مجتمع وحوداث

مقاربة منهجية علمية للقانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية الذي دخل حيز التنفيذ

الجيلالي شبيه (دكتور الدولة في العلوم القانونية والمنهجية ومحام بهيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير وكلميم والعيون)

أولا: المنهجية القانونية-القضائية والمسطرة المدنية

إذا كانت المنهجية بمفهومها العلمي هي توجيه العقل للتفكير والبحث عن الحقيقة (ديكارت 1637) في العلوم القانونية، في هذه الحالة بالذات، فإن المسطرة المدنية هي كيفية متابعة تعاقب مجموعة من الإجراءات اللازمة لرفع الدعوى المدنية وتهييئها وإجراء الدفوع والمداولات القضائية والأحكام ومباشرة طرق الطعن ومراحلها إلى أن يتم تنفيذ القرارات الصادرة عن القضاة في المادة المدنية بصفة نهائية·

إن المحاكمة العادلة تتأسس على قواعد الاتفاقيات الدولية والضمانات الدستورية والأحكام القانونية والإجرائية والاجتهادات القضائية، ويدخل قانون المسطرة المدنية الحالي (فبراير 2026) في هذا الإطار بحيث جاءت مضامينه بالعديد من المقتضيات التي سنحاول في هذا المقال دراستها وتوزيعها بمنهجية علمية: شكلا ومضمونا وترابط الشكل والمضمون· إن كثرة التعديلات والتغييرات والتنقيحات والتتميمات والتعويضات التي نلاحظها منذ ما يقارب سبعين سنة في البنية التشريعية لدليل قاطع على وجود خلل منهجي وغياب علماء المنهج في الإنتاج القانوني التشريعي وعواقب هذا الغياب تظهر لنا جليا فقدان الاستقرار القانوني ونجاعته وانعدام صياغة تشريعية شمولية محكمة وموحدة· إن نماذج تاريخية عديدة عبرت العصور تؤكد لنا أهمية علم المناهج واستقرار الإنتاج العلمي والفلسفي والقانوني وذلك منذ مئات بل آلاف السنين·

إن شريعة حمورابي تناهز 3800 سنة وما زانا ندرسها ونستدل بها، ونفس الشيء بالنسبة لمدونة جوستنيان في الفقه الروماني (حوالي 1500 سنة)، وكذا علم أصول الفقه، التي يرجع أصلها إلى أكثر من 1230 سنة، ومنهجية ابن خلدون في المقدمة (منذ 1377)، ومناهج فرانسيس باكون (1620)، ومنهجية ديكارت (1637)، والمنهجية التجريبية ل كلود بيرنار سنة 1865، ومنهجية الاقتصاد السياسي ل كارل ماركس في عام 1857، ونظرية التطور بالانتقاء الطبيعي ل شارل داروين سنة 1859، ونظرية لوي باستور في الجراثيم سنة 1878، ونظرية رونالد فيشير في علوم الإحصائيات خلال الحقبة الممتدة من 1918 إلى 1925، ونظرية كارل بوبر في منطق الاكتشاف العلمي سنة 1934، ونظرية طوما كون في بنية الثورة العلمية سنة 1962، ونظرية ألبير أينشتاين في النسبية الخاصة والعامة خلال سنتي 1905 و1915···ما تزال كل هذه المقاربات المنهجية العلمية على قيد الحياة·       

ثانيا: من حيث شكل وتشكيل المسطرة المدنية

فقانون المسطرة المدنية يتضمن 644 مادة موزعة بشكل غير متساو بتاتا بين أقسامه وأبوابه وفروعه وأجزائه· توزع المسطرة إلى إحدى عشر قسما غير متكافئة الكثافة إطلاقا لا من حيث الأبواب ولا الفروع ولا أجزاء· القسم الأول، مبادئ عامة (21 مادة)، يكتفي ببابين: مقتضيات تمهيدية (المواد 1-14) ودور النيابة العامة أمام المحاكم ( المواد 15-21)· القسم الثاني، اختصاص المحاكم (54 مادة)، يضم أربعة أبواب غير متساوية الكم: مقتضيات عامة (المواد 22-28)، الاختصاص النوعي، وهو الأطول (م· 29-65)، الاختصاص المحلي (م· 66-71)، الاختصاص القضائي الدولي (م· 72-75)·

القسم الثالث، المساطر أمام محاكم الدرجة الأولى (149 مادة)، يشمل ثمانية أبواب: تقييد الدعوى (م· 76-89)، الجلسات والأحكام (م· 90-115)، إجراءات تحقيق الدعوى، وهو الأطول (م· 116-172)، الطلبات العارضة والتدخل ومواصلة الدعوى والتنازل (م· 173-193)، المصاريف (م· 194-199)، التعرض (م· 200 -203)، الاستئناف (م· 204-222)، التنفيذ المعجل (م· 223-224)·

