبا بتفسير مقنع لما هو حاصل. لقد عد الأمر فضيحة و بدعة بكل المعاني و كل المقاييس و تعسفا في حق الزبناء الصغار، بل و ذهب أبعد من ذلك حيث هدد باللجوء إلى القضاء و الترافع بطرق أخرى لانتزاع حق الأطفال في التمدرس في أي مدرسة تتوفر على مقاعد شاغرة و في غياب ما يمنع ذلك من الناحية القانونية لا غير و خاصة على مستوى التعليم الأساسي.
المنبهرون بهذا الصنف من المدارس لا يهمهم إطلاقا ما إذا كان هذا الإجراء قانونيا أم لا. فهذه الصروح العصرية ـ في تصورهم ـ مؤسسات "عظيمة" بنت سمعتها على الجدية و الانضباط، و بالتالي فمن حقها أن تصون صورتها و مكتسباتها باتخاذ ما يلزم من تدابير حتى و إن بدت غريبة و غير منطقية في أعين الكثيرين. و من الطبيعي ألا يجد هؤلاء حرجا في قبول شرط إخضاع أبنائهم لاختبار الولوج مادام أن "البرستيج" المرتبط بالانتساب لهكذا مدارس أهم بكثير من أي اعتبار آخر.
و من المفترض ألا يخفى على أي إنسان قادر على التمييز الأهداف الآنية و البعيدة من وراء فرض الاختبار . فالمدرسة التي تتبنى هذا الإجراء ـ إضافة إلى اعتماد مساحيق تجميلية رخيصة أو نفيسة أخرى ـ غالبا ما يكون همها الرئيس هو تلميع صورتها حتى تظهر بمظهر المؤسسة الصارمة و الجادة التي تضع الجودة و مصلحة الناشئة في مقدمة هواجسها و تضع "وسخ الدنيا" في ذيل اهتماماتها. و الأطفال الذين يفلحون في اجتياز الاختبار غالبا ما يكونون مؤهلين للتفوق في دراستهم بحكم مؤهلاتهم الذاتية أساسا، و المدرسة المحتضنة ـ و في تجاهل تام لقدرات التلاميذ و لمجهودات الأسر و المدرسين السابقين ـ لا تتردد أبدا في الركوب على هذا التفوق لتوهم السذج من الآباء بأنها هي من صنعت "عبقرية" أبنائهم و إليها فقط يعود الفضل في بلوغ نسبة النجاح 100% حتى على مستوى الامتحانات الإشهادية، و بالتالي فهي تستحق المدح و التنويه و الدعاية و ما تراكمه من أموال أيضا بينما هي في الواقع لا تصنع التفوق بل تكتفي باشتراط توفره قبل ولوجها.
إني أتفهم فرض الخضوع لاختبار معين عندما يتعلق الأمر بالالتحاق بالمؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المحدود أو عندما يكون التقييم بغرض التوظيف، لكن جعل ولوج التحضيري عقبة في أول الطريق بفرضه على طفل غادر للتو روض الأطفال حيث قضى معظم وقته في اللعب و التلوين و يميز بالكاد بين الأرقام و الحروف فهذا لعمري مس خطير بحقه في التعلم. ليس بهذه الكيفية نقيم رصيد و ذكاء المقبل على التسجيل بالمستوى التحضيري، بل لا حق لأي كان أصلا أن يلتجئ إلى هذا التقييم مادام أن منطق الأشياء يقتضي أولا إخضاع هذا الأخير للتمدرس الرسمي و الطويل و المنتظم. بعبارة أخرى، التقييم يأتي بعد التحصيل و ليس قبله. أما الرسوب في هكذا اختبار فإنه يعني بكل بساطة أن ابنك بليد و ليس لبلادته علاج و أن مكانه الحقيقي و الطبيعي لا يمكن أن يوجد إلا بمدرسة "واطئة".
