ولقد اختارت الحكومة الفرنسية مواجهة مطالب التلاميذ المشروعة بمعلمين ومعارضة ظروف التمدرس المأساوية بلغة البطش والعصي البوليسية، مما أدى إلى فتح 24 تحقيقًا رسميًا في وحشية وعنف الشرطة ضد أطفال وقاصرين عزل، في مشهد خلف أكثر من 200 إصابة صفوف التلاميذ المقاتلين من أجل مستقبلهم، في مقابل 800 جريح في صفوف عناصر الأمن.
وتأتي هذه الهبة الاحتجاجية التي دخلت أسبوعها الرابع، وانطلقت شرارتها منتصف شتنبر من ثانوية سانت إكزوبيري بمدينة كريتاي لتتمدد بغضب عارم نحو ليون ومرسيليا وبوردو وضواحي باريس، لتفضح العجز الفاضح والإهمال المتعمد الذي تنتهجه الدولة تجاه المنظومة التعليمية.
وتجسد شهادة التلميذ نعيم من ثانوية سوجير بشمال باريس حجم القهر والعبث الإداري؛ حيث يُجبر الطلاب على أداء طقوس استيقاظ قاسية وجداول مجهدة تمتد لساعات طوال، بينما تترك فصول دراسية كاملة دون معلم رياضيات طوال العام الدراسي وسط استهتار رسمي صارخ بمستقبلهم وأحلامهم.
ولا تقف الأزمة عند حدود البنى التحتية المتهالكة ونقص الكوادر، بل تمتد لتكشف عقم السياسات الحكومية عبر نظام "باركور سوب" المجحف للالتحاق بالتعليم العالي، والذي تفنن صنّاعه في تكريس الطبقية والتمييز الممنهج ضد أبناء الأحياء الفقيرة والضواحي لصالح مدارس الأغنياء والنخبة.
وأمام هذا السقوط الأخلاقي والمؤسساتي، تجد السلطات الفرنسية نفسها اليوم في مأزق تاريخي عاجزة عن تبرير همجيتها الأمنية أو إخفاء فشلها الذريع في إدارة قطاع التعليم، لتتحول أزمة المدارس إلى مرآة فاضحة لعمق أزمة النظام السياسي برمته.






