سياسة واقتصاد

امتناع الوزراء عن التصويت في انتخاب رئيس مجلس النواب يعيد فتح سابقة غلاب ويستدعي تصحيح القراءات

جلال كندالي (صحفي)

لم تشارك فاطمة الزهراء المنصوري وعبد اللطيف وهبي ونزار بركة، إلى جانب وزراء آخرين فازوا بمقاعد برلمانية في انتخابات شتنبر 2026، في التصويت خلال جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، بسبب حالة التنافي المؤقت بين العضوية في الحكومة والصفة البرلمانية. ورغم المناداة على أسماء الوزراء المعنيين أثناء عملية التصويت، لم يدل أي منهم بصوته، فقد حضر بعضهم الجلسة دون المشاركة في الاقتراع، فيما غاب معظمهم عنها. وتطرح هذه الوضعية مسألة الجمع بين الصفة الحكومية والعضوية في مجلس النواب، في انتظار استكمال الإجراءات المرتبطة بالوضع القانوني لكل حالة.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب في دجنبر 2011، وهي الأولى بعد اعتماد الدستور الجديد وانتخابات 25 نونبر. كان عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، قد عين رئيسا للحكومة دون أن يشكل حكومته بعد، وكانت حكومة عباس الفاسي تواصل تصريف الأعمال. وفي تلك الجلسة لم يكتف الوزراء الفائزون بمقاعد نيابية بالحضور والامتناع عن التصويت، بل صوتوا، وتجاوز الأمر ذلك إلى ترشيح وزير التجهيز والنقل، القيادي الاستقلالي كريم غلاب، لرئاسة المجلس، ففاز بالمنصب. وانسحب أعضاء الفريق الاشتراكي وفريق الاتحاد الدستوري ونواب الحزب العمالي احتجاجا على ما اعتبروه خرقا لحالة التنافي ولمبدأ فصل السلط، علما أن الفصل 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، المصادق عليه قبل اقتراع 25 نونبر، كان ينص بالحرف على تنافي العضوية في المجلس مع صفة عضو في الحكومة.

وفي تلك الجلسة، افتتح عبد الهادي خيرات المداخلات بنقطة نظام لاحظ فيها أن قائمة النواب الحاضرين التي تلتها رئاسة الجلسة تضمنت أسماء وزراء، واعتبر ذلك منافيا لروح الدستور لأنه لا يمكن الجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وقال إن إثارة المسألة دفاع عن الدستور وعن تنزيله بشكل سليم، يليق بمكانة بلادنا، مؤكدا أن الفريق الاشتراكي لن يساهم في هذه اللعبة، وأن تدخله لا يتعلق بنقطة مسطرية بل باحترام روح الدستور الجديد. أما حسن طارق فرأى أن المادة 17 من القانون التنظيمي لا تجيب عن الإشكال الدستوري، وأن ما تطرحه المعارضة الاتحادية يتجاوز هذه المقتضيات إلى روح الدستور القائمة على فصل السلط. وتساءل عن أية صورة نقدمها لمغرب 2011 غدا إذا ما طرح سؤال على كريم غلاب في مجلس المستشارين بصفته عضوا في الحكومة؟، مضيفا أن النصوص واضحة وأن تنزيل الدستور يقتضي ألا يترأس وزير مجلس النواب.

وبدوره، أوضح إدريس لشكر أن واجب التحفظ، بحكم صفته وزيرا آنذاك، يمنعه من التدخل، لكنه سجل أن رئيس الجلسة منح الكلمة حتى للوزراء الفائزين في الانتخابات التشريعية. ونوه باعتماد المغرب المنهجية التشاركية في الإصلاحات الدستورية والسياسية، وعاب على رئيس الحكومة المعين عدم اعتمادها لتفادي هذا الإشكال. ورد على القائلين بأن حكومة تصريف الأعمال لا صفة لها بأن هذه الحكومات دامت في بعض الدول سنة ونصف، وأن الصفة الحكومية قائمة، استنادا إلى المادة 14 من القانون التنظيمي، لأن التعيين في السلطة التنفيذية يتم من طرف الملك ولا يحق لأي عضو فيها أن يقول إنه ليس عضوا فيها. واستحضر لشكر دستور 1996 الذي كان يقر حالة التنافي للوزير من خلال النظام الداخلي، إذ لم يكن يحق له عضوية مكتب المجلس ولا رئاسة أي لجنة، وكانت القاعدة تطبق. ونبه إلى أن رئيس المجلس يصبح آمرا بالصرف بمجرد انتخابه، فإذا ظل آمرا بالصرف في وزارته فكيف يمكن الحديث عن الاستقلالية المالية للمجلس، مرجحا أن تكون الحكومة المنتهية في حكم المستقيلة بمجرد أن يشكل بنكيران حكومته.

