سياسة واقتصاد

من السرفاتي إلى حراك الريف: في جوهر العجز الوزاري أمام المعضلة الحقوقية

يوسف اغويركات

يعود النقاش حول الهندسة المؤسساتية لملف حقوق الإنسان في المغرب إلى الواجهة، خاصة مع كل سياق يخص تشكيل حكومة جديدة أو تعديلها. وهو نقاش يتأرجح بين نزعتين: نزعة سياسية دستورية ترى في الحقيبة الوزارية حصنا للملف داخل صناعة القرار، ونزعة تدبيرية ترى في المأسسة والإدارة التقنية المستقرة خيارا استراتيجيا يتجاوز التقلبات السياسية.

لكن، وبالعودة إلى جوهر النقاش الذي أثاره مؤخرا السجال بين مقاربتي الأستاذين المصطفى الرميد (وزير الدولة مكلف بحقوق الإنسان سابقا) وعبد الرزاق الحنوشي (فاعل حقوقي رئيس جمعية الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان)، يجد المتتبع للمشهد الحقوقي الوطني نفسه أمام أسئلة أكثر عمقا تتجاوز ثنائية "الوزارة والمندوبية"، لتطال جدلية المرجعية الكونية، والواقع المؤسساتي، وأزمة النخب.


 *التزام فيينا: ضرورة حقوقية* 


لا يمكن لأي بناء حقوقي أن يستقيم دون مرتكزات صلبة. ومن هنا، يظل التشبث بقرارات مؤتمر فيينا (1993) وما تلاه من مواثيق دولية ضرورة حقوقية قصوى للمغرب، وليس مجرد ترف فكري أو واجهة بروتوكولية. إن إعلان فيينا كرس قاعدة ذهبية لا تقبل الالتفاف: كونية حقوق الإنسان وعدم تجزئتها.

فالخروج من خانة "الدول الهجينة" نحو الديمقراطية الكاملة، يقتضي تبني هذه الكونية كحزمة واحدة، إذ لا يمكن التذرع بالخصوصية أو التنمية الاقتصادية لتبرير التراجع عن الحقوق المدنية والسياسية. هذا الالتزام الدولي هو البوصلة التي تحمي المسار الحقوقي الوطني من الانكماش أو الاسترخاء المؤسساتي.


 *معضلة "البروفايل" وخطر التجميل السياسي* 


في هذا السياق، يبدو طرح الأستاذ الرميد المدافع عن "منطق القبعة الوزارية" وضرورة وجود وزير وازن يخلق التوازن مع قبعة "النظام العام" داخل المجلس الحكومي (تفعيلا للفصل 92 من الدستور) طرحا مغريا من ناحية الواقعية السياسية. فالقرارات تُطبخ بميزان القوى السياسي.

لكن هذا الطرح يصطدم بعقبة واقعية ينبغي تلمسها بكثير من الموضوعية وبعيدا عن أي سوداوية أو عدمية: أين هو "البروفايل" المؤهل لقيادة هذه الحقيبة؟!

إن نجاح تجربة "وزير حقوق الإنسان" مشروط بوجود شخصية كاريزمية، مستقلة، تمتلك شرعية حقوقية تاريخية وشجاعة أدبية تؤهلها لقول "لا" داخل المطبخ الحكومي عند منعطفات التضييق أو التراجع. وفي غياب هذا البروفايل في المشهد الحالي، فإن إحداث وزارة لحقوق الإنسان ينطوي على مخاطرة كبرى، إذ قد تتحول الحقيبة ــ عن قصد أو غير قصد ــ إلى مجرد "واجهة تجميلية" ومبرر سياسي لممارسات منتهكة للحقوق أمام المنتظم الدولي. ولنا في التاريخ المعاصر للمغرب شواهد دالة، فما تنفع "مساحيق" الوزارة إذا استُحضرت ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ قسوة الإبعاد والنفي خارج الوطن التي طالت المعتقل السياسي الأسبق أبراهام السرفاتي غداة الإفراج عنه في تسعينيات القرن الماضي؟ وما جدواها حين عجزت تلك الحقيبة عن كبح قرارات منع الصحف والتضييق على الأقلام في أوج تجربة حكومة التناوب الديمقراطي؟ بل ما عساها تفعل والملف الحقوقي يتجرع مرارة المظالم والانتهاكات التي مست معتقلي الحركات الاحتجاجية في عهد حكومات ما بعد الدستور الجديد، وتحت أنظار وزارة حقوق الإنسان ذاتها؟ إن هذه المفارقات الصارخة هي ما يفقد الملف مصداقيته تماما، ويجعل من الحقيبة عبئا على الحقوق لا حصنا لها.


