تحليل

رسائل وتحديات تعيين فاطمة المنصوري رئيسة للحكومة

سعيد الكحل
لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر 2026 مجرد تغيير في شخص من يتولى قيادة الجهاز التنفيذي، ولا مجرد سابقة رمزية تتعلق بتمثيلية النساء في المؤسسات السياسية. إنه حدث ذو دلالة دستورية وسياسية واجتماعية، لأنه يضع امرأة مغربية، لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث، على رأس الحكومة، ويحوّل مبدأ المساواة بين النساء والرجال من قاعدة دستورية ومطلب سياسي إلى ممارسة فعلية في أعلى مستويات المسؤولية التنفيذية. فهو حدث تأسيسي يحمل في طياته ثلاث رسائل كبرى: رسالة ملكية حول مكانة المرأة، ورسالة دستورية حول سمو القانون، ورسالة تاريخية حول استعادة المغرب لذاكرته النسائية الحاكمة.


* الرسالة الأولى: لا يمكن فهم تعيين المنصوري بمعزل عن المسار الذي عرفته قضية المرأة في المغرب خلال عهد الملك محمد السادس. فمنذ خطاب العرش لسنة 1999، جعل جلالته قضية المرأة في صلب مفهومه للسلطة. فقد ارتبط هذا المسار بإصلاحات تشريعية ومؤسساتية مهمة، من أبرزها مدونة الأسرة لسنة 2004، ثم دستور 2011 الذي نص صراحة على المساواة بين الرجل والمرأة وعلى السعي إلى المناصفة. فعندما كلف جلالته سنة 2001 لجنة ملكية لإصلاح مدونة الأحوال الشخصية، ثم أعلن في 2003 أمام البرلمان عن مدونة الأسرة الجديدة، كان يواجه مباشرة القوى المحافظة والإسلاموية التي خرجت في مسيرة الدار البيضاء (مارس 2000) لمناهضة مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية. وبذلك كان إصلاح المدونة بداية القطيعة مع الفقه الذكوري. من هنا يمكن النظر إلى تعيين امرأة على رأس الحكومة باعتباره امتداداً لهذا المسار، وليس قراراً منفصلاً عن فلسفة الإصلاحات التي عرفها المغرب.


* الرسالة الثانية: تكريس سمو الدستور واحترام مبادئه المتمثلة في المساواة بين الجنسين في الحقوق السياسية (الفصلين 19 و 30)، وفي كون الذكورة ليست شرطا لرئاسة الحكومة وللولاية العامة.


* الرسالة الثالثة: أن القرار الملكي رد عملي قوي وصريح على مناهضي ولاية المرأة وانتصار لحقوقها. إذ في الوقت الذي تتراجع فيه حقوق المرأة في الشرق (العراق، سوريا، أفغانستان، إيران..)، يرد المغرب بتعيين امرأة على رأس حكومته. هذه هي القوة الناعمة الحقيقية التي تعطي إشعاعا دوليا للمغرب. وبهذا القرار يكرس جلالته الحداثة والديمقراطية كخيار استراتيجي لا رجعة فيه، ويكسر السقف الزجاجي نهائيا أمام النساء في تولي الولاية العامة بمفهومها الدستوري والفقهي الحديث: فرئيسة الحكومة هي من تقترح الوزراء، وتقود السياسة العامة، وتدير الميزانية العامة للدولة، وتتفاوض مع المؤسسات الدولية، وتترأس المجالس الأمنية والاقتصادية، بل يمكنها حل البرلمان باستشارة الملك ورئيس البرلمان ورئيس المحكم الدستورية (الفصل104من الدستور).


تحديات في وجه المنصوري.


أ ـ التحدي الثقافي لقيم الذكورة.


ستواجه المنصوري ثلاث جبهات محافظة:


1ـ الجبهة الإسلاموية: التي استخرجت من بطون الكتب التراثية حديث موضوع “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” لتقول إن ولاية المرأة حرام.


2ـ الجبهة السلفية المتشددة: التي ترى أن مكان المرأة هو البيت، وأن الاختلاط في مجلس الحكومة حرام وغيره من المجالس التي ستترأسها السيدة المنصوري بحكم منصبها الدستوري.


3ـ الجبهة الذكورية المقنّعة: وهم الذكور وحتى فئة من الإناث من داخل الإدارة والأحزاب، المتشبعون بالقيم الذكورية التي لا تؤمن بقدرة المرأة على إدارة الشأن العام بسبب إسقاط مضمون الحديث الموضوع (النساء ناقصات عقل ودين). لهذا سيكون على رئيسة الحكومة أن تثبت أن “الولاية العامة” لا علاقة لها بالجنس، بل بالكفاءة والحزم.


ب ـ التحدي التاريخي والشعبي: إن الذاكرة التاريخية للشعب المغربي تزخر بنماذج نسائية حكمن المغرب، في فترات تاريخية سابقة، بدهاء وحكمة وحزم جعلهن يتفوقن على الرجال. من هنا فإن الشعب المغربي لن يتفاجأ بأن تكون على رأس حكومته سيدة، بل ينتظر منها أن تكون في مستوى حاكمات المغرب العظيمات، وأن تكون وريثتهن في حسن التدبير والإدارة، ومنهن:


*زينب النفزاوية (القرن 11): يذكر لها التاريخ أنها لم تكن مجرد زوجة يوسف بن تاشفين، بل كانت العقل المدبر لدولة المرابطين. فهي من نصحته ببناء مراكش، وهي من دبرت خطة معركة الزلاقة. والسيدة المنصوري مطالبة بأن تكون بنفس الدهاء السياسي.


