سياسة واقتصاد

رسالة مفتوحة إلى إسبانيا

عيسى بابانا العلوي (عالم في العلوم السياسية، ومؤرخ، وأستاذ باحث)

سبتة ومليلية على محك التاريخ والقانون: من أجل حقيقة تاريخية في خدمة المستقبل الإسباني المغربي


إلى الملك فيليبي السادس، ومؤسسات المملكة الإسبانية، والمسؤولين السياسيين، والمؤرخين، والأكاديميين، والمثقفين، والشعب الإسباني.


بقلم: عيسى بابانا العلوي


عالم في العلوم السياسية، ومؤرخ، وأستاذ باحث.


السيدات والسادة، أصدقائي الإسبان الأعزاء،


هناك ظروف قد يتحول فيها صمت المؤرخ، حتى وإن كان يمتلك المعارف والأدوات اللازمة لتوضيح النقاش العام، إلى شكل من أشكال التنصل من مسؤوليته الفكرية.


كما أن هناك تصريحات تتجاوز أبعادها السياسية المباشرة لتلامس ذاكرة الشعوب، وتعيد إحياء الخلافات المرتبطة بالماضي، وتدفع إلى التساؤل بشأن العلاقات المعقدة بين التاريخ والقانون والواقع الترابي الموروث عن القرون الماضية.


لا يمكن أن يكون التاريخ ملكية حصرية لأولئك الذين ورثوا معالمه وآثاره وأرشيفه أو الروايات السائدة بشأنه. فهو ملك لكل من يقبل إخضاعه للفحص النقدي للوقائع والوثائق والعقل.


في كتابه السيري «ذاكرة ملك»، قال الراحل الحسن الثاني: «التاريخ سيدة عظيمة لا تحتاج، والحمد لله، إلى وصيفات يضعن لها مساحيق التجميل لتبدو أكثر جمالاً. فهو يظل دائماً تاريخاً، ويعرف كيف يظهر كما ينبغي، ومتى ينبغي، وأين ينبغي».


وسأدعوه، إذن، إلى الظهور كما ينبغي، وفي المكان والوقت المناسبين، اليوم، في تاريخ سبتة ومليلية الذي يجب أن يُروى كما هو.


تأتي زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة، يوم 13 أكتوبر 2026، تليها زيارة مليلية، في سياق بالغ الحساسية للعلاقات الإسبانية المغربية. وعندما أكد العاهل الإسباني أن المدينتين تشكلان جزءاً لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الإسباني، وأن سيادة إسبانيا ووحدتها الترابية «ليستا قابلتين للتفاوض أو النقاش»، عبّر عن موقف رسمي أحترم دلالته المؤسساتية، لكنني أعترض على اعتباره موقفاً نهائياً، حين يُراد له أن يحسم، بمجرد قوة التصريح، قضية تاريخية وقانونية ما تزال في صلب المطالبة المغربية.


لا أكتب هذه الرسالة للطعن في حق سكان سبتة ومليلية في الكرامة والأمن واحترام قناعاتهم.


ولا أتجاهل واقعهم اليومي أو الروابط الإنسانية التي تجمعهم بالمجتمع الإسباني.


كما أنني لا أسعى إلى وضع الشعبين المغربي والإسباني في مواجهة بعضهما، فالقرب الجغرافي والتاريخ المشترك والمصالح المتبادلة بينهما ينبغي أن تشكل أسباباً إضافية للحوار الصريح.


أكتب لأنني مؤرخ، ولأنني متمسك بحقيقة الوقائع؛ ولأنني أعتقد أن الإسبان في حاجة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى معرفة التاريخ الحقيقي، التاريخي والسياسي، لسبتة ومليلية؛ ولأنني أرى أن القضايا الترابية لا ينبغي أن تكون بمنأى عن الفحص التاريخي والقانوني؛ ولأنني ما زلت مقتنعاً بأن الصداقة الحقيقية بين دولتين متجاورتين لا يمكن أن تقوم على نسيان خلافاتهما.


لذلك، فإن هذه الرسالة ليست موجهة ضد إسبانيا باعتبارها شعباً، ولا ضد عاهلها باعتباره شخصاً. إنها موجهة إلى إسبانيا بكاملها، بمختلف مؤسساتها وتوجهاتها السياسية والتيارات الفكرية التي تزخر بها. فقضية تمس ذاكرة دولتين ومستقبلهما لا ينبغي أن تُترك حبيسة التصريحات الرسمية وحدها، أو رهينة الانفعالات الحزبية، أو أسيرة القراءات الانتقائية للماضي.


أتمنى أن يُفهم هذا النداء باعتباره دعوة إلى الحقيقة التاريخية، والوعي القانوني، والشجاعة السياسية.


