أضحى إعداد سياسة عمومية مندمجة للوقت الحر والعمل الجمعوي لفائدة الشباب ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات العميقة التي مست أنماط العيش والتواصل والتعلم والمشاركة المجتمعية. فالشباب اليوم يوجدون أمام واقع تتسع فيه إمكانات الوصول إلى المعرفة والتواصل الرقمي، مقابل استمرار تحديات مرتبطة بمحدودية التأطير والمصاحبة، وتفاوت فرص الاستفادة من الفضاءات والأنشطة التربوية والثقافية والرياضية، وضعف المشاركة المنتظمة لبعض الفئات في الحياة الجمعوية والمدنية.
وتتفاقم هذه التحديات حين يتحول جزء من الوقت الحر إلى زمن غير مستثمر في تنمية القدرات وبناء العلاقات الاجتماعية واكتساب المهارات، في ظل غياب بدائل مؤطره ومتاحة للجميع، أو ضعف قدرة المؤسسات والهيئات المعنية على مواكبة التحولات التي يعرفها الشباب، ولا سيما في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية وتغير اهتمامات الأجيال الجديدة.
وعليه، فإن الحاجة إلى هذه السياسة لا تنبع من الرغبة في ملء أوقات الفراغ فحسب، وإنما من ضرورة جعل الوقت الحر مجالاً للتربية والتكوين غير النظامي، وتنمية الشخصية، واكتشاف المواهب، وتعزيز المواطنة الفاعلة، وترسيخ قيم التضامن والتطوع والمسؤولية المشتركة.
ان الوعي بضرورة اعتبار مسؤولية الدولة عن استمرارية التربية للأطفال والشباب في الأوقات والفضاءات خارج المدرسة والاسرة يطرح سؤالا جوهريا: ماذا نعد للناشئة عندما لا تكون في المدرسة ولا مع الاسرة و نتركها عرضة للفراغ.
في إذا كانت البرامج الانتخابية التي تعد الشباب بالتشغيل والسكن والتكوين؛ فهناك أيضاً سؤال ما يفعله المجتمع والدولة بالزمن الذي يعيشه الطفل واليافع والشاب خارج المدرسة والأسرة.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تفرض علينا اليوم التفكير بجدية في سبل حماية الأطفال والشباب من الفراغ، ليس فقط باعتباره وقتًا غير مستثمر، بل أيضًا باعتباره تحديًا تربويًا ومجتمعيًا يستدعي توفير فضاءات آمنة وجاذبة، وأنشطة هادفة تتيح لهم تنمية قدراتهم، وصقل مواهبهم، وتعزيز اندماجهم الإيجابي في المجتمع.
وهنا تصبح سياسة الوقت الحر ليست ملفاً ثانوياً في وزارة الشباب، بل جزءاً من السياسة الوطنية للتنشئة الاجتماعية والوقاية وبناء المواطن.
كما تقتضي هذه السياسة إعادة الاعتبار للعمل الجمعوي باعتباره فضاءً للتعلم بالممارسة، ومجالاً لإشراك الشباب في تدبير الشأن المحلي وإنتاج المبادرات المجتمعية، مع تطوير أدوار مؤسسات الشباب والجمعيات والأندية، وتأهيل مواردها البشرية، وتعزيز قدراتها الرقمية والتنظيمية، وإرساء آليات فعالة للتنسيق والشراكة والتقييم.
وتأسيساً على ذلك، ينبغي أن تقوم السياسة المنشودة على رؤية تجعل من كل شاب وشابة مستفيداً من الحق في وقت حر آمن وهادف، ومشاركاً في بناء مشروعه الشخصي والجماعي، وفاعلاً في تنمية مجتمعه، مع ضمان تكافؤ الفرص والعدالة المجالية، وإيلاء عناية خاصة للشباب في وضعية هشاشة، والشباب بالعالم القروي، والفتيات، والشباب في وضعية إعاقة.
إن الرهان الأساسي يتمثل في الانتقال من تدبير استهلاك الأنشطة إلى سياسة عمومية مستدامة، تنتقل بالشباب من الاستهلاك السلبي للوقت والمحتوى الرقمي إلى المشاركة والإبداع والمبادرة، ومن الاستفادة الظرفية إلى المصاحبة المستمرة، ومن الحضور الشكلي إلى المشاركة الفعلية في الحياة العامة. غير ان تحقيق هذا الانتقال يقتضي الوعي بان الإشكالية الأساسية التي تواجه قطاع الشباب ، لا ترتبط فقط بمحدودية الموارد البشرية والمالية والتقنية، ولا بضعف الإمكانات المتاحة لتطوير خدماته وبرامجه، بل ترتبط، في جانب جوهري منها، بمدى وضوح موقعه داخل منظومة السياسات العمومية، وبحدود الأدوار المنوطة به، وبقدرته على التركيز على اختصاصاته القانونية والتنظيمية، ذلك ان هذه الاختصاصات كثيرا ما تجد نفسها عرضة للتهميش، او إعادة التوجيه تحت تأثير الاهواء السياسية والحسابات الظرفية بما يدفع القطاع الى الانزلاق إلى تحمل مسؤوليات تتجاوز طاقته التدبيرية ومجاله الوظيفي.