القسم الرابع، المساطر الخاصة بالاستعجال ومسطرة الأمر بالأداء (19 مادة)، يقتصر على ثلاثة أبواب بدون فروع: الأوامر المبنية على طلب والمعاينات (مادة واحدة فقط: 225)، قضاء الاستعجال (م· 226 -232 )، مسطرة الأمر بالأداء (م· 233-243 )· القسم الخامس، المساطر الخاصة (107 مادة)، ينقسم إلى ثمانية أبواب: دعاوى الحيازة (م· 244-248)، عروض الوفاء والإيداع (م· 249-256)، المساطر المتعلقة بقضايا الأسرة، وهو أطولهم (م· 257-309)، المسطرة في القضايا الاجتماعية (م· 310-327)، الاختصاص والمسطرة في قضايا قضاء القرب (م· 328-334)، التجريح (م· 335- 342)، تنازع الاختصاص (م· 343-345)، تعرض الغير الخارج عن الخصومة (م· 346-350)·

القسم السادس، المسطرة أمام محاكم الدرجة الثانية (78 مادة)، يتضمن خمسة أبواب، الأول والثاني متوسطي الكثافة، بدون فروع، فقط المواد، إجراءات تحقيق الدعوى (م· 351-359)، قرارات محكمة الدرجة الثانية (م· 360-371)، والأبواب الثالث والرابع والخامس، اختزلت في ثلاثة مواد، مواصلة الدعوى والتنازل (المادة 372)، المصاريف (المادة 373 )، التعرض (المادة 374)· لا يعقل إطلاقا منهجيا أن يوجد باب بكامله مقلص في مادة واحدة وجملة واحدة وسطر واحد· القسم السابع، محكمة النقض (54 مادة)، يشمل ثلاثة أبواب غير متكافئة تماما: الاختصاص (المادة 375)، المسطرة (م· 376-412)، مساطر خاصة (م· 413-428): دعوى الزور أمام محكمة النقض، تنازع الاختصاص، مخاصة القضاة· القسم الثامن، إعادة النظر، يختزل في ثمانية مواد فقط من 429 إلى 436·

 القسم التاسع، طرق التنفيذ (162 مادة)، يستوعب ثمانية أبواب: الباب الأول، إيداع وقبول الكفالة النقدية أو البنكية (م· 437-439)، الباب الثاني، تقديم الحسابات (م· 440-448)، الباب الثالث، القواعد العامة بشأن التنفيذ الجبري للمقررات القضائية (ثلاثة فروع و47 مادة: مقتضيات تمهيدية (م· 449-473)، اختصاصات قاضي التنفيذ (م· 474-478)، المسطرة أمام قاضي التنفيذ (م· 479-495)، الباب الرابع، حجز المنقولات والعقارات (م· 496-571)، يشمل فرعين، الفرع الأول، الحجز التحفظي (م· 496-502)، والفرع الثاني، الحجز التنفيذي (م· 503-571)، يتجزأ إلى جزيئات تكشف عن اختلال جسيم في توازن وهيكلة المسطرة: أولا: مقتضيات عامة (م· 503-508)، ثانيا: حجز المنقولات، تفصل إلى إجراءات الحجز (م· 509-514)، وإجراءات خاصة بحجز أنواع معينة من الأموال المنقولة (م· 515- 534)، التي تنقسم بدورها إلى إجراءات بيع القيم المنقولة والحجز التنفيذي على الأصل التجاري وإجراءات بيع الأصل التجاري، ثم التدخل في الحجز (م· 535-538)، ودعوى استحقاق المنقولات المحجوزة (م· 539-544)· ثالثا: حجز العقارات (م· 545-571)، التي بدورها تقسم إلى حجز العقار، تنظيم دفتر شروط البيع، التعرض على دفتر شروط البيع، بيع العقار المحجوز ودعوى استحقاق العقارات المحجوزة·