بكل تأكيد، ، ليس بإنتاج الفقاعات سننقذ مدرستنا المغربية من حالة التخبط و الارتجال التي لازمتها لعقود، و ليس بتكريس الطبقية في مجال الخدمات التعليمية سيكون بوسعنا تعبئة السواعد و الأدمغة لخدمة المجتمع على النحو المنشود، و ليس بتلميع الواجهة و الاعتناء بالشكليات سننجح في تطوير منظومتنا التربوية و تحسين مردوديتها و إلا كيف يمكن تفسير التجاء معظم ـ إن لم أقل كل ـ مرتادي المدارس المخملية لدروس الدعم ؟ ألا ينطوي هذا المعطى على مفارقة غريبة و مضحكة ؟ و كيف يمكن تفسير النفخ الممنهج في النقط المحصل عليها ؟ و كيف يمكن تفسير الاقتصار على ذكر ملاحظات المدرسين الإيجابية مع حث هؤلاء على إخفاء الاختلالات و النواقص المرصودة عند إعداد التقارير الدورية أو عند الالتقاء بالآباء ؟
للأسف، سياسة "زوق تبيع" أبانت عن نجاعتها حتى أصبح الانتساب للمدرسة العمومية بمثابة سبة في عرف الكثيرين إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي يعي فيه أولياء الأمور بأن التلميذ أو الطالب المسلح بعزيمة من حديد و نفس طويل هو وحده المؤهل لاجتياز كل المراحل الدراسية بنجاح و استحقاق، و هو وحده المؤهل لانتزاع منصب شغل محترم بعد تخرجه، و ذلك بصرف النظر عن قيمة الميزانية التي خصصت لتمدرسه. هناك أطر عليا محترمة كثيرة عرفها المغرب المستقل، و انتماء العديد منها إلى أوساط اجتماعية متواضعة لم يمنعها من فرض ذاتها طوال مسارها الدراسي، بل من هؤلاء من لم يسبق له أن استفاد و لو من حصة دعم واحدة، ناهيك عن رسوم الدراسة التي لم يكن لها وجود تقريبا على امتداد عقود من الزمن. حتى المقررات المدرسية لم تبخل بها المدارس العمومية، فكانت تتفضل مشكورة بإعارتها للجميع مع انطلاق كل موسم دراسي على أن تستردها قبيل بداية العطلة الصيفية بعد أن تكون قد أدت مهمتها.
يبدو أن أزمة التعليم لن تزداد إلا استفحالا و تعقيدا و خاصة إذا ما جيء بوزير وصي جديد من عالم الشوكولاته أو من عالم "المصاصات" هذه المرة. و يبدو أيضا أن السلطات التعليمية لن تحرك ساكنا إلا بعد الشروع في نشر أخبار مؤكدة بعناوين من قبيل :
إقدام طفل على الانتحار بعد فشله في ضمان مقعد بالقسم التحضيري
أو : أب يندد بالطابع التعجيزي لاختبار التحضيري و يهدد بكسر أسنان مدير مدرسة خصوصية إن هو أصر على رفض تسجيل ابنته
أو : منظمات حقوقية دولية تدخل على خط مستجدات التحضيري بالمغرب
أو : أم تصاب بالإغماء بعد رسوب ابنها في اختبار ولوج التحضيري و حرمانه من الدورة الاستدراكية
أو : راسبون في اختبار ولوج التحضيري ضمن الهاربين إلى سبتة
أو : فعاليات جمعوية تدعو إلى محاربة الغش في "طيست" التحضيري
... إنها مجرد دعابة بطبيعة الحال.
إضافتان تستحقان التأمل :
1ـ بلغني و أنا أبحث في موضوع هذا المقال أن ثمة مدارس ابتدائية عمومية استثنائية بمقاطعة كيبيك الكندية معروفة بنعت "دولية" و تتخذ من التميز شعارا لها. انتقاء تلاميذ المستوى الأول الجدد بهذه المدارس يكون اعتمادا على القرعة بشكل حصري على أن تتكفل أطرها فيما بعد بصناعة الجودة. علاوة على هذا، تلتزم كل مدرسة من هذا الصنف بقبول تسجيل كل إخوة التلميذ المنتقى عندما يبلغون سن التمدرس حتى لا يجد الآباء أنفسهم في مواجهة طبقية تعليمية داخل الأسرة الواحدة.
2ـ في المقابل، بلغني أيضا ـ و العهدة على الراوي ـ أن ثمة مؤسسات تعليمية خاصة مغربية من الصنف "الراقي" لا تتورع عن الالتجاء إلى ما يشبه الطرد في حق التلاميذ الفاشلين حتى لا يتسببوا في اختلال نسبة النجاح المحددة سلفا في 100% !!!!!!
و كما تلاحظ، عزيزي القارئ، هناك من يحمل عقلا يفكر به، و هناك من يحمل رأسا يثقل به كتفيه لا غير.