ان قطاع الشباب، بما يضطلع به من مهام في مجالات الشباب والطفولة والشؤون النسوية، وبما يتحمله من مسؤوليات في تطوير العمل الجمعوي، وتأهيل المنشآت الشبابية، وإقامة الشراكات، وتدبير المرافق والخدمات الموجهة للفئات المستهدفة، ليس قطاعاً هامشياً داخل العمل الحكومي، بل هو مرفق عمومي ذو وظيفة استراتيجية في بناء قدرات الشباب، وتعزيز مشاركتهم المجتمعية، وتوسيع فرص انخراطهم في الحياة العامة. غير أن أهمية هذه الوظيفة لا تبرر تحميل القطاع جميع الإشكالات الاجتماعية والتربوية والثقافية والتنموية التي تتقاطع مع قضايا الشباب، ولا تحويله إلى جهة مطالبة بالتدخل في كل مجال تتصل آثاره بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بهذه الفئة. إن مقتضيات المرسوم رقم 2.22.874 الصادر في 12 يناير 2023، المحدد لاختصاصات وتنظيم قطاع الشباب، تتيح مدخلاً مؤسساتياً واضحاً لإعادة طرح هذه الإشكالية؛ إذ تؤطر تدخل القطاع ضمن اختصاصات محددة، مع مراعاة الاختصاصات المسندة إلى القطاعات الوزارية والمؤسسات والهيئات الأخرى. ويعني ذلك أن العمل القطاعي لا ينبغي أن يقوم على التوسع غير المنضبط في الأدوار، وإنما على وضوح المسؤوليات، وتكامل التدخلات، وتحديد مجالات المبادرة والتنسيق والشراكة، بما يضمن حسن توظيف الموارد العمومية وتحقيق الأهداف المنتظر من البرامج والخدمات.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير السياسة القطاعية للشباب والتنشيط والعمل الجمعوي يقتضي الانتقال من منطق تراكم المبادرات والمهام إلى منطق التركيز على الاختصاصات -حتى لا يفقد القطاع ما تبقى من هويته، ومن التدخل الظرفي في قضايا متعددة إلى بناء برامج منسجمة مع الإمكانات المتاحة والأهداف المحددة. فليس من الحكامة أن تتوسع الإدارة في الالتزامات دون أن تتوفر على الموارد البشرية المؤهلة، والاعتمادات المالية الكافية، والتجهيزات والوسائل التقنية اللازمة؛ كما ليس من الفعالية أن تتبنى قضايا استراتيجية تتجاوز نطاقها وحجمها.( السياسة المندمجة للشباب)
لكن هذا التحديد لا يعني اختزال السياسة العمومية للشباب في حدود تدخل قطاع الشباب، أو إعفاء بقية المتدخلين من مسؤولياتهم. فسياسة الشباب، بحكم طبيعتها الأفقية وتعدد أبعادها، تتجاوز اختصاصات وزارة بعينها، لتتقاطع مع التعليم والتكوين والتشغيل والصحة والثقافة والرياضة والحماية الاجتماعية والمشاركة المواطنة وغيرها من المجالات. ولذلك، فإن بناء سياسة وطنية مندمجة للشباب يستدعي إرادة سياسية على مستوى حكومي عالٍ، وآليات مؤسساتية قادرة على التنسيق والتحكيم وتتبع الالتزامات وتقييم الأثر، في إطار قيادة حكومية واضحة، بما يضمن توزيع المسؤوليات بين المتدخلين وعدم تركيز أعباء السياسة الوطنية للشباب داخل قطاع واحدلا تسمح اختصاصاته القيام بذلك وغير مسنود بإرادة سياسية داعمة.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في مطالبة قطاع الشباب بأن يفعل كل شيء، بل في تمكينه من القيام بما أُسند إليه على الوجه الأمثل، وتحديد ما يتعين أن ينجزه بنفسه، وما ينبغي أن ينجزه بشراكة مع غيره، وما يتطلب قرارات وتدخلات تتجاوز مستواه القطاعي. فبين احترام الاختصاصات القانونية والاضطلاع بالمسؤولية السياسية المشتركة، تتحدد شروط بناء سياسة عمومية للشباب أكثر انسجاماً وواقعية وفعالية، قادرة على الانتقال من تعدد التدخلات إلى وحدة التوجه، ومن تضخم الأدوار إلى وضوح المسؤوليات، ومن استنزاف الإمكانات الى احداث تحول نوعي في مجال سياسة الشباب.