والباب الخامس، الحجز لدي الغير، يضم اثنتي عشرة مادة، من 572 إلى583، والباب السادس، الحجز الإرتهاني، يحصر ضمن ثلاثة مواد (584-586)، والباب السابع، الحجز الاستحقاقي، يختزل في أربعة مواد (587-590)، والباب الثامن، توزيع حصيلة التنفيذ، يقسم إلى ثمانية مواد (591-598)· ومضامين الأبواب الخامس والسادس والسابع والثامن ليست مضامين أبواب بقدر ما هي مضامين فقرات لا غير· بل أكثر من هذا، هو أن من الباب الرابع، حجز المنقولات والعقارات، إلى الباب الثامن، توزيع حصيلة تنفيذ الحجز، مرورا بالباب الخامس، الحجز لدى الغير، والباب السادس، الحجز الإرتهاني، والباب السابع، الحجز الاستحقاقي، نلاحظ أن العامل المشترك بين كل هذه الأبواب هو الحجز· تقول القاعدة المنهجية إن كل فكرة مستقلة بذاتها، فكرة الحجز في هذه الحالة، تشكل بابا·

القسم العاشر، مقتضيات مشتركة بين جميع المحاكم، وهو قسم بكامله لا يضم سوى المواد بدون أدنى توزيع (م· 599-622)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الجهل التام بالعلم المنهجي، والجهل بالمنهجية العلمية وأهميتها في الإنتاج التشريعي مما يؤدي حتما إلى أخطاء في المضمون وبالتالي إلى غموض ولبس وتعقيد في هيكلة المسطرة عموما· القسم الحادي عشر، رقمنة المساطر والإجراءات القضائية، ولا يشمل هذا القسم كذلك سوى 17 مادة، من 623 إلى 639· ثم أخيرا نجد على شكل شبه خاتمة متقزمة، مقتضيات انتقالية وختامية، تضم خمس مواد بشأن دخول المسطرة حيز التنفيذ ونسخ بعض القوانين والمقتضيات· إن الخاتمة بمفهومها العلمي هي عصارة جهود أكاديمية، على شكل استنتاجات وقواعد وقوانين ومقترحات وتوصيات، خاصة وهي نتاج المشرع، بهدف تطوير الفكر القانوني والرأي العام والمجتمع· لقد سبق لنا أن تناولنا في مقال سابق هذه الاختلالات المنهجية وانعكاساتها الحتمية على مضمون المسطرة المدنية: "قراءة منهجية في قانون المسطرة المدنية، الصادر بتاريخ 30 شتنبر 1974، كما تم تغييره وتتميمه وتعويضه"، ماي 2023، ممكن الإطلاع عليه عبر الأنترنيت· ولكن يبدو أنه لم يتم للأسف هذا الإطلاع، خاصة على مستوى من كانت لهم مسؤولية في المشروع التشريعي· 

ثالثا: من حيث المضمون وكنه المسطرة المدنية                  

سأحاول في هذه المرحلة من التحليل أن أظهر في خطوات متتابعة أن الاختلالات المتراكمة التي تشوب الشكل هي في الواقع اختلالات ومساوئ في مضمون ومدلول المسطرة ذاتها· القسم الأول: مبادئ عامة، يحتوي على أقل من 5 صفحات، 21 مادة وجزأين، ولا يعكس شيئا من المسطرة المدنية لكونه عنوانا فضفاضا ينطبق على أي موضوع· القسم الثاني: اختصاصات المحاكم، يضم 20 صفحة، 54 مادة و10 أجزاء، والاختصاصات ليست هي الإجراءات، لأن الاختصاصات جوهر والإجراءات مسطرة· القسم الثالث: المسطرة أمام محاكم الدرجة الأولى، تشمل 22 صفحة، 150 مادة، 27 جزء، تدخل في لب المسطرة لكن المقتضيات ليست حصريا لا على المسطرة المدنية ولا على محاكم الدرجة الاولى· القسم الرابع: المساطر الخاصة بالاستعجال ومسطرة الأمر بالأداء، تضم 3 صفحات، 19 مادة، 3 أجزاء، والمسطرة الاستعجالية لها عناصر كثيرة مشتركة مع المسطرة العادية، مثل التواجهية والاختصاص والاستقلالية والإحالة أو تحريك الدعوى وبنية الفعل أو التصرف القانوني وطرق الطعن (الاستئناف والنقض) وحتى حجية الشيء المقضي به في حالات كثيرة، كما أن الاستعجال واقع والأمر بالأداء واقع آخر يختلفان من حيث الشروط والأهداف والآثار· القسم الخامس: المساطر الخاصة، وتشمل خليطا من القضايا غير متجانسة بتاتا قد يشكل الكثير منها مساطر مستقلة، مثل دعاوى الحيازة، عروض الوفاء والإيداع، قضاء الأسرة، القضاء الاجتماعي، قضاء القرب، تجريح قضاة الأحكام، تنازع الاختصاص، تعرض الغير الخارج عن الخصومة·

