من مصلحة الدولة، إن كانت تؤمن حقاً بالتعددية الفكرية والسياسية؛ أن تكون لها وكالة أخبار شبه مستقلة على الأقل؛ داعمة بشكل من الاشكال للمجهود الوطني لصناعة إعلام بعيد بمسافة ما عن الطابع الرسمي الذي دأبت عليه الوكالة الرسمية الحالية (لاماب)، منذ انتزاعها بالتأميم القسري من مؤسسها ومديرها الأول الراحل المهدي بنونة؛ على أثر فشل المحاولة الانقلابية في يوليوز عام 1971. وكانت في زمانها سباقة ورائدة، متصدية بذكاء لتغول السلطة إلى أن استسلمت لها.
كثير من الدول تعتمد هذه الثنائية في وكالات الأنباء، من خلال الاشتغال والمناورة على خطين تحريرين متكاملين ومتقابلين، دون تعارض حاد بينهما. نافذة تستعملها في التعبير عن الموقف الصريح حيال القضايا التي يلزم فيها تنوير الرأي العام في الداخل أو الخارج؛ على غرار النهج الذي تسلكه إسبانيا، على سبيل المثال، وهي تتوفر على وكالتين كبيرتين: إيفي (EFE) الرسمية الخالصة ونظيرتها "أوروبا برس" شبه الخاصة، المحاذية للتوجه الرسمي للدولة؛ فضلاً عن منابر ومؤسسات ومنصات متعددة الانتماء؛ تصب إنتاجها في نهر الإعلام المتدفق بجارتنا الإيبرية؛ يعكس تعددية مفرطة ذات خلفيات وارتباطات مهنية وتجارية، تتيح للمستهلك المقارنة والتدقيق بين مستويات الخطاب الإعلامي؛ بدل سجنه في زاوية وحيدة، مختصة في ترويج إعلام بيروقراطي غير مقنع حتى للعاملين فيه.
واجه المغرب، منذ عقود، أزمات وتحديات كبيرة، تبين له من خلالها؛ أنه أعزل من السلاح الإعلامي المقنع والمؤثر، القادر على تعبئة الرأي العام الوطني أولاً، وحث المواطنين على الالتفاف حول خطوط الدفاع عن المصالح العليا للأمة.
لا بد من الجهر والتحذير بأن إعلامنا في وضعه الراهن مهدد بالاندثار؛ أمام غزوات الإعلام البديل، الصادم بجرأته واندفاعه؛ وأيضاً بتخطيه لخطوط وحدود الموضوعية وأخلاقيات النزاهة.
في غضون الأزمة الأخيرة مع إسبانيا، وما أعقبها من حراك سياسي في المجتمع، لم يوفر الإعلام الوطني بألوانه قدراً متواضعاً من المواكبة المعنية المبتغاة؛ ببعديها التحفيزي والتوعية الناضجة بالأخطار والتحديات.
ليست هذه دعوة للاستغناء عن الوكالة الرسمية، أو الانتقاص من العاملين فيها؛ ولكن المقصود أساساً وعاجلاً أمران: التخفيف من القيود البيروقراطية على الوكالة، وتحفيز العاملين النابهين للمخاطرة بركوب المصاعب من أجل خدمة صحافية، دون خوف، جيرة بالثناء والقدرة على الانتشار والإقناع.
آن الأوان للتفكير في تأسيس إعلام مواز ومواكب، ذي مصداقية واستقلال عن الزيف والمغالطات والشعبوية الضارة.
بإمكان الدولة الإسهام، وليس وزارة الاتصال، بالتشجيع المادي والمعنوي، لزرع نبت جديد في حقلنا الإعلامي، عبر صيغ شراكات مرنة، توفق بين النفع العام والخاص، لتطوير المهنة واستمالة الرأي العام المحاصر بالعروض البالية.
هذا خيار مستقبلي، جدير بالبحث والتأمل، من طرف أولي الألباب: دولة وفاعلين ومؤسسات الرأي العام الوسيطة.