ما الذي ينفع الناس؟.. نحو إصلاح بنيوي


إذا كان غياب "البروفايل السياسي الكاريزمي" يفرغ خيار الوزارة من محتواه، فإن البديل الحقيقي والواقعي لتقدم وضعية حقوق الإنسان بالمغرب يجب أن يتجه صوب المأسسة والجوهر البنيوي، من خلال ثلاثة مداخل رئيسية:

1. تقوية ومأسسة آليات التنسيق القائمة: بدلا من ارتهان الملف بمزاجية الحقائب الوزارية، يجب تحويل المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان إلى آلية تعاقدية نافذة تحت وصاية رئاسة الحكومة، تملك سلطة قانونية ملزمة لفرض تنفيذ التوصيات والالتزامات الدولية على كافة القطاعات، بما فيها القطاعات السيادية.

2. استقلال السلطة القضائية: إن الحامي الحقيقي والملاذ الأول للحقوق والحريات في دولة الحق والقانون ليس هو الوزير السياسي، بل هو القضاء المستقل والنزيه، الكفيل بضمان المحاكمات العادلة، والوقوف سدا منيعا ضد الشطط في استعمال السلطة.

3. ملاءمة التشريعات والممارسة: المدخل التشريعي (وعلى رأسه القانون الجنائي والمسطرة الجنائية) يظل حاسما. لكن العبرة تظل بالامتثال الواعي للمبدأ الكوني على مستوى الممارسة والتطبيق اليومي في الشارع والمؤسسات، وضمان فضاء عام يتسع للاختلاف وحرية التعبير.

4. آليات الانتصاف غير القضائية: وهي الحلقة الأساسية الواجب تقويتها وتفعيل أدوارها بروح العدل والإنصاف لتكون ذات مصداقية وفعالية، لاسيما في مجالات الرقابة، وتلقي الشكاوى، ومعالجتها. ويتطلب ذلك ضخ دماء جديدة وتمكين هذه الآليات المؤسساتية ــ وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة وسيط المملكة، وهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز ــ من الاستقلالية التامة والجرأة الحقوقية.

وفي المحصلة، يستدعي سياق الختم التذكير بمرتكز مبدئي وحاسم في الفلسفة الحقوقية والدستورية؛ وهو أن مجال الحماية والرقابة ليس ــ ولا ينبغي أن يكون ــ من مشمولات السلطة التنفيذية بأي حال من الأحوال، وأياً كانت التسميات أو درجات التفويض، سواء أكانت وزارة مستقلة أو مندوبية وزارية. فالجهاز التنفيذي يظل، بطبيعته الإدارية والسياسية، خاضعاً للمساءلة الرقابية والحقوقية، وليس حكماً عليها أو راعياً لحمايتها من نفسه. بناءً على ذلك، فإن تقدم المغرب الحقوقي لا يمر عبر «صناعة مناصب» داخل التشكيلة الحكومية قد تعاني اليتم أو التحريف، بل عبر بيئة ديمقراطية متكاملة تبني مؤسسات وطنية مستقلة قوية، وتصون تشريعات حامية، وتلتزم بإرادة سياسية حقيقية تدرك أن حقوق الإنسان هي الضامن الأساسي للاستقرار والتنمية المستدامة. وغير ذلك، نكون كمن يصب الماء على الرمل