القسم السادس: المسطرة أمام محاكم الدرجة الثانية، ويحتوي على 8 صفحات، 24 مادة، 5 أجزاء، وله علاقة وطيدة مع القسم الثالث: المسطرة أمام محاكم الدرجة الأولى، مثل التواجهية وحقوق الدفاع وتبادل المذكرات وسير الجلسة واتخاد القرار ومآل النزاع والمحاكمة· القسم السابع: محكمة النقض، يتضمن 16 صفحة، 54 مادة، 6 أجزاء، وطرح هذا القسم بهذا الشكل "محكمة النقض" قد يشمل كل ما يتعلق بمحكمة النقض: نظام وتنظيم المحكمة، وظائفها، كيفية تتبع الملفات، رقابة شرعية القوانين، اجتهاداتها، بنيتها وأسلوب تحرير قراراتها، كيفية تعيين قضاتها، سيرها وتسييرها وماليتها، وهل تعتبر محكمة النقض كدرجة ثالثة من درجات التقاضي أم لا· أنظر في هذا الشأن هذين المقالين، لنفس المؤلف ج· شبيه، "دراسة مقارنة من خلال مجالات تقاطع الاختصاصات والجهات القضائية بالمغرب، دجنبر 2022، والأسس التاريخية والفلسفية لمسطرة التقاضي في القضايا الاجتماعية عامة وفي المادة الإدارية خاصة، غشت 2025، يمكن الإطلاع عليهما عبر الأنترنيت· 

القسم الثامن: إعادة النظر، يحتوي على صفحتين، 8 مواد فقط، بدون أجزاء، ويدخل هذا القسم، في الواقع، ضمن القسم العشر: مقتضيات مشتركة بين جميع المحاكم، لأن طلب إعادة النظر هو طريق قضائي استثنائي مشروط بضمانة مالية و يرفع، مبدئيا في أجل 30 يوما، أمام نفس المحكمة مهما كانت درجتها، لا يوقف التنفيذ تلقائيا ويستعمل ضد الأحكام والقرارات الحائزة لقوة الشيء المحكوم به· وقد حصره المشرع في حالات محددة، مثل التدليس، الزور، اكتشاف مستندات حاسمة، عدم الكشف عن أوراق لفائدة عديمي الأهلية، تناقض أجزاء الحكم، إهمال الدفاع لحقوق الإدارة، انعدام التعليل، الخطأ المادي· وشرط آخر يرجع عهده إلى الحضارة الرومانية وذلك أكثر من 2400 سنة والذي مفاده: تنحصر مهام القاضي في المطالبات والدفوع المقدمة من الأطراف المعنية لا غير·  

Le juge statue sur toute la demande, rien que la demande (omnia petita). Il ne saurait statuer en dehors de ce qui est demandé (extra petita), ni en deçà de la demande (infra petita), ni au-delà de la demande (ultra petita).     

راجع، في هذا الشأن، المقالين السابقين، متاحين على الأنترنيت: دراسة مقارنة من خلال مجالات تقاطع الاختصاصات والجهات القضائية بالمغرب، والأسس التاريخية والفلسفية لمسطرة التقاضي في القضايا الاجتماعية عامة وفي المادة الإدارية خاصة·

القسم التاسع: طرق التنفيذ، يشتمل هذا القسم على 46 صفحة، 162 مادة، 28 جزء، ويشكل محتواه، أي "طرق التنفيذ"، العنصر الأساسي لتحويل الأحكام إلى واقع ملموس يتمثل في تجسيد العدالة وحماية الحقوق ودعم الأمن والاستقرار عبر ردع الظالم، معاقبة الجاني ورد الحق إلى صاحبه، كيفما كان نوعه: عقارا، أموالا، ديونا، حجزا أو حاصل بيع· القسم العاشر: مقتضيات مشتركة بين جميع المحاكم، خليط قانوني-إجرائي يتضمن 5 صفحات، 24 مادة، بدون أجزاء، كما أنه عنوان مطاطي لا يقتصر على المسطرة المدنية لوحدها وليس حصريا عليها بل قد يمتد إلى مجالات قانونية وإجرائية أخرى كثيرة· القسم الحادي عشر: رقمنة المساطر والإجراءات القضائية، يشتمل هذا القسم على أقل من 5 صفحات، 17 مادة، بدون أجزاء، ويهتم بالنظام المعلوماتي القانوني والمعاملات الإلكترونية القضائية وإنشاء منصات إلكترونية وحسابات مهنية خاصة بنساء ورجال القانون (محامون، موثقون، عدول، مفوضون وخبراء قضائيون وتراجمة مقبولون لدى المحاكم)· لكن هذه الرقمنة والإجراءات القضائية الإلكترونية تهم كذلك وبنفس القوة المساطر الجنائية والتجارية والعقارية والإدارية والدستورية وسواء كانت المقتضيات القانونية والقضائية وطنية أو دولية· ثم أخيرا: "مقتضيات انتقالية وختامية" سجلت هكذا بدون تحديد، خارجة عن الأقسام، بمثابة خاتمة، خاتمة مبتورة، أو شبه خاتمة، لا تملك سوى عنصرين من الخاتمة، وثقت في صفحة ونصف صفحة و5 مواد بدون أجزاء· تأسيسا على ما سبق يتضح جليا أن هذين المحورين (الشكل والمضمون) تعتريهما، وبصيغة تثير الاهتمام، نقائص وشوائب منهجية هامة تؤثر على وحدة المسطرة بشكل قوي وجلي·    