ولم يكن عبد اللطيف وهبي، باسم الأصالة والمعاصرة، أقل حزما، إذ أكد أنه كان ينتظر ترشيح غلاب لتقديم طعن أمام المحكمة الدستورية، وأن الفصل 47 من الدستور يقضي باستمرار الحكومة في مهامها، فيظل غلاب يقرر في وزارة التجهيز والنقل. وتساءل من سيمثل غلاب في مجلس الوصاية، مجلس النواب أم الحكومة، مضيفا أن رئيس الحكومة المعين نفسه لا حق له في التصويت، وأن الأمر مرتبط بتنفيذ أحكام الدستور لا بمن له الحق في الاقتراع. وطالب نائب عن الحزب العمالي الرئاسة بالجواب عن الإشكال، معتبرا أن النواب جاؤوا لتنزيل الدستور بشكل حقيقي. وبحسب ما علمته الجريدة آنذاك، دعت جهات عليا عباس الفاسي إلى وضع حد للجدل، معتبرة أن طرح المعارضة الاتحادية منطقي وفي الصميم، عبر تقديم غلاب استقالته إلى الملك، وجاءت هذه الاستقالة، وفق قصاصة لوكالة المغرب العربي للأنباء، بعد انتخابه رئيسا للمجلس.

وبين الأمس واليوم تبرز مفارقات لافتة. فالوزراء الذين صوتوا في 2011 وفاز أحدهم برئاسة المجلس، تقابلهم اليوم وضعية يمتنع فيها الوزراء الفائزون بمقاعد نيابية عن الاقتراع، ما يجعل الدفوع التي لم تحسم حينها أقرب إلى الممارسة المعتمدة. ثم إن عبد اللطيف وهبي، الذي دافع بشدة في 2011 عن قيام الصفة الوزارية خلال تصريف الأعمال وعن حالة التنافي، يوجد اليوم ضمن الوزراء المعنيين بهذا الوضع. كما أن الدفاع عن روح الدستور لم يكن حكرا على صف بعينه، فقد جمع الفريق الاشتراكي، ووزيره الذي اختار واجب التحفظ، وفريق الاتحاد الدستوري، والحزب العمالي، والأصالة والمعاصرة، في مواجهة أغلبية رأت أن الأمر لاتشوبه شائبة دستورية ودافعت عن أحقية ترشح مرشحها.

ويذهب قارئون لهذه المقارنة إلى أن الخرق الذي ارتكبته أغلبية بنكيران سنة 2011 يعكس، في جانب منه، غياب كفاءات قانونية ودستورية داخلها تنبه إلى هذا المنزلق وتشير إليه قبل وقوعه. وفي المقابل، يرون أن الأغلبية التي تنتمي إليها فاطمة الزهراء المنصوري ربما أحاطت بها كفاءات تحسن هضم نصوص الدستور وروحه، فجنبتها الوقوع في الخرق نفسه. ومهما كانت القراءات، يظل الأساسي هو إعادة الأمور إلى نصابها.

ويفتح ذلك الباب أمام الجامعات المغربية المعنية، أساتذة وطلبة، لمراجعة ما استقر في بعض القراءات الأكاديمية التي بنيت على ما وقع في 2011، واعتبرت ما حدث صائبا ولا يخرق روح الدستور استنادا إلى الأمر الواقع. فالأمر الواقع لا يصنع شرعية دستورية، وجلسة اليوم تقدم مناسبة لتصحيح هذه القراءات. والعبرة الأعمق أن احترام الدستور وروحه واجب واحد، لا يتغير بتغير الاصطفاف بين أغلبية ومعارضة، ولا بتبدل المواقع بين الأمس واليوم.