سياسة واقتصاد

هندسة التوازنات.. قراءة في تموقع حزب "السنبلة" في المرحلة المقبلة

محمد المنصورى (مستشار برلماني سابق )
المشهد السياسي المغربي يعيش اليوم على وقع حركية متسارعة، يتداخل فيها البحث عن التوازنات الداخلية مع التموقع الاستراتيجي للمرحلة المقبلة، وفي قلب هذه الحركية، يبرز الحركة الشعبية (MP) كفاعل يحاول صياغة معادلة سياسية تقوم على التوازن المستمر والدعوة الدائمة للحوار كسبيل وحيد لتجاوز الاستعصاءات التنموية والاجتماعية.

هندسة التوازن: قراءة في تموقع "السنبلة"

لا يمكن فهم التحركات الأخيرة لحزب الحركة الشعبية دون قراءتها في سياق "المرونة الاستراتيجية". فالحزب، الذي يحمل إرثاً تاريخياً مرتبطاً بالدفاع عن العالم القروي والعدالة المجالية، يدرك أن الاستقطاب الحاد في المشهد السياسي الحالي لا يخدم الاستقرار العام. من هنا، يتبنى الحزب خطاباً متوازناً؛ فهو من جهة يمارس معارضة حريصة على رصد الاختلالات التدبيرية، ومن جهة أخرى، يحرص على عدم حرق خطوط الرجعة مع الأغلبية الحكومية أو الفاعلين المؤسساتيين.

هذا "التوازن المستمر" ليس مجرد مناورة سياسية، بل خيار بنيوي لتمثيل شريحة واسعة من المغاربة الذين يبحثون عن بدائل عقلانية بعيدة عن التراشق الإيديولوجي العقاري. الحزب يقدم نفسه اليوم كـ "صمام أمان" قادر على استيعاب التوترات السياسية وطرح بدائل واقعية وقابلة للتنفيذ.

الدعوة للحوار: مدخل إجباري للملفات الساخنة

تأتي دعوة الحركة الشعبية المستمرة للحوار كعنصر محوري في خطابه السياسي، خاصة في ظل الأزمات الاجتماعية والقطاعية المتتالية (كأزمات التعليم، الصحة، وتشغيل الشباب). ويرى الحزب أن الانفراد بالقرار أو تبني المقاربات العمودية الجافة لم يعد مجدياً في مغرب اليوم.

تتجسد رؤية الحزب للحوار في نقاط أساسية:

• مأسسة النقاش: تحويل الحوار من مجرد رد فعل مؤقت على الاحتجاجات إلى آلية مؤسساتية دائمة ومستمرة.

• إشراك القوى الحية: فتح قنوات النقاش مع المركزيات النقابية، والمجتمع المدني، والخبراء، وليس فقط الفاعلين الحزبيين.

• البعد المجالي: نقل الحوار من المركز (الرباط) إلى الجهات، للوقوف على التفاوتات الحقيقية وصياغة حلول تنبع من خصوصية كل منطقة.

استشراف المستقبل: الحزب كقوة اقتراحية

إن رهان الحركة الشعبية في هذه المرحلة يتجاوز مجرد الانتقاد السطحي؛ فالهدف الأسمى هو تكريس الحزب كـ قوة اقتراحية وازنة ترتكز على مبادئ "تمغربيت" والعدالة الاجتماعية. ومن خلال الموازنة بين واقعية التدبير ومطالب الشارع، يسعى الحزب إلى بناء جسور الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات السياسية، مؤكداً أن الاستقرار الحقيقي يصنع عبر التوافقات الكبرى والحوار الشامل والمستدام.