رابعا: من خلال تداخل الشكل والمضمون باعتبارها وحدة متكاملة

إن الاختلالات من حيث الشكل، والخلل في التوازن والتقريبيات في العناوين والمصطلحات، يؤدي حتما إلى اختلالات في المضمون، بما فيه المفاهيم والدلالات، وبالتالي، فترابط أو تداخل الشكل والمضمون لا يخلو هو الآخر من هذه العاهات والإعاقات في نمط الإنتاج والتفكير· تقول القاعدة المنهجية العلمية: "إن سلامة المبنى شرط أساسي لسلامة المعنى"· إن الهيكلة العلمية لأي مشروع فكري أفضل الطرق لإدراك حقيقة اكتماله وتأمين سيره وضمان نجاحه· أخاطب أهل القرار: إن أي مشروع قانوني ذو بعد وطني أو جهوي أو دولي يحتاج حتما لمنهجية رصينة ولعلماء المنهج، وإلا قد تتهاطل عليه، عاجلا أم آجلا، غزارة الانتقادات لكثرة عيوبه ونقائصه بمجرد خروجه حيز التنفيذ·    

إن ترابط الشكل والمضمون يعكس وحدة المادة، وحدة المسطرة، بكل مساوئها ومحاسنها، فإذا كان يراعى في العمل القانوني الاحترافية والكفاءة في الإنتاج وطريقة البناء ورصانة النصوص فإن تداخل عناصر المادة ينم عن الممارسة والأهلية والاتقان، وإلا فالعكس هو الصحيح: مساوئ ونقائص وركاكة· إن تقسيم المسطرة المدنية إلى إحدى عشر قسما، بالرغم من تعدد أقسامها، لا يعطينا صورة واضحة وصحيحة على إشكالية المادة ومحاورها الحقة، بل كل ما في الأمر أن هذه التقسيمات والعناوين المعطاة لها (مبادئ عامة، اختصاص المحاكم، محكمة النقض، مقتضيات مشتركة، تداخل الأقسام) لا تعكس إطلاقا المضمون الحقيقي للمسطرة·

 فإذا أخذنا مثلا القانون المدني، قبل أن نقترح مضمون المسطرة المدنية، فهو يقسم بكل وضوح إلى خمسة أقسام: القسم الأول، المقدمة: مفهوم، تطور وتطبيقات القانون الدني، يشمل طبيعة القاعدة القانونية (موضوعية/ ذاتية، إجرائية/ جوهرية، وطنية/ دولية، آمرة/ مكملة··· مصادر القاعدة القانونية، تطبيقات القانون المدني في الزمان والمكان، والهدف من إنشاء القانون المدني· القسم الثاني: الأشخاص، يشمل الأفراد، الأسر، الإدارات، الشركات، الجمعيات، النقابات، الأحزاب، الأشخاص الأجنبية التي لها علاقة مدنية داخل المغرب، والمغاربة الذين لهم علاقة مدنية مع الأجانب خارج المغرب···)، القسم الثالث: الأموال، يتضمن العقارات، المنقولات، الإنتاج الفكري، براءة الاختراع، الأصول المالية، الأصول التجارية، الملكية (الأصلية والسطحية والفكرية) وطرق اكتسابها والحقوق العينية التبعية)، القسم الرابع: الالتزامات، يشتمل على الالتزامات العقدية وغير العقدية: كالمبادلات، الزواج، الطلاق، الإرث، أهلية الدولة للإرث، الوصية، الهبة، الوساطة، الحوالة، الوديعة، الوكالة، الكفالة، الجنح وشبه الجنح، والمسؤولية التقصيرية ··· بالنسبة للخاتمة، القسم الخامس، يحتوي على فلسفة وروح القانون المدني، التوازن بين الحريات العامة والنظام العام، المهن الاجتماعية لنساء ورجال القانون، مرونة وتطور القاعدة القانونية في المادة المدنية· 