مغربية سبتة ومليلية غير القابلة للتصرف: ثمانية قرون من السيادة


من خلال التمسك بالرغبة في الحفاظ على «علاقات حسن الجوار مع المملكة المغربية»، مع وصف وجود الملكية الإسبانية بأنه واقع وطني «لا يتجزأ»، اختارت قمة الدولة الإسبانية تقديم لغة الحزم السياسي على حساب الحقيقة التاريخية.


غير أن الدبلوماسية والقانون والضمير الفكري لا يمكنها التكيف مع رؤية أحادية الجانب لـ«حسن الجوار»، تتجاهل وجود نزاع ترابي رئيسي ومستمر. فمطالبة المغرب بحسن النية، على أساس احترام حدود موروثة عن الحقبة الاستعمارية، مع رفض مطالبه السيادية المشروعة جملة وتفصيلاً، تشكل تناقضاً جيوستراتيجياً عميقاً.


إن الأزمات المتكررة المرتبطة بالهجرة ليست مجرد حوادث تتعلق بالأمن الخارجي، بل تمثل تجليات ملموسة وأعراضاً حتمية لاختلال جغرافي وتاريخي، يتمثل في استمرار وجود حدود أوروبية فوق القارة الإفريقية.


إن الادعاء بأن السيادة الإسبانية أمر «بديهي» يعني تجاهل القرون الطويلة من التاريخ التي سبقت التوسع الإيبيري بصورة متعمدة. فلا يمكن بناء ثقة متبادلة ودائمة من خلال تكريس الأمر الواقع الاستعماري، واختزال تعقيدات نزاع ممتد لقرون في معادلة بسيطة تتعلق بالمراقبة الأمنية.


وأمام التأكيد على إسبانية المدينتين باعتبارها حقيقة ثابتة لا تتغير، تفرض الصرامة الأكاديمية التذكير بأن ذاكرة الأرض تتجاوز المعاهدات الظرفية، وأن ارتباط سبتة ومليلية بالمجال المغربي يعود إلى قرون سبقت حتى وجود التاج الإسباني بصيغته التاريخية المعروفة.


إن الحجة السياسية التي تسعى إلى فرض الأمر الواقع من خلال منظور الاستعجال المعاصر تصطدم بحقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن مغربية سبتة ومليلية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنشأة الدولة المغربية نفسها.


فالتاريخ لم يبدأ مع الغزو الأوروبي في القرن الخامس عشر، إذ سبقت الفتوحات الأوروبية قرابة تسعة قرون من الاستمرارية الترابية المغربية. ولم تنقطع هذه السيادة الأصلية والمستمرة، وفق قراءة صاحب الرسالة، إلا بفعل موجات متعاقبة من الغزو الاستعماري.


وعندما استولت البرتغال على سبتة سنة 1415، في ظل عجز المرينيين عن منع ذلك، لم تكن قد انتهكت الأرض المغربية فحسب، بل ساهمت أيضاً في إثارة الأطماع الإسبانية التي امتدت إلى مليلية سنة 1497.


وبلغت هذه العملية ذروتها سنة 1580، حين استغلت مدريد تداعيات الاتحاد الإيبيري، الذي وقع بعد عامين فقط من الهزيمة البرتغالية التاريخية أمام الجيوش المغربية في معركة وادي المخازن، المعروفة أيضاً بمعركة الملوك الثلاثة، لتنتزع سبتة من البرتغال.


ومع ذلك، لم ينتظر الأمر سوى سنة 1668، بعد أفول الدولة السعدية ومرور ثمانية وثمانين عاماً على فرض الأمر الواقع، حتى كرّست معاهدة لشبونة رسمياً انتقال المدينة إلى التاج الإسباني. وبالتالي، لم تصبح سبتة إسبانية بمجرد فعل غزو إسباني سنة 1580.


وعند العودة إلى الروابط التاريخية والترابية والاستراتيجية التي جمعت مدن الشمال بالسلطة المغربية، يتضح أن قضية المدينتين لا يمكن تناولها بصورة جدية من دون مراعاة أصولهما، وبيئتهما الاجتماعية والثقافية، وموقعهما ضمن المجال السياسي المغربي، وتطور السلطات التي تعاقبت على الساحل الشمالي لإفريقيا.


لكن ما أعترض عليه أساساً هو محاولة تحويل استمرار الوجود في منطقة ما إلى حقيقة تاريخية مطلقة، ثم استخدام هذه الحقيقة المفترضة حجةً لمنع أي تساؤل بشأن الأصول والشرعية الترابية المغربية.


فقدم الحيازة لا يعفي المؤرخ من دراسة ظروف اكتسابها، واستمرار الإدارة لا يمحو ذكرى الغزو، كما أن مرور الزمن لا يمكن أن يشكل، بمفرده، دليلاً تاريخياً كافياً.


