فن وإعلام

عبد الحميد جماهري.. ما الذي يتبقى من المثقف حين تبتلعه المصلحة التنظيمية؟

عبد المولى بصراوي (إعلامي)

أين ذهب ذلك المناضل الشاب الذي كان يزلزل ركود اللجنة المركزية للشبيبة الاتحادية؟ أين صوته الذي لم يكن يتردد في تشريح أعطاب الحزب، وانتقاد اختيارات القيادة، ليختم مداخلاته بمرارة وعزة نفس قائلاً: "وعلى حزبنا السلام"؟ ما الذي تغير في عقيدتكم السياسية ليتحول صاحب تلك الصرخة النقدية النبيلة، إلى مهندس صامت وخلف الكواليس لولاية رابعة مكرسة للأمر الواقع والجمود التنظيمي؟

لقد تراجع الاتحاد الاشتراكي في المحطة الانتخابية لـ23 شتنبر 2026 بشكل خطير ومزلزل، ليقبع في حصيلة متواضعة لم تتجاوز 26 مقعداً. ومع ذلك، اخترتم لغة "صمت القبور"؛ صمت لا يفسره سوى الرغبة في عدم إزعاج القيادة المركزية حفاظاً على الامتيازات والمواقع الإعلامية، وفي مقدمتها إدارة تحرير الجريدة الحزبية. كيف لمثقف وإعلامي بوزنكم أن يرى الانهيار الانتخابي والتراجع الحزبي على كافة المستويات، ثم يلوذ بالصمت والتبرير بدلاً من إعلان الحقيقة العارية؟

والأدهى من ذلك، هو موقفكم الصامت أمام "انتفاضة الاتحاديين الحقيقيين" الذين رفضوا هذا الهوان. لقد انتفضت القواعد الحزبية في معاقلها التقليدية، وعلى رأسها "تيار فاس" الذي انتفض بقوة مطالباً برحيل الكاتب الأول إدريس لشكر وعقد مؤتمر وطني استثنائي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. خرج المناضلون ببيانات تندد بالتدبير الانفرادي وغير الديمقراطي الذي أدى بالنكسة الحالية، وكان من بينهم وبحضورهم قامات اتحادية وأعضاء سابقون من المكتب السياسي قادوا الاحتجاجات ميدانياً.

فأين قلمكم من "انتفاضة فاس"؟ كيف صُمّت آذان جريدتكم وجفّ حبر افتتاحياتكم عن نقل أنين القواعد المتمردة على واقع الإنزال والتدجين؟ إن صمتكم أمام سحق الديمقراطية الداخلية، وأمام حركات التصحيح المناضلة، يثبت أن المقعد الإداري قد انتصر ـ للأسف ـ على المبدأ الفكري. لقد استبدلتم شعار "وعلى حزبنا السلام" بشعار "وعلى مناصبنا السلام"، وهو التحول الأكثر إيلاماً لمن كان يتوسم في قلمكم صوتاً للجرأة والحرية.