بالنسبة لإشكالية ومضمون المسطرة المدنية، فالإشكالية أولا تكمن في مدى قدرة التشريع الإجرائي المدني على تحقيق التوازن بين الفعالية القضائية وضمانات الدفاع وحقوق المتقاضين والنظام العام والسلم الاجتماعي في الدعوى المدنية؛ أو بمعنى آخر إن المسطرة المدنية لا تنشئ حريات أو حقوق موضوعية كعقد بيع أو إثبات الملكية أو التعويض عن الضرر أو عقود الاشتراك للاستفادة من توزيع الماء والكهرباء والأنترنيت بل هي أداة عملية لتنظيم وتوجيه مسار الدعوى القضائية: طبيعة النزاع، المحكمة المختصة، درجة التقاضي، من الناحية الإجرائية لحماية حقوق الأشخاص (ذاتية أو اعتبارية) وذلك منذ إيداع المقال أو الشكاية وتوثيق النازلة إلى الحكم والتنفيذ ثم الطعن إن اقتضى الحال، مرورا بالتبليغ والاستدعاء ثم تبادل المذكرات وإجراءات التحقيق· أما مضمون المسطرة المدنية فيتكون من خمس محطات متتابعة أساسية:

القسم الاول: مقدمة، المبادئ التوجيهية للتقاضي في المادة المدنية، وتشمل إجراءات ومضامين مثل مبدأ المواجهة أو التواجهية الحضورية في المادة المدنية، استقلال القضاء وحياد القاضي، علانية الجلسات، التقاضي على درجات، عائق المحاكمة العادلة، حقوق المتقاضين، ضمانات الدفاع في المحكمة وضد سلطة القاضي، حرية الأطراف في الدفاع عن حقوقهم، رقمنة المحاكم والتقاضي وحقوق الفئات غير القادرة على الولوج للرقمنة· القسم الثاني: الدعوي القضائية في المادة المدنية، يتضمن هذا القسم الخصومة أو الدعوى والشروط الموضوعية كالحق في التقاضي والصفة والمصلحة والأهلية، التبليغ والاستدعاء والتبليغ الإلكتروني، الدفوع والطلبات وتبادل المذكرات وطبيعة المحكمة المختصة، إجراءات التحقيق في الدعوي المدنية·

 القسم الثالث: الأحكام القضائية وطرق الطعن، يشتمل هذا القسم على صناعة الأحكام القضائية، تصنيفات طرق الطعن، نلغي هنا التصنيف الثنائي الشكلي الذي يميز بين طرق الطعن العادية (التعرض في الأحكام الغيابية والاستئناف) وطرق الطعن غير العادية (إعادة النظر، النقض، تعرض الغير الخارج عن الخصومة) ويؤكد هذا التفريق أساسا على أثر وقف التنفيذ وشروط قبوله· بل نعتمد هنا في هذا القسم على ثلاثة أنواع من التصنيفات: التصنيف الأول يميز بين طرق الطعن على درجتين والبت في الموضوع (الاستئناف، التعرض) وطرق الطعن التي ترفع إلى محكمة النقض والتي تنظر في إشكالية التطبيق السليم للقانون وهل تعتبر درجة ثالثة أم لا· التصنيف الثاني يفصل بين الجهة القضائية التي تنظر هي نفسها في الطعن (التعرض في الأحكام الغيابية، التماس إعادة النظر، اعتراض الغير الخارج عن الخصومة)، وبين رفع الطعن إلى محكمة أعلى درجة من المحكمة التي أصدرت الحكم كالاستئناف والنقض· التصنيف الثالث تراعى فيه الغاية من الطعن وهل يتعلق الأمر بالدفاع بين الخصوم الأصليين (الاستئناف، النقض أو التعرض) أو يرتبط بحماية الغير، مثل اعتراض الخارج عن الخصومة· وهنا تتاح لنا الفرصة لعرض الجهات القضائية، درجات التقاضي، حقوق الدفاع والمتقاضين المباشرين في الدعوى وتعرض الغير الخارج عن الدعوى أو الخصومة·