ولا أدعي أن مؤرخي العالم أجمع قد تبنوا تفسيراً واحداً لكل مرحلة من مراحل هذا التاريخ. لكنني أؤكد أن أي دراسة جادة لسبتة ومليلية لا يمكن أن تتجاهل تاريخ المغرب وسلالاته الحاكمة ومطالبه وجهوده الرامية إلى الحفاظ على وحدته الترابية.


المقاومة المغربية: استمرارية تاريخية جرى تهميشها في كثير من الأحيان


منذ التوسع البرتغالي والإسباني على السواحل المغربية، حاول السلاطين المغاربة، في مراحل مختلفة، مقاومة احتلال الأراضي التي كانوا يعتبرونها جزءاً من تراثهم الوطني.


ولم تتخل الدولة الشريفة، وفق هذا الطرح، عن مطالبها، بل جعلت مقاومة الاحتلال وتحرير سواحلها توجهاً دائماً من توجهات الدولة.


ويشهد على ذلك الانتصار العسكري الذي حققه السلطان العلوي مولاي إسماعيل، حين حرر طنجة سنة 1684 بعد ربع قرن من الاحتلال الإنجليزي، فضلاً عن استعادة العرائش والمهدية، وهي أحداث تدل على أن المغرب لم يستسلم.


وبالنظر إلى قرب سبتة الجغرافي، إذ لا تبعد عن طنجة سوى 45 كيلومتراً في خط مستقيم، فقد شكلت أولوية مطلقة، غير أن اختلال التوازن الجيوستراتيجي أمام القوى البحرية الأوروبية حال تاريخياً دون تحريرها بصورة نهائية.


ومع ذلك، تسجل الكتابات التاريخية حصيلة من المقاومة شملت أكثر من عشرة حصارات وحملات عسكرية واسعة النطاق، أبقت الضغط قائماً على القوة المحتلة، ومن أبرزها:


- الحصار الكبير لسبتة (1694–1727): حرب استنزاف قاسية استمرت أكثر من ثلاثين عاماً، أشرف عليها مولاي إسماعيل، وشكلت أحد أطول الحصارات في التاريخ الحديث. غير أن الحصار لم يؤد إلى استعادة المدينة، خصوصاً بسبب موقعها البحري الذي أتاح للحامية الإسبانية تلقي التعزيزات والإمدادات.


- حصارا مليلية (1697 و1774): هجمات واسعة النطاق، خصوصاً في عهد السلطان مولاي محمد بن عبد الله، شارك فيها جيش ضخم قوامه 40 ألف رجل، مدعوماً بمدفعية ثقيلة.


- هجمات مولاي عبد الله (1732) ومولاي اليزيد (1790): عمليات قصف وهجمات مباشرة منتظمة، اعتبرها الكاتب دليلاً على استمرار رفض الوجود الأجنبي.


- حرب تطوان (1859–1860): مواجهة كبرى في عهد السلطان محمد الرابع، اندلعت إثر مقاومة القبائل المحلية، وعكست، بحسب الكاتب، تداخل الإرادة الشعبية مع السلطة الملكية.


تستحق هذه الملاحم المرتبطة بالصمود والدفاع أن تُستحضر من جديد. فهي تظهر أن تاريخ الساحل الشمالي للمغرب ليس تاريخ استسلام دائم للوجود الأوروبي، بل هو أيضاً تاريخ الصمود واستعادة الأراضي والمثابرة السياسية.


وسيكون من الظلم التاريخي اختزال هذه الإخفاقات في قبول مغربي مفترض بالوضع القائم. ففشل محاولة التحرير لا يعني التخلي عن المطالبة، والعجز عن هزيمة قوة احتلال لا يحول الغزو، بأثر رجعي، إلى فعل رضائي.


ولا أستحضر هذه الأحداث لتمجيد الحرب أو الدعوة إلى المواجهة، بل لأنها جزء من التاريخ، ولأن التاريخ ينبغي أن يُروى كاملاً، حتى عندما يزعج الروايات الوطنية المستقرة.


كما لا أسعى إلى الادعاء بأن جميع الحملات العسكرية المغربية كانت لها الأهداف نفسها أو النتائج ذاتها أو الدلالة القانونية نفسها. وإنما أريد الإقرار بحقيقة أساسية، وهي أن السلاطين المغاربة لم يخرجوا سبتة ومليلية ببساطة من حساباتهم السياسية.


أتفهم أن رئيس دولة قد يرغب في التعبير عن دعمه لسكان منطقة تديرها بلاده، خصوصاً عقب أحداث مأساوية. لكن من الضروري أيضاً الاعتراف بأن زيارة ملكية إلى منطقة تنازع دولة مجاورة في سيادتها تحمل بالضرورة أبعاداً سياسية ورمزية.


وفي السياق المغربي، كان من الممكن النظر إلى هذه الزيارة باعتبارها إعادة تأكيد أحادية الجانب للموقف الإسباني، بما قد يجرح حساسيات تاريخية ووطنية راسخة.


