وخطابا مختلفين؟
يبدو أن الأحرار يدخلون هذه المرحلة من موقع حزب وجد نفسه خارج دائرة التدبير الحكومي أكثر مما اختار المعارضة بإرادته السياسية. وهذا المعطى يمنح تصريحات قيادته بشأن معارضة قوية ومسؤولة دلالة خاصة، إذ إن التحدي لا يكمن فقط في التأقلم مع الموقع الجديد، بل في القدرة على تحويل الخروج من الحكومة إلى مشروع سياسي واضح، بدل التعامل معه باعتباره مرحلة انتظار إلى حين استعادة موقع داخل الحكومة. فالمعارضة التي تنبع من قناعة سياسية ورؤية بديلة تختلف، في طبيعتها ومصداقيتها، عن معارضة تفرضها التحولات في خريطة الأغلبية
لا شك أن التجربة الحكومية تمنح الحزب معرفة بآليات اتخاذ القرار والإكراهات الاقتصادية والإدارية التي تواجه السياسات العمومية. ويمكن للأحرار توظيف هذه الخبرة في مراقبة أداء الحكومة الجديدة ومساءلة اختياراتها وتقديم بدائل عملية. غير أن التدبير الحكومي يختلف عن العمل المعارض، فالأول يقوم على اتخاذ القرار وتنفيذه، بينما يتطلب الثاني مراقبته وتقييم نتائجه واقتراح بدائل مقنعة.
وتكمن المفارقة في أن الحزب الذي يستعد اليوم لمساءلة الحكومة كان إلى وقت قريب يقودها ويتحمل مسؤولية سياساتها. لذلك، فإن اختبار مصداقيته لن يقتصر على انتقاد اختيارات الأغلبية الجديدة، بل سيمتد إلى قدرته على مناقشة حصيلته السابقة بموضوعية، وتفسير ما تحقق وما تعثر، دون التنصل من المسؤولية السياسية. فالمعارضة الفعالة لا تبنى بمجرد تغيير الموقع، بل بالانسجام بين المواقف الحالية والممارسة السابقة.
وفي ظل استمرار انشغال المواطنين بقضايا القدرة الشرائية والشغل والصحة والتعليم، لن يكون كافيا أن يستحضر الحزب الإكراهات التي واجهته خلال تجربته الحكومية ،بل سيكون مطالبا بتقديم حلول واضحة وقابلة للتنفيذ، تثبت أن خبرته في التدبير يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة داخل المعارضة. فالمواطن ينتظر مقترحات ملموسة، لا مجرد انتقادات أو تصريحات ترفع سقف الوعود.
كما أن المعارضة المسؤولة لا تعني رفض كل ما تقترحه الحكومة، ولا الاكتفاء بانتظار تعثرها، بل تقتضي التمييز بين القرارات التي تستحق الدعم وتلك التي تستوجب النقد والتعديل، وفق معيار المصلحة العامة. ويتطلب ذلك من الأحرار تجديد خطابهم، وتقوية حضورهم الرقابي، والانفتاح على الانتظارات الاجتماعية.
إن إعلان الحزب عزمه ممارسة معارضة قوية يظل التزاما سياسيا يحتاج إلى ترجمة عملية. فقوة المعارضة لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بجودة الرقابة، ودقة المواقف، وواقعية البدائل، ومدى القدرة على إثراء النقاش العمومي. والأهم أن يثبت الحزب أن موقعه الجديد ليس مجرد استجابة لواقع سياسي لم يختره، بل فرصة لمراجعة التجربة وتجديد المشروع وإعادة بناء علاقته بالمواطنين.
وبين تجربة التدبير الحكومي ورهانات المعارضة، يواجه التجمع الوطني للأحرار امتحانا مختلفا وهو أن يوظف خبرته السابقة دون أن يتنصل من حصيلته، وأن ينتقد الحكومة الجديدة دون الوقوع في التناقض، وأن ينتقل من معارضة فرضتها توازنات الأغلبية إلى معارضة تصنعها قناعة سياسية. فالمعارضة ليست مجرد موقع خارج السلطة، بل مسؤولية سياسية قائمة بذاتها، تقاس بقدرتها على خدمة الصالح العام والاستجابة لانتظارات المواطنين.






