لم تكن شهرزاد تروي حكاياتها للتسلية، ولا لتنجو بنفسها فحسب، بل لأجل التداوي والشفاء. فالملك شهريار، الذي كان يتزوج كل ليلة عذراء ثم يأمر بقتلها مع الصباح، لم يبرأ من وحشيته بدواء الأطباء أو مواعظ الكهان، بل بالحكايات التي روتها شهرزاد ليلةً بعد ليلة، إلى أن استأنس بمتعة الحكي، واستعاد عافيته وإنسانيته في آخر الحكايات.
لم يغفل علم النفس الحديث عن القرابة بين الحكي والعلاج. ففي سنة 1907 خصّص فرويد دراسة كاملة لقصة «غراديفا» للكاتب الألماني فيلهلم ينسن، وأقرّ فيها بأن الأدباء «حلفاء ثمينون»، لأنهم يدركون أشياء كثيرة بين السماء والأرض لم نحلم بها بعد. وفي سنة 1916 نشر القسّ الأمريكي صامويل كروذرز في مجلة «أتلانتيك» مقالة بعنوان «عيادة أدبية»، نحت فيها مصطلح «العلاج بالكتب»، متخيّلًا عيادة يوصف فيها الكتاب كما يوصف الدواء. بل إن من الأطباء النفسانيين من كتب الرواية بنفسه: فإرفين يالوم، أستاذ الطب النفسي وأحد أعلام العلاج الوجودي، كتب «عندما بكى نيتشه» (1992) و«علاج شوبنهاور» (2005)، وقد أراد بهما أن يُخرج العلاج النفسي من جدران العيادة إلى عموم القرّاء.
واليوم، تنظّم مؤسسة «القارئ» في ليفربول جلسات للقراءة المشتركة، تُقرأ فيها رواية أو قصيدة بصوت مرتفع ثم يتحاور حولها الحاضرون. وقد نشرت مجلة «الإنسانيات الطبية» سنة 2012 دراسة استكشافية تابعت طوال سنة كاملة مجموعتين من هذه الجلسات تضمّان مصابين بالاكتئاب، فلاحظت تراجعًا في أعراضه. وفي 2013 صدر في بريطانيا كتاب «علاج الرواية»، وهو معجم أبجدي يصف لكل علّة من علل النفس والحياة رواية بعينها. وأخذت كليات الطب نفسها تدرّب طلبتها على القراءة المتأنية للأدب، فيما اصطلحت عليه الطبيبة والباحثة الأدبية الأمريكية، ريتا شارون، «الطب السردي» (Narrative Medicine)، وأنشأت له برنامجا خاصا وماجستير في جامعة كولومبيا، قبل أن تنتقل التجربة إلى جامعات أخرى في أمريكا وكندا وأوروبا وآسيا.
لكن، رغم هذا المستوى من الوعي، لا يزال الطبيب النفساني في الغالب يكتب في وصفته اسم الدواء، ولا يخطر له أن يضيف إليه عنوان رواية. والحال أن الدواء يعدّل كيمياء الدماغ، لكنه لا يمنح المريض لغة يعبّر بها عن ألمه. علما أن القدرة على التعبير عن الألم خطوة حاسمة نحو العلاج. أما الرواية فتُريه جرحه في مرآة غيره، فيدرك أنه ليس وحيدًا، وأن لألمه اسمًا وحكاية ومخرجًا ممكنًا. ليست الرواية بديلًا عن الطبيب، لكنها حليفه الثمين الذي لا يزال ينتظر عند باب معظم الأطباء النفسانيين. ولعل شهرزاد كانت أول من أدرك ذلك.