ولا أدعي، من دون أدلة، أن الزيارة نُظمت بهدف استفزاز المغرب. وإنما أؤكد أن على المسؤولين السياسيين تقدير الأبعاد التي قد تكتسبها خطواتهم وتصريحاتهم عندما تتعلق بقضايا شديدة الحساسية.


وتحتل الملكية الإسبانية موقعاً دستورياً خاصاً، يختلف عن موقع الحكومة والأحزاب السياسية. ولذلك، سيكون من غير المنصف تحميل حزب معين مسؤولية الزيارة أو كل التصريحات المرتبطة بها من دون أدلة موثوقة.


لكن من المشروع مطالبة المسؤولين السياسيين، سواء في الأغلبية أو المعارضة، بعدم تحويل التوترات الترابية والهجرة إلى أدوات للتنافس الحزبي.


إن كرامة السكان، وتدبير الهجرة، وأمن الحدود، والقضية التاريخية المتعلقة بالسيادة، موضوعات منفصلة ينبغي عدم الخلط بينها. فمعاناة ضحايا أزمة الهجرة تستوجب الاحترام والتعاطف، لكنها لا ينبغي أن تستخدم لإغلاق نقاش تاريخي من طبيعة مختلفة.


وبالمثل، لا ينبغي أن تتحول الصعوبات المرتبطة بالهجرة إلى ذريعة لاختزال العلاقات المغربية الإسبانية في منطق انعدام الثقة. فالبلدان يحتاج أحدهما إلى الآخر في مجالات الأمن والتجارة وتنقل الأشخاص والتعاون الإقليمي واستقرار مضيق جبل طارق.


ولهذا تحديداً، ينبغي أن ترافق الحزم في المواقف الوطنية حكمة دبلوماسية.


فمن الممكن دعم سكان سبتة ومليلية مع الاعتراف بأن المغرب يحمل مطالبة تاريخية مشروعة.


ومن الممكن الدفاع عن المصالح الوطنية من دون التخلي عن الحوار.


سنة 1975: مسار دبلوماسي سبق المسيرة الخضراء


من أهم عناصر هذا الملف، والتي لا تزال غير معروفة بما يكفي لدى الرأي العام، أن المغرب شرع في مسار دبلوماسي دولي بشأن الثغور الواقعة على ساحله الشمالي قبل المسيرة الخضراء في نوفمبر 1975.


ففي 27 يناير 1975، وجّه الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة رسالة إلى رئيس اللجنة الخاصة المكلفة بدراسة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، تناول فيها الوضع الاستعماري الذي رأى المغرب أنه ما يزال قائماً في بعض أجزاء أراضيه. وسُجلت الوثيقة تحت الرقم A/AC.109/475.


وفي هذه المبادرة، اعتبر المغرب سبتة ومليلية وجزر الحسيمة وصخرة باديس وجزر شافارين بقايا للهيمنة الاستعمارية الإسبانية، وطالب بدراسة وضعها في إطار أعمال الأمم المتحدة المتعلقة بإنهاء الاستعمار.


وفي 21 فبراير 1975، اعتمد مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية القرار CM/Res.389 (XXIV)، المعنون «قرار بشأن الثغور الاستعمارية على الساحل الشمالي للمغرب».


وعبّر القرار عن تضامنه مع المملكة المغربية، وطالب اللجنة المختصة التابعة للأمم المتحدة بالشروع في الإجراءات المناسبة، كما دعا إسبانيا إلى تسريع عملية إنهاء الاستعمار وبدء المفاوضات مع المغرب.


وتُعد هذه الوثائق أدلة تاريخية ودبلوماسية قابلة للتحقق. وهي تثبت أن المطالبة المغربية طُرحت على الساحة الدولية منذ مطلع سنة 1975، أي قبل أشهر عدة من المسيرة الخضراء.


وبناءً على ذلك، يكون المغرب قد تقدم رسمياً بمطالبته، وعرض أسسها التاريخية والسياسية، وطلب فتح مسار دولي لإنهاء الاستعمار.


ومن ثم، سيكون من غير الدقيق تقديم هذا الملف باعتباره مطالبة مرتجلة أو ظهرت تبعاً للظروف السياسية. فهو يندرج ضمن مسار دبلوماسي واضح وموثق، سبق أحداث نوفمبر 1975.


ولهذا، تقتضي الحقيقة التاريخية دراسة هذه الوثائق، والاعتراف بدلالتها، وعدم اختزالها في مجرد تصريحات لا أهمية لها.


القانون الدولي: قضية تستحق أكثر من الرفض القاطع


تستند إسبانيا إلى السيادة التي تمارسها على سبتة ومليلية، وإلى وضعهما ضمن نظامها الدستوري، وإلى عدم إدراجهما في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.


لكن هذا الواقع لا يعفي من دراسة الحجج المغربية. فعدم إدراج إقليم ما في القائمة الأممية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لا يمكن أن يتحول، بمفرده، إلى برهان شامل يمنع أي نقاش تاريخي أو سياسي أو دبلوماسي بشأن وضعه.