القسم الرابع: التنفيذ الجبري والأحكام الاستعجالية، يحتوي هذا القسم على طرق التنفيذ العادي، وطلب القضاء المساعدة على تنفيذ الأحكام من طرف السلطات العمومية، طرق التنفيذ الجبري والقواعد المنظمة لحجز المنقولات والعقارات بجميع أنواعه: الحجز التحفظي، التنفيذي، الإرتهاني، الاستحقاقي، الحجز لدى الغير، مساطر القضاء الاستعجالي والأمر بالأداء· القسم الخامس على شكل خاتمة، يشمل هذا القسم التوجهات الدولية في المسطرة المدنية، الرقمنة والعدالة الإلكترونية، الوسائل البديلة لفض النزاعات (الصلح، التحكيم والوساطة الاتفاقية)، النجاعة القضائية والزمن القضائي، الآجال وتواتر الجلسات ودينامية التقاضي·

خامسا: إعادة النظر في إرث أكل عليه الدهر وشرب أو مبدأ التقاضي على درجتين

تتلخص فلسفة مبدأ التقاضي على درجتين: الدرجة الأولي المحاكم الابتدائية والدرجة الثانية محاكم الاستئناف، أولا في إمكانية تدارك الأخطاء، إذا كانت هناك أخطاء، قد صدرت عن المحاكم الابتدائية وتفاديها من طرف محاكم الاستئناف سواء كانت ترتبط بالوقائع أم بتطبيق القانون؛ ثانيا في ضمان العدالة للمتقاضين من خلال عرض النازلة من جديد على قضاة أكبر عددا وأكثر خبرة وحنكة؛ ثالثا في فرض نوع آخر من التدقيق القضائي وفحص ثاني للأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية· غير أن هذا المنظور القضائي الثنائي القديم والموروث من المستعمر لم يعد قادرا، لضيق رؤيته القانونية، على مواكبة التطور الاجتماعي والقانوني والاجتهاد الفقهي والقضائي وذلك لأسباب عديدة، نلخصها في النقط التالية:

تستثنى من مبدأ التقاضي على درجتين الكثير من القضايا من نوع بسيط أو ذات طابع صلحي مثل المنازعات التي تقل قيمتها على سقف مالي معين يحدده القانون، حيث يصدر فيها الحكم نهائيا من درجة واحدة كما تشير إليها المادة 30 من ق·م·م·: "تختص المحاكم الابتدائية بالنظر ابتدائيا وانتهائيا في جميع الطلبات إلى غاية عشرة آلاف (000·10) درهم"· تضيف المادة 331 من نفس المسطرة "يختص قاضي القرب بالنظر في الدعاوى الشخصية والمنقولة (فقط) التي تقل قيمتها عن خمسة آلاف (000·5) درهم"· وتوضح المادة 32 من ق·م·م· "يمكن للطرف المتضرر من الحكم الصادر ابتدائيا وانتهائيا···طلب إلغائه أمام رئيس المحكمة الابتدائية المختصة، داخل أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ تبليغه بالحكم···"إذا لم يجر القاضي الصلح بين طرفي الدعوى، طبق ما تنص عليه المادة 333، التي تضيف "إذا تعذر الصلح بين طرفي الدعوى، بت قاضي القرب في موضوعها داخل أجل ثلاثين (30) يوما بحكم غير قابل لأي طعن"· يوضح القانون رقم 17·95 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية في المادة 86 منه على أنه "يجوز للأطراف، لأجل تجنب نزاع أو تسويته، الاتفاق على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح ينهي هذا النزاع" ج· ر· عدد 7099 بتاريخ 13 يونيو 2022·  

وحسب القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية "لا يمكن، تحت طائلة عدم القبول من لدن المحاكم المختصة، رفع دعوى تجاوز السلطة ضد" الجماعات الترابية أو "إذا كانت الشكاية تتعلق بمطالبة" هذه الجماعات "بأداء دين أو تعويض، لا يمكن رفع أي دعوى···"إلا بعد إحالة الأمر مسبقا إلى عامل العمالة أو الإقليم" (أو والي الجهة) أو من ينوب عنه، بحسب طبيعة الجماعة الترابية، "الذي يدرس الشكاية في أجل أقصاه ثلاثون (30) يوما ابتداء من تاريخ تسليم الوصل"· المواد 209 و211 و265 و267 و239 و242 من القوانين رقم14·111 و14·112 و14·113 من القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية· إن طلب التظلم المرفوع إلى السلطة الإدارية، مصدرة المقرر أو رئيسها، من قبل المتضرر بهدف إلغائه مرحلة إجرائية حاسمة قبل اللجوء إلى القضاء الإداري، المواد 375 و377 و382 من ق· م· م· 