*كنزة الأوربية، زوجة إدريس الأول: لم تحكم المغرب باعتبارها سلطانة مستقلة، لكنها كانت إحدى الشخصيات النسائية الأكثر أهمية في مرحلة تأسيس الدولة الإدريسية، إذ ساهمت، بصفتها زوجة إدريس الأول وأم إدريس الثاني وذات صلة بالوسط الأوْرَبِي، في ضمان انتقال السلطة واستمرار الأسرة الإدريسية خلال أخطر مرحلة مرت بها الدولة الناشئة. والسيدة المنصوري اليوم مطالبة بنفس الصلابة في واقع اجتماعي صعب ينخره الفقر والتهميش والبطالة والغلاء ويتكالب عليه الفراقشية وناهبو المال العام.


*السيدة الحرة (1485-1561): وهي من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ المغرب خلال القرن السادس عشر. بعد وفاة زوجها القائد المنظري حاكم تطوان، أصبحت صاحبة السلطة الفعلية واستمرت في حكم المدينة لنحو ثلاثة عقود، إلى حدود 1542، وارتبط اسمها بمقاومة التوسع البرتغالي والإسباني في شمال المغرب وبالجهاد البحري في غرب المتوسط. واستطاعت أن تجمع بين الحكم المحلي، والدبلوماسية، وإدارة المدينة، والجهاد البحري في مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المغرب.


والسيدة فاطمة الزهراء المنصوري مطالبة بأن تجمع بين دهاء زينب النفزاوية، وصلابة كنزة الأوربية، وشجاعة السيدة الحرة.


ج ـ التحدي الاجتماعي الميداني: قدر السيدة المنصوري أنها ستواجه ثلاث جبهات اجتماعية ساخنة:


1 ـ جبهة الفراقشية: التي تجسد اقتصاد الريع وتضارب المصالح ونهب وتبذير المال العام وسرقة الأراضي من طرف شبكات نافذة. والسيدة المنصوري تعرف الفراقشية جيدا، فهي كمحامية كانت تدافع عن ضحايا مافيا العقار في مراكش، وكوزيرة تعرف تفاصيل فضائح ملفات دعم استيراد الأبقار والأغنام واللحوم الحمراء. لهذا لا خيار أمامها سوى شن حرب على الفراقشية بربط المسؤولية بالمحاسبة وفتح تحقيق مسؤول عن مصير أموال الدعم مع ترتيب الجزاءات، فضلا عن منع الدعم المباشر في القطاعات التي لم يحقق فيها النتائج المطلوبة (دعم الفلاحين المتوسطين والكبار، دعم الشركات والمقاولات الكبرى، دعم الكسابة، دعم استيراد الأبقار والأغنام واللحوم الحمراء).


2 ـ جبهة التشغيل: بسبب ارتفاع نسبة بطالة الشباب لتتجاوز 35%، والتي فشلت الحكومات السابقة في تقليصها رغم ما قدمته من برامج مثل “أوراش” و”فرصة”. لهذا فالسيدة المنصوري مطالبة بإحداث ثورة في التعليم المهني وربط التكوين بالتشغيل الحقيقي وفتح فرص التكوين في وجه حملة الشهادات وكذا الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون تكويناً، أي فئة NEET.


3 ـ جبهة التعليم والصحة: هما القطاعان اللذان تراكمت مشاكلهما لعقود بسبب فشل المدرسة والمستشفى العموميين في تقديم خدمات جيدة للمواطنين تنفيذا لسياسة دعم القطاع الخاص. فالمطلوب هو وضع مؤشرات وطنية واضحة للتعليم والصحة، تُراجع سنوياً، مثل نسبة التحكم في القراءة والحساب، الهدر المدرسي، مدة الانتظار في المستشفيات، نسبة توفر الأدوية، عدد الأطباء لكل ألف نسمة، ونسبة الاستفادة من الرعاية الصحية الأولية. أي تحديد أهداف قابلة للقياس لكل مؤسسة مع ضرورة ربط المسؤولية بالنتائج، ومحاسبة المسؤولين عن الاختلالات.


تعيين ليس كباقي التعيينات.


إن ترؤس فاطمة المنصوري للحكومة، ليس مجرد وصول شخص إلى منصب تنفيذي، بل سيتحول إلى تجربة اختبار رمزية للمرأة المغربية في أعلى هرم السلطة. فالمسؤولية هنا مزدوجة: سياسية مرتبطة بتدبير الشأن العام، واجتماعية مرتبطة بتمثيل جنس بأكمله.


فعلى المستوى الأول، إن أثبتت التجربة نجاحها وقدرتها على معالجة القضايا الكبرى بفعالية وحكامة، وهذا هو المنتظر والمأمول، فإنها ستتجاوز شخصها لتصبح مكسبا جماعيا للمرأة المغربية، وستقدم برهانا عمليا وحيا يفند أطروحة مناهضي ولاية المرأة، ويكرس صورة المرأة الفاعلة والقادرة على القيادة وصناعة القرار.


أما على المستوى الثاني، فإن أي تعثر أو فشل – لا قدر الله – لن يُحتسب كإخفاق حكومي عادي كباقي الحكومات، بل سيتم تسييسه وتعميمه ليُتخذ ذريعة لتزكية الخطاب المحافظ والمناهض لتولي المرأة للمناصب العليا، وسينعكس أثره السلبي على الثقة المجتمعية في كفاءة النساء، مما قد يعرقل لسنوات مسار التمكين السياسي للمرأة الذي راكمه المغرب.


لهذا لا خيار أمام رئيسة الحكومة إلا النجاح في مهمتها التاريخية خصوصا وأنها مسنودة بدعم ملكي مطلق ومطالب شعبية متزايدة بمحاربة الغلاء والفساد والريع والفراقشية كمدخل لأي إصلاح أو تنمية.