إن هذا الأمر يشكل عنصراً مهماً في الإطار المؤسساتي الدولي، لكنه لا يقدم تلقائياً إجابات عن جميع الأسئلة المتعلقة بتاريخ اكتساب إقليم ما، أو مطالبات دولة مجاورة، أو إمكانية إجراء مفاوضات ثنائية.


وفي هذا الصدد، تستحق المقارنة مع هونغ كونغ أن تُدرس بقدر من التبصر. فلم يكن الإقليم مدرجاً في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي عند إعادته إلى الصين سنة 1997، بعد مفاوضات بين لندن وبكين وفي إطار اتفاقيات محددة.


فلماذا ما كان مقبولاً بالنسبة إلى الصين بشأن هونغ كونغ لا يمكن أن يكون مقبولاً اليوم بالنسبة إلى المغرب بشأن سبتة ومليلية؟


وتذكرنا حالة هونغ كونغ، في جميع الأحوال، بحقيقة دبلوماسية واضحة: إن عدم إدراج إقليم في قائمة دولية لا يجعل كل تفاوض بشأنه مستحيلاً في حد ذاته.


فبإمكان الدول أن تختار معالجة قضية ترابية عبر الحوار أو التفاوض أو ترتيبات متفق عليها، وفقاً للظروف والقانون الواجب التطبيق.


ومن هنا يظل سؤال مشروع قائماً: لماذا ترفض إسبانيا التفكير في أي نقاش مع المغرب بشأن هاتين المدينتين، رغم أن العلاقات الثنائية يفترض أن تستمر على المدى الطويل، وأن البلدين لديهما مصلحة في الحفاظ على استقرار الجوار؟


إنه سؤال وجودي أطرحه على نفسي بصفتي عالماً في العلوم السياسية ومؤرخاً في الوقت ذاته.


ولا أدعي أن التفاوض يحدد نتيجته مسبقاً، أو أنه يفرض على أحد الطرفين التخلي فوراً عن موقفه. فالتفاوض لا يعني الاستسلام، والحوار لا يعني التنازل، ودراسة مطالبة لا تعني قبولها مسبقاً.


وما ينبغي أن يكون قابلاً للتفاوض، في الحد الأدنى، هو إمكانية الحوار نفسها، ودراسة الحجج، والبحث عن سبل سلمية للتفاهم.


ويكرس ميثاق الأمم المتحدة مبدأ التسوية السلمية للنزاعات، وهذا أمر معروف. وهو لا يلزم الدول بتبني القراءة التاريخية نفسها، وهذا معروف أيضاً، لكنه يلزمها بالبحث عن وسائل سلمية لمعالجة خلافاتها، وفقاً لالتزاماتها الدولية.


لذلك، أدعو المسؤولين الإسبان إلى عدم الخلط بين تأكيد موقف وطني وبين إثبات أنه غير قابل للمراجعة في جميع السياقات التاريخية والدبلوماسية. فالتصريح السياسي، مهما بلغت رسميته، لا يمكن أن يحل محل دراسة الحجج.


من عقيدة التقادم إلى ضرورة إنهاء الاستعمار: المفارقة القانونية للثغور في القرن الحادي والعشرين


إلى جانب الشرعية التاريخية، يصطدم الوضع الحالي لسبتة ومليلية، بحسب الكاتب، بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي الحديث.


فعندما تحاول المؤسسات الإسبانية تثبيت مصير هذين الإقليمين باعتبارهما تابعين لها بصورة أبدية، فإنها تواجه حق الشعوب في وحدتها الترابية بعقيدة متقادمة، قوامها الأمر الواقع الاستعماري والتقادم التاريخي.


إن موقف مدريد، الذي يحاول إدراج الثغرين ضمن مجرد «جماعات ذات حكم ذاتي» إسبانية، على غرار الأندلس وغاليسيا، يستند إلى تصور قانوني داخلي لا يمكن أن يكون ملزماً للنظام الدولي.


فالجغرافيا السياسية لها منطقها الخاص: سبتة ومليلية ليستا امتداداً طبيعياً لشبه الجزيرة الإيبيرية، بل منطقتان ذات جذور استعمارية مغروستان في القارة الإفريقية.


وبالاستناد إلى ميثاق الأمم المتحدة والقرار الشهير رقم 1514 (الدورة الخامسة عشرة) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن الوحدة الترابية للدول لا ينبغي أن تُمس جزئياً أو كلياً من خلال استمرار وجود مواقع استعمارية.


كما أن القول إن هذين الإقليمين اكتُسبا قبل نشوء القانون الدولي الحديث لا يضفي الشرعية على استمرار الوضع، بل يبرز، وفق هذا الطرح، طابعه المتجاوز لزمنه.


