يشكل منشور السيد نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء، المؤرخ في 13 أكتوبر 2026، خطوة إيجابية تستحق التنويه، لما يعكسه من انفتاح على الحوار القانوني والمؤسساتي بشأن الصعوبات العملية التي يثيرها تطبيق المادتين 77 و234 من قانون المسطرة المدنية.
وإذا كان التفاهم الحاصل بشأن المادة 77 يمثل مكسباً مهماً في اتجاه الحد من الاشتراطات الشكلية التي قد تعرقل الولوج إلى القضاء، فإن المعالجة المقترحة بخصوص المادة 234 تكشف في الوقت نفسه عن حدود التفاهم المؤقت، والحاجة إلى مواصلة النقاش القانوني التشاركي ؛ ذلك أن التمييز بين المادتين، والإقرار بإمكانية التصريح بعدم توفر البريد الإلكتروني المطلوب في نطاق المادة 234، يشكلان حلاً عملياً للتخفيف من حدة الإشكال، لكنهما لا يحسمان الأسئلة القانونية الجوهرية المرتبطة بطبيعة الالتزام، وحدود سلطة المحكمة، وآثار تعذر الإدلاء بالبيان المطلوب ، لأن
التفاهم المهني، مهما بلغت أهميته، لا يملك قوة تعديل النص التشريعي، ولا يكتسب بذاته حجية الاجتهاد القضائي المستقر، ولا يضمن توحيد التطبيق بين مختلف المحاكم. كما أن قبول التصريح بعدم توفر البريد الإلكتروني لا يزيل بالضرورة الإشكال الأصلي المتعلق بمدى جواز تحميل المتقاضي عبء تقديم معطى خصوصي ، لا يملك وسائل قانونية أو واقعية للحصول عليه.
ومن هنا، فإن المكسب المحقق ينبغي ألا يتحول إلى مناسبة لإغلاق النقاش، بل إلى منطلق لتعميقه، وخاصة بشأن المادة 234، من خلال مساءلة التناسب بين المتطلبات الشكلية وبين الغاية الإجرائية منها، ومدى جواز ترتيب جزاءات على استحالة مادية أو قانونية، وحدود واجب المحكمة في تدبير المعطيات الضرورية لسير الخصومة.
إننا ننوه بمبادرة السيد النقيب وبالتفاعل الإيجابي للمسؤولين القضائيين، ونرى فيها تجسيداً لإمكان الانتقال من منطق المواجهة حول النص إلى منهج الفهم التشاركي المسؤول، الذي يحفظ استقلال القضاء والمحاماة، ويتيح لهما التعاون في معالجة الاختلالات العملية دون تجاوز حدود اختصاص كل مؤسسة.
غير أن استدامة هذا المكسب تقتضي تحصينه بتأويل قضائي معلل ومتوازن، وتوسيع النقاش ليشمل مختلف الفاعلين المعنيين، مع إبقاء أفق المراجعة التشريعية مفتوحاً كلما ثبت أن مصدر الإشكال يكمن في صياغة النص ذاته.
فالتفاهم المؤقت يعالج صعوبة التطبيق، لكنه لا يعوض اليقين القانوني؛ والمرونة القضائية تخفف آثار الاشتراط التعجيزي، لكنها لا تلغي الحاجة إلى مراجعة أساسه التشريعي ، فتلك هي القيمة الحقيقية لما تحقق: ليس إعلان نهاية المعركة القانونية، بل افتتاح مرحلة جديدة تنتقل فيها من الاعتراض المعلل إلى البناء الجيد والتشاركي للحلول، ومن تدبير الصعوبة الآنية إلى السعي نحو أمن إجرائي مستدام، يجعل الشكل في خدمة الحق، لا عائقاً أمام حمايته.






