دخلت مفاوضات تشكيل الحكومة المغربية مرحلة دقيقة، بعدما فتحت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعيّنة، مشاوراتها مع الأحزاب السياسية لتشكيل أغلبية تقود المرحلة المقبلة. وبين حسابات المقاعد وتوزيع الحقائب الوزارية، تبرز أسئلة حول طبيعة التحالفات الممكنة، وحدود التوافق بين الأحزاب التي تقاسمت مكونات الأغلبية السابقة.
وأعاد تداول أخبار تتحدث عن رفض حزب الأصالة والمعاصرة مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة، إلى جانب مطالب منسوبة إلى قيادة الحزب بالاحتفاظ بقطاعات وزارية استراتيجية، النقاش حول احتمال تعثر المفاوضات. غير أن هذه المعطيات، بما فيها الحديث عن «فيتو» ضد الأحرار أو اشتراط أربع حقائب بعينها، لم يتسنّ تأكيدها من خلال تصريحات رسمية أو مصادر صحفية موثوقة متاحة، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها قرارات محسومة.
في المقابل، تكشف المعطيات المنشورة عن مسار تفاوضي مفتوح. فقد استقبلت المنصوري وفداً عن التجمع الوطني للأحرار يوم 30 شتنبر، في إطار المشاورات الأولية، ووصف رئيس الحزب محمد شوكي اللقاء بأنه اتسم بالوضوح والصراحة والمسؤولية. كما شملت المشاورات حزب الاستقلال وعدداً من الأحزاب الأخرى، في وقت لم يُعلن فيه عن اتفاق نهائي بشأن تركيبة الأغلبية أو توزيع المسؤوليات. وتفيد تغطيات صحفية بأن الحسم في مواقف الأحزاب يرتبط أيضاً باجتماعات مجالسها الوطنية المقررة في 3 أكتوبر.
وتكتسب هذه المفاوضات أهميتها من طبيعة الخريطة البرلمانية الجديدة. فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً، لا يتوفر بمفرده على الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً داخل مجلس النواب. ويجعل هذا الواقع بناء تحالف حكومي ضرورة حسابية وسياسية، لا مجرد خيار تفاوضي. كما أن مشاركة التجمع الوطني للأحرار، الحاصل على 66 مقعداً، أو استبعاده، ستؤثر في شكل الأغلبية وحجمها وفي طبيعة التوازنات داخلها.
أما الحديث عن الحقائب الوزارية الأربع، وهي الاقتصاد والمالية، والفلاحة والصيد البحري، والتجهيز والماء، وإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فيفتح نقاشاً أوسع حول معنى توزيع السلطة داخل الحكومة. فهذه القطاعات ترتبط مباشرة بالاستثمار والميزانية والأمن الغذائي والبنية التحتية والسكن، لكنها لا تشكل وحدها مركز القرار الحكومي؛ إذ تظل السياسات العمومية نتاجاً لتنسيق مؤسساتي بين رئاسة الحكومة والوزارات والبرلمان وباقي المؤسسات المعنية.
وإذا صحت الأنباء المتداولة بشأن تمسك البام بهذه الحقائب، فسيكون السؤال المطروح هو ما إذا كانت المفاوضات ستُبنى على تقاسم المسؤوليات وفق الوزن الانتخابي للأحزاب، أم على تفاهمات حول برنامج حكومي مشترك. فالتفاوض على المناصب جزء مألوف من تشكيل الحكومات الائتلافية، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الشركاء على الاتفاق حول الأولويات، وتحديد المسؤوليات، وتفادي تحول الاختلافات الحزبية إلى عائق أمام تنفيذ الالتزامات.
وتظل فرضية تشكيل حكومة من دون التجمع الوطني للأحرار قائمة من الناحية الحسابية، لكنها تحتاج إلى تحالفات بديلة قادرة على توفير الدعم البرلماني اللازم. أما سيناريو الحكومة الأقلية، أو انتقال البام إلى المعارضة، فلا يمكن تقديمه باعتباره نتيجة وشيكة قبل اتضاح مواقف الأحزاب وانتهاء المشاورات. فالمشهد لا يزال في مرحلة التفاوض، والقرارات النهائية لم تُعلن بعد.
في النهاية، لا تكمن أهمية هذه المرحلة في معرفة الحزب الذي سيحصل على وزارة بعينها فحسب، بل في تحديد طبيعة الأغلبية التي ستتحمل مسؤولية تدبير البلاد خلال السنوات المقبلة. فالمواطن الذي ينتظر فرص الشغل وتحسين الخدمات والقدرة الشرائية لا تعنيه كواليس توزيع الحقائب بقدر ما تعنيه النتائج التي ستترتب عنها.
فهل تنجح المنصوري في تحويل تعدد المصالح الحزبية إلى برنامج حكومي موحد، أم ستكشف مفاوضات تشكيل الحكومة عن حدود التوافق بين مكونات المشهد السياسي؟