ومن المناسب تذكير الأوساط العلمية والسياسية الإسبانية بالمبدأ القانوني الأساسي المعروف باسم «Juris et de jure»، أي القرينة القانونية القاطعة، وبأن أي احتلال، مهما طال أمده، لا يمكن أن يحوّل وضعاً نشأ عن ظلم أصلي إلى حق سيادي مشروع، ما دامت الدولة التي تعتبر نفسها متضررة لم تتوقف عن إبداء اعتراضها.


وقد واصل المغرب، عبر المعاهدات والسلاح والدبلوماسية، الاعتراض على هذا الوجود الأجنبي في واجهته الشمالية.


وفي عصر العولمة والشراكات الاستراتيجية الأوروبية الإفريقية، يشكل استمرار الحدود المحصنة، التي تحولت إلى مناطق للعسكرة والانقسام الإنساني، اختلالاً بنيوياً.


فلا يمكن الدعوة بجدية إلى بناء فضاء للازدهار المشترك في البحر الأبيض المتوسط، مع التشبث ببقايا ترتيبات قانونية تعود إلى معاهدة لشبونة سنة 1668 أو معاهدة واد راس سنة 1860، اللتين أُبرمتا تحت ضغط القوة العسكرية.


وليس الهدف من القانون الدولي الحديث تكريس الاختلالات الاستعمارية إلى الأبد، بل توفير إطار سلمي لحلها عبر الحوار والاعتراف بالسيادات المشروعة.


عدم التماثل في الموقف الإسباني: جبل طارق مرآة للتناقض


لا يمكن تحليل موقف إسبانيا من سبتة ومليلية دون مقارنته بخطابها بشأن قضية جبل طارق. وهنا يكمن تناقض جيوسياسي وفكري واضح لا يمكن للمثقفين والقانونيين على ضفتي المتوسط تجاهله.


فمنذ إبرام معاهدة أوترخت سنة 1713، لم تتوقف مدريد عن المطالبة أمام المجتمع الدولي والأمم المتحدة باستعادة صخرة جبل طارق، استناداً إلى مبدأ الوحدة الترابية.


وأمام اللجنة الخاصة المعنية بإنهاء الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، والمعروفة باسم لجنة الأربعة والعشرين، تدافع الدبلوماسية الإسبانية باستمرار وحزم عن موقف واضح، مفاده أن السيادة البريطانية على جبل طارق تمثل خرقاً متقادماً للوحدة الجغرافية لإسبانيا وبقايا استعمارية لا ينبغي أن تستمر في القرن الحادي والعشرين.


كما تؤكد مدريد أن حق سكان جبل طارق في تقرير المصير لا ينبغي أن يتقدم على حق الدولة الإسبانية في استعادة وحدتها الترابية.


لكن عندما تتجه الأنظار إلى الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ينهار هذا المبدأ الذي تدافع عنه إسبانيا بشدة تحت وطأة ازدواجية معايير يصعب تبريرها.


فكيف يمكن للتاج والمؤسسات الإسبانية أن تؤكد في نيويورك أن الوجود البريطاني في جبل طارق يمثل اقتطاعاً استعمارياً من أراضيها، بينما تصر في سبتة ومليلية على أن استمرار وجود ثغور أوروبية في الأراضي الإفريقية واقع «لا يقبل النقاش أو التفاوض»؟


إن الحجج التي تستند إليها مدريد لتبرير إسبانية سبتة ومليلية، مثل الاستمرارية التاريخية والمعاهدات القديمة والخصوصية الدستورية المحلية، تشبه إلى حد كبير الحجج التي تستخدمها لندن للحفاظ على سيادتها على جبل طارق في مواجهة المطالب الإسبانية.


وبحرمان المغرب من حق الوحدة الترابية الذي تطالب به إسبانيا لنفسها في مواجهة المملكة المتحدة، تجد مدريد نفسها في مأزق فكري وقانوني.


إن سياسة الكيل بمكيالين تضعف مصداقية الخطاب الدبلوماسي الإسباني، وتُظهر، بحسب الكاتب، أن الموقف الإسباني لا يستند إلى مبدأ قانوني عالمي، بل إلى الدفاع عن امتياز متقادم موروث عن الماضي.


من أجل حوار قائم على الحقيقة: تجاوز مفارقات الماضي لبناء المستقبل


يتجه التاريخ والقانون والجغرافيا السياسية، وفق رؤية الكاتب، نحو حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الوضع القائم حالياً في سبتة ومليلية لا يمكن أن يستمر دون أن يثير الخلافات مع بداية القرن الحادي والعشرين.


إن محاولة تثبيت المدينتين ضمن سيادة أحادية وحصرية تحكم على العلاقات المغربية الإسبانية بالاحتكاك المستمر وسوء الفهم المتبادل.


فحسن الجوار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على إنكار الحقائق التاريخية أو على تطبيق غير متكافئ للمبادئ القانونية.


