سياسة واقتصاد

هل استنسخت المنصوري التجربة الفرنسية وألحقت قطاع التواصل بالثقافة؟

خالد أخازي

ثمة إصلاحات تبدأ بتغيير المؤسسات، وأخرى تبدأ بتغيير أسمائها. وبين الأمرين مسافة لا تقاس بعدد الكلمات المحذوفة من التسمية الرسمية، بل بما يتغير فعليا في توزيع السلطة والمسؤولية. في المغرب، لم يعد التواصل حاضرا في اسم الوزارة التي تجمع الشباب والثقافة. وقد يبدو ذلك دون أهمية تذكر في إعادة ترتيب الحكومة، لكنه يطرح سؤالا يتجاوز الهندسة الوزارية: ما الموقع الذي ستحتله الصحافة في البنية الحكومية الجديدة بعد حذف " قطاع التواصل"؟

ليس حذف قطاع من اسم وزارة دليلا، في حد ذاته، على تراجع سياسي أو تضييق على الإعلام. فالدولة تستطيع أن تدبر اختصاصات متعددة داخل وزارة واحدة، كما تستطيع أن تشتتها بين مؤسسات عدة. غير أن الاختيار الإداري لا يصبح إصلاحا لمجرد أنه يقلص عدد العناوين. قيمته تتوقف على وضوح الصلاحيات، واستمرارية السياسات العمومية، وإمكانية مساءلة المسؤولين عنها.

تقدم فرنسا مثالا مفيدا في هذا الصدد. فهي لا تضم وزارة مستقلة للتواصل، لكن السياسة الإعلامية ودعم الصحافة يظلان ضمن اختصاصات مؤسسات حكومية معلومة، في مقدمتها وزارة الثقافة، بينما تتولى مصلحة الإعلام الحكومي تنسيق التواصل الرسمي. لا يعني هذا الترتيب أن العلاقة بين السلطة والإعلام خالية من التوتر، بل يعني أن غياب وزارة مستقلة لا يستلزم اختفاء الوظائف المرتبطة بها.

وهنا تحديدا ينبغي أن تتجه المقارنة المغربية الفرنسية. ليس المطلوب معرفة ما إذا كانت الحكومة المغربية ستحتفظ باسم القطاع أو تتخلى عنه، بل تحديد الجهة التي ستتولى اختصاصاته، ومصير برامج دعم الصحافة، والضمانات التي تحكم توزيع المال العام على المؤسسات الإعلامية.

فالدعم العمومي ليس مسألة محاسبية محضة. إنه خيار سياسي تتصل نتائجه بتعددية الإعلام وقدرة المؤسسات الصحفية على الاستمرار. وحين تكون الموارد العمومية جزءا من اقتصاد الصحافة، يصبح وضوح معايير الاستفادة ونشر القرارات وإمكانية مراجعتها شروطا أساسية للثقة. لا يكفي أن يكون الدعم قانونيا في مصدره، بل ينبغي أن يكون قابلا للفحص في طريقة توزيعه أيضا.

وتزداد أهمية هذه المسألة في سياق تتعرض فيه المؤسسات الصحفية لضغوط اقتصادية وتحولات رقمية عميقة، فيما تتسع الفجوة بين سرعة تداول المعلومات وقدرة الصحافة المهنية على تمويل التحقيق والتحقق والإنتاج المستقل. في مثل هذا السياق، لا يكون السؤال عن الجهة المشرفة على القطاع شأنا إداريا محدودا، بل يتعلق بشروط إنتاج المعلومة نفسها.

ثمة خطر آخر لا يقل أهمية: أن يؤدي توزيع الاختصاصات بين قطاعات مختلفة إلى إضعاف وضوح المسؤولية السياسية. فحين تتداخل الجهات، يصبح من السهل إحالة الأسئلة من مكتب إلى آخر، ويصعب على المهنيين والرأي العام تحديد المسؤول عن القرار. وقد تستمر الإدارة في العمل، بينما تتراجع إمكانية محاسبتها. وهذا أحد أوجه الخلل الذي ينبغي لأي إعادة تنظيم حكومي أن تتجنبه.

لكن من غير المنهجي اعتبار حذف التواصل من التسمية دليلا على نية التضييق، مثلما لا يصح تقديمه باعتباره تحديثا ناجحا قبل الاطلاع على تفاصيله. الحكم يقتضي فحص النصوص التنظيمية، وتحديد الاختصاصات الجديدة، ومتابعة القرارات المتعلقة بالدعم والإعلام. أما الاكتفاء بالرمزية، إيجابا أو سلبا، فيحوّل النقاش المؤسساتي إلى معركة حول الكلمات.

المسألة، في النهاية، ليست أن يكون للصحافة وزير خاص بها، بل أن تكون لها سياسة عمومية واضحة، وأن يخضع دعمها لقواعد معلنة، وأن تظل مسؤولية الدولة تجاهها محددة وقابلة للمساءلة. فالوزارة ليست ضمانة للاستقلال، كما أن غيابها ليس ضمانة للفعالية.

يمكن للحكومة المغربية أن تختار البنية التي تراها مناسبة. لكن عليها أن توضح ما الذي ستكسبه الصحافة من هذا التغيير، لا أن تكتفي بما ستكسبه الإدارة من اختصار في التسمية. فالإصلاح الذي لا يشرح أثره يترك المجال للتأويل، والإدارة التي لا تحدد مسؤولياتها تجعل المساءلة أكثر صعوبة.

قد يغيب التواصل عن اسم الوزارة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين يسأل الصحافي عن الدعم، ويطالب المواطن بالمعلومة، ويبحث البرلمان عن المسؤول عن القرار. عندها فقط يتبين ما إذا كان التغيير قد أعاد تنظيم السلطة، أم أعاد توزيع الغموض.