سياسة واقتصاد

في علاقات القوى داخل الائتلاف الحكومي

عبد السلام المساوي (سياسي)
 في الواقع، فإن كل ائتلاف يعني تباينًا في الأوزان بين القوى المكونة له. وهذا صحيح في كل زمان ومكان، حتى ولو جاءت الغايات التي من أجلها تم تشكيل الائتلاف متوافقة، إلى هذا الحد أو ذاك، مع الغايات السياسية المباشرة أو بعيدة المدى لتلك المكونات جميعها. غير أن التوافق العام حول عناوين برنامجية بعينها ليس يعني تماثلًا في التصورات بخصوص العمل على تطبيقها على أرض الواقع. إذ لعملية التطبيق منطقها الخاص ويقوم على تأويلات متباينة بتباين مواقف القوى التي صادقت على الأرضيات المشتركة أو القرارات المتوافق عليها. فكل حزب سياسي يحاول تكييف النصوص الجديدة بما يتوافق مع تصوراته الإيديولوجية ولا يتناقض مع مصالحه السياسية على أقل تقدير، في نهاية المطاف. ورغم أن التمايز بين المواقف العملية على هذا المستوى ليس جذريًا إلى حد إقامة علاقة تناقض بينها، فإن التمايز يمكن أن يكون واضحًا إلى حد كبير بالنسبة للأطراف المكونة للائتلاف إلا أنها تعتقد بإمكان التعايش بينها على أرضية الحد الأدنى التي تتم بلورتها في التصريح الحكومي، وهي، في كل الأحوال، الترجمة الفعلية للبعد الاضطراري للعمل المشترك، من هذا الموقع، لاستحالة إمكانية العمل المستقل بصورة نهائية كما تدل على ذلك موازين القوى السائدة. 

وضمن هذا المنظور فإن ربط المشاركة بالحكومة برجحان كفة قوى اليسار، داخل ذلك الائتلاف، على مشروعيتها المبدئية، فكرة مثالية ولا علاقة لها بالواقع. وبالتالي ليست مناط اعتداد أي عقل سياسي حديث يتوخى الفعالية وبنظر إلى الأمور، بما في ذلك التحالفات، بعين ديناميكية تركز على المشترك الذي يقدم، ولا تعير كبير اهتمام لعوامل الخلاف الشالة للحركة متى كانت محور التفكير والممارسة.

فهي مثالية لأنها تبني بناءًا ذهنيا متكاملا ومتناسق الأركان يمكن أن تتولد عنه حالات خيالية متعددة تقدم باعتبارها نماذج لا تكاد تعد ولا تحصى، وما هي في الواقع وعند التأمل الفاحص إلا بنت الرغبات والعواطف المشبوبة التي تفرض سيطرتها على أصحابها فتحول بينهم وبين التمييز بين البناء المنطقي المثالي المجرد وبين معطيات الواقع الملموس. 

وهي غير واقعية لأن تعين هذه الحالة على أرض الواقع تطرح أول ما تطرح سؤال الداعي إلى المشاركة في ائتلاف فضفاض إذا كان تشكيل حكومة منسجمة تحظى بالأغلبية الضرورية للممارسة وتدبير الشأن العام ممكنة، بما يحقق لها الفعالية الضرورية ويجعلها بمنأى من الهزات السياسية في فترات ولايتها للسهر على تنفيذ برنامجها بالشكل المرضي لعموم المواطنين. وليس هنا من داع إلى التذكير بالتفصيل بموقف لينين مادام أنصار هذا التصور المثالي ينسبون أنفسهم، في الغالب، إلى الإرث السياسي لزعيم البلاشفة أو إلى بعض من سلالاته الفكرية والأيديولوجية إبان التحضير وأثناء إنجاز الثورة الكبرى في روسيا القيصرية، حيث سخر لينين من مثل هذه المواقف وأكد أن اختلال موازين القوى لفائدة الاتجاهات المحافظة وغير الثورية في المجتمع وفي مؤسسات النظام القيصري هو بالذات ما يدعو إلى المشاركة في هذه المؤسسات، ولو كان ثمرة ذلك كشف حدود تلك المؤسسات، وربما تبيان زيف بعضها. فكيف بنا والحالة في بلادنا أبعد ما تكون عن حالة روسيا عهدئذ بما لا يقاس؟.

إن واقع تطور الحياة السياسية المغربية الملموس هو الذي دفع إلى اعتماد أسلوب التحالفات والائتلافات وخاصة منذ حكومة التناوب التي كان لها الفضل في إحداث قفزة نوعية في الفكر السياسي المغربي خرج به من منطق التخندق الانعزالي للأحزاب السياسية والدخول في مرحلة من الانفتاح السياسي بعضها على البعض الآخر، في ما يمكن اعتباره التطبيع بين مكونات الحقل السياسي الذي لم يكن ممكنًا لولا جرأة الاتحاد الإشتراكي والأحزاب المكونة للكتلة الديمقراطية في اقتحام تجربة كانت تبدو قبل ذلك ببضع سنوات من باب المستحيل.

وبالفعل، فإن هذه التجربة التي انطلقت تحت شعار الإنقاذ الوطني في السنتين الأخيرتين من عمر الملك الراحل الحسن الثاني قد قطعت مع عهد من التوجس السائد بين مختلف قوى المشهد السياسي حيث أصبحت الأولوية للبرنامج الحكومي المتوافق على جل بنوده وليس للمواقف الإيديولوجية التي تحول دون الالتقاء بين القوى، الأمر الذي أفقد المغرب الكثير من التراكمات على مستوى العمل بالأرضيات الوسطى القابلة للتطور مع تطور المجتمع الذي نعيش فيه، كما هو وليس كما نتخيله أو نتطلع إليه.

وفي كل الأحوال، فإن ما كان من قبيل المحرمات الايديولوجية والسياسية قد تحول إلى عمل عادي شأننا في ذلك شأن كل البلدان التي تعيش حدًا أدنى من الحياة الديمقراطية.

وعليه، فلم يكن منتظرًا من أي ائتلاف حكومي أن يتجاوز طبيعة الخريطة السياسية في البلاد سواء تم الرضى عنها أو لم يتم. لذلك، فإن تقديري أميل إلى عدم تضخيم تأثير المشاركة ضمن ائتلاف لا تتبوأ فيه القوى الديمقراطية مصدر الصدارة على جماهيرية هذه الأخيرة، كما يذهب إلى ذلك بعض من لديهم موقف أصيل من كل مشاركة في هكذا ائتلاف انطلاقًا من تحليل معين لطبيعة الحكم في البلاد يرى أنه على طرفي نقيض مع المسألة الديمقراطية وهو بالتالي لا يفكر وفق منطق ربط الجسور بين مكونات المشهد السياسي المغربي لخلق بيئة ملائمة للعمل المشترك بين مكوناته بل يرى أن نهج أسلوب الاستقطاب التناحري هو الأنسب لتحقيق ما يسميه البناء الديمقراطي الحقيقي.