ويذهب الكاتب إلى أن إجماع المؤرخين يؤكد أن إسبانيا لا تستطيع محو ثمانية قرون من السيادة المغربية الأصيلة بتصريحات أحادية الجانب.


فثغرا سبتة ومليلية لا يمكن فصلهما عن التاريخ، بل يظلان، وفق هذا الطرح، بقايا من حقبة استعمارية انقضت، ومرتبطين ارتباطاً وثيقاً بمصير المملكة المغربية ووحدتها الترابية.


ولهذا، يوجه هذا النداء إلى ضمير جميع القوى الحية في إسبانيا وعقلها، لأن الوثيقة التي تحمله تتجاوز أهميتها تاريخ إصدارها.


إلى الحكومة الإسبانية والأحزاب السياسية المعارضة


أؤكد أن عظمة الدولة لا تُقاس بقدرتها على تكريس امتيازات استعمارية موروثة عن حقبة سابقة بالقوة، بل بشجاعتها السياسية في حل النزاعات التاريخية عبر الحوار البناء.


إن المغرب وإسبانيا، باعتبارهما فاعلين رئيسيين في استقرار المنطقة الأوروبية المتوسطية، يستحقان أكثر من مقاربة أمنية ضيقة الأفق.


لقد حان الوقت لفتح مجال لمفاوضات صادقة بشأن مستقبل هذين الإقليمين، على غرار لجان التفكير التي سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن اقترح إنشاءها.


إلى المثقفين والباحثين والقانونيين والأكاديميين والصحفيين


أدعو الأوساط الفكرية الإسبانية والضمير الأخلاقي الأوروبي، وكل من يرى أن المعرفة التاريخية ينبغي ألا تظل حبيسة حدود الذاكرة الوطنية، إلى التحلي بالنزاهة الفكرية اللازمة لدراسة قضية سبتة ومليلية في كامل تعقيداتها.


اطلعوا على الأرشيف الدبلوماسي، ووثائق الأمم المتحدة، وقرارات منظمة الوحدة الإفريقية، والمصادر التاريخية المتعلقة بالسلالات المغربية، والدراسات الخاصة بالفتوحات الإيبيرية، والأبحاث التي تناولت العلاقات بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية.


لا تختزلوا المطالبة المغربية في مجرد تعبير عن نزعة قومية معاصرة. فلها تاريخها ووثائقها الدبلوماسية وأبعادها الترابية، ويمكن مناقشتها أو الاعتراض عليها أو الدفاع عنها، لكن لا يمكن تجاهلها بصورة جدية.


ويعلمنا تاريخ أوروبا نفسه أن الحدود والسيادات والاحتلالات الاستعمارية والملكيات الترابية شهدت تحولات عديدة. فقد تغير الوضع القانوني لأقاليم ظلت خاضعة لإدارة قوة معينة لفترات طويلة، وحُلّت نزاعات عبر المفاوضات، وأتاحت الاتفاقيات تجاوز صراعات كان يُعتقد أنها مستعصية على الحل.


لذلك، لا يوجد سبب فكري يمنع إخضاع سبتة ومليلية للفحص النقدي لمجرد أن وضعهما الحالي مندمج بقوة في النظام المؤسساتي الإسباني.


ويجب احترام ارتباط السكان ببيئتهم الاجتماعية والسياسية، لكنه لا يكفي وحده للإجابة عن جميع الأسئلة التاريخية والقانونية التي يثيرها المغرب.


فواقع المدينتين الإنساني والنزاع التاريخي المتعلق بهما ينبغي تناولهما باحترام، من دون استخدام أحدهما لمحو الآخر.


إلى مؤرخي البلدين


أوجه دعوة إلى إجراء مقارنة علمية بين المصادر والتفسيرات التاريخية.


إنكم، بصفتكم حراس المنهج النقدي والحقيقة الوثائقية، تتحملون مسؤولية علمية تتمثل في تفكيك الروايات الوطنية الإقصائية.


إن الاعتراف بثمانية قرون من السيادة المغربية السابقة للاحتلال، والإقرار بالتناقض الواضح مع الموقف الإسباني بشأن جبل طارق، ليس اعترافاً بالضعف، بل هو فعل من النزاهة الفكرية الضرورية لوضع أسس فضاء أكاديمي مشترك يسوده الهدوء.


وأقول لزملائي الإسبان على وجه الخصوص: إن الصداقة الفكرية بين شعبينا لا تُقاس بقدرتنا على تجنب القضايا الحساسة، بل بشجاعتنا في تناولها من دون تزوير أو ازدراء أو خوف من الاختلاف.


وأدعوهم إلى تجاوز الروايات التي تقدم الوجود الإسباني باعتباره حقيقة أزلية، وتحول موقفاً وطنياً إلى حقيقة عالمية لا تقبل النقاش.