تأتي من بعد هذه المراحل القضائية أو شبه القضائية المحاكم الابتدائية (المواد 76-224 من ق·م·م·) ثم محاكم الاستئناف (المواد 351-374 من ق·م·م·)، ومن بعدها محكمة النقض (المواد 375-428 من ق·م·م·) التي تختص في الطعون الرامية، توضح المادة 375، "إلى إلغاء المقررات التنظيمية والفردية الصادرة عن رئيس الحكومة، وقرارات السلطات الإدارية التي يتعدى نطاق تنفيذها دائرة الاختصاص المحلي لمحكمة ابتدائية إدارية أو لقسم متخصص في القضاء الإداري بمحكمة ابتدائية، بسبب التجاوز في استعمال السلطة"· تضيف الفقرة الثالثة من نفس المادة "تكون محكمة النقض المرفوع إليها دعوى تدخل في اختصاصاها ابتدائيا وانتهائيا، مختصة أيضا بالنظر في جميع الطلبات التابعة لها أو المرتبطة بها، وفي جميع الدفوع التي تدخل ابتدائيا في اختصاص المحاكم الابتدائية الإدارية أو الأقسام المتخصصة في القضاء الإداري بالمحاكم الابتدائية"· حسب المادة 382، الفقرة الثانية "يمكن للمعني بالأمر أن يقدم قبل انقضاء الأجل··· تظلما من المقرر إلى مصدره أو رئيسه، ويمكن في هذه الحالة رفع الطعن إلى محكمة النقض خلال ثلاثين يوما من تبليغ مقرر الرفض الصريح كليا أو جزئيا"·

تنص المادة 391 من ق·م·م·: "يمكن لمحكمة النقض، عند نقضها حكما أو قرارا كليا أو جزئيا، أن تتصدي للبت في القضية عند توفر الشرطين التالين: أن يكون الطعن بالنقض قد وقع للمرة الثانية؛ أن تتوفر على جميع العناصر الواقعية التي ثبتت لقضاة الموضوع· تضيف المادة 392: "يمكن لمحكمة النقض، عند التصريح بنقض قرار صادر في دعوى الإلغاء، أن تتصدى للبت في القضية إذا كانت جاهزة"؛ وحسب المادة 402: "يجوز الطعن بإعادة النظر في القرارات التي تصدرها محكمة النقض في الأحوال التالية···": تزوير، وثائق رسمية جديدة، خارج الأجل، خطأ في الأجل، مستند احتكره الخصم، صدور قرارات عن محكمة النقض في نفس القضية لا يتأتى التوفيق بينها، تشكيل الهيئة ومقتضيات شكلية·

إذا علم الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، تقر المادة 407 من ق·م·م·، أنه صدر مقرر انتهائي على وجه مخالف للقانون أو لقواعد المسطرة، ولم يتقدم أحد من الأطراف بطلب نقضه في الأجل المقرر، أحاله إلى محكمة النقض؛ وتضيف المادة 411 من نفس المسطرة: "يمكن لوزير العدل أن يقدم طلبات الإحالة من أجل الأمن العمومي كلما خيف أن يكون الحكم في الدعوى في مقر المحكمة المختصة محليا، مناسبة لإحداث اضطراب أو لإخلال يمس بالنظام العام"؛ وتوضح نفس المادة 411 في فقرتها الأخيرة: "إذا قبلت محكمة النقض المقال، رفع قرارها، حالا ونهائيا، يد المحكمة المقدمة إليها الدعوى، وأحيل النزاع إلى محكمة من نفس الدرجة تعينها محكمة النقض"·

إذن، إذا أضفنا، زيادة على كل ما تطرقنا له أعلاه في هذه النقطة الأخيرة (إعادة النظر في إرث···)، درجات أخرى من التقاضي لا يمكن الاستهانة بها أبدا مثل التحكيم والوساطة الاتفاقية (القانون رقم 17·95 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، ج· ر· عدد 7099 بتاريخ 13 يونيو 2022 ، ص 3579، المذكور سابقا)، والمحاكم الدولية، مثل محكمة العدل الدولية، المحكمة الدولية لتسوية النزاعات، محكمة التحكيم الدائمة، المحكمة الجنائية الدولية، وأخيرا وهي أعلى درجة، العدالة الإلهية، كل مواطن مغلوب على أمره وغير قادر، ماديا ومعنويا ونفسيا، على مواجهة القضاء، يفوض أمره إلى الله: "دعيت لله، فوت أمري لله، لي اليقين أن حقي لا يضيع عند الله، حسبي الله ونعم الوكيل، إلهي أعدلني إذا ابتليت ظلما وعدوانا، إذن يتضح لنا، من خلال هذا العرض، بكل يقين، أن درجات التقاضي متعددة ومتشعبة ومتداخلة وأن التقاضي على درجتين تقزيم موروث صارخ للواقع القانوني وللاجتهاد القضائي الحالي.