فهذا النهج لا يخدم البحث التاريخي ولا التقارب بين بلدينا.


إلى الشعب الإسباني


أطلب منكم النظر إلى أن إعلان عدم قابلية سبتة ومليلية للتفاوض لا يمكن أن يحل محل الحوار الذي يحتاج إليه البلدان.


وبناءً على ذلك، أدعو إلى عدم الخلط بين انتقاد موقف دولة وبين العداء لشعب مجاور تربطه بالمغرب علاقات تاريخية عريقة.


إن الحدود المحصنة والأسلاك الشائكة والعسكرة في سبتة ومليلية لا تعكس نبل ثقافتكم ولا تطلعات أوروبا الحديثة التي تتجه نحو التنمية المشتركة مع إفريقيا.


فالأمن والازدهار المشتركان لن يتحققا عبر الفصل المصطنع، بل من خلال الاعتراف المتبادل بالسيادات والاحترام الدقيق للوحدة الترابية لكل طرف.


يتقدم التاريخ بلا هوادة، وتنتهي البقايا الاستعمارية في نهاية المطاف أمام حقائق الأرض وعدالة الزمن.


إن إسبانيا والمغرب يجمعهما مصير جغرافي واستراتيجي مشترك. ومن خلال اختيار الحقيقة التاريخية والشجاعة الدبلوماسية بدلاً من التمسك بالأمر الواقع، سيتمكن البلدان من تكريم ماضيهما وتقديم نموذج للأجيال المقبلة عن تحالف تاريخي تحرر نهائياً من رواسب الماضي.


إلى المغرب، وطني


أتمنى أن يستمر الدفاع عن مطالبه المتعلقة بسبتة ومليلية والجزر المحيطة بهما مستنداً إلى البحث والتوثيق والصرامة القانونية والثبات الدبلوماسي.


ليس الهدف فرض الصمت على أحد الطرفين، ولا الادعاء بأن رسالة مفتوحة قادرة، بمفردها، على حل نزاع قديم.


إن الهدف هو التذكير بأن أي موقف رسمي لا ينبغي أن يعفي الدول من بذل الجهد اللازم للوصول إلى الحقيقة.


فقوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن موقفها، بل أيضاً بقدرتها على مواجهة الأسئلة التي يثيرها ذلك الموقف.


لذلك، أتمنى أن تُستقبل هذه الرسالة لا باعتبارها إساءة أو تدخلاً، بل بوصفها دعوة إلى التفكير.


وأن يواصل المؤرخون الإسبان والمغاربة أبحاثهم من دون رقابة ذاتية.


وأن يتجنب المسؤولون السياسيون في البلدين التصعيد والمزايدات.


وأن يحافظ الدبلوماسيون على قنوات الحوار مفتوحة.


وأن يتمكن شعبا البلدين من تصور مستقبلهما المشترك دون أن يكونا محكومين بإعادة إنتاج صمت الماضي وسوء الفهم المرتبط به إلى ما لا نهاية.


ما زلت مقتنعاً بأن الصداقة بين المغرب وإسبانيا لا ينبغي أن تُبنى ضد التاريخ، بل بالاستناد إليه؛ لا على محو الخلافات، بل على دراستها بوعي وموضوعية.


يرتبط المغرب وإسبانيا بالجغرافيا والتاريخ والتبادلات الإنسانية والاقتصادية الكبيرة، فضلاً عن المسؤوليات المشتركة في جوارهما المتوسطي.


إن التعاون بينهما ضروري، والحفاظ عليه يستحق بذل جهود صادقة من الجانبين.


لكن متانة العلاقات الثنائية لا تعتمد على محو الخلافات، بل على قدرة البلدين على الاعتراف بها ومعالجتها بوعي، وتجنب تحولها إلى بؤر دائمة لانعدام الثقة.


ولا ينبغي استغلال المطالبة المغربية بشأن سبتة ومليلية لتغذية العداء بين الشعبين، كما لا ينبغي تهميشها وإسكاتها باسم صداقة تُحدد حدودها مسبقاً.


فالصداقة الحقيقية لا تطلب من أحد الشريكين التخلي عن ذاكرته من أجل طمأنة الآخر.


لا أدعو إلى القطيعة ولا إلى التصعيد. إنني أطلب ببساطة الاعتراف بالتاريخ باعتباره مجالاً مشروعاً للتفكير، وتوظيف القانون بدقة، والحفاظ على انفتاح الدبلوماسية على دراسة الخلافات.


وباسم هذا الاقتناع أكتب هذه الرسالة.


فالتاريخ ليس ملكاً حصرياً للمنتصرين بالأمس، ولا للمؤسسات القائمة اليوم. إنه ملك للبحث والحوار وضمير الشعوب.


وتفضلوا، السيدات والسادة، بقبول فائق تقديري الفكري وتمسكي بمستقبل إسباني مغربي يقوم على الحقيقة والاحترام والحوار.