أن تُعيَّن مديحة خيبر، ثم تُقال بعد يومين فقط، وأن تصف رئيسة الحكومة هذا القرار بأنه «جرأة سياسية»، فذلك يطرح قضية تتجاوز الإعفاء نفسه: من يتحمل مسؤولية الاختيار؟ وما المعايير التي تُعتمد حين تُحدَّد أسماء من سيتولون المسؤولية الحكومية؟
فالحكومة ليست مجالاً لتجريب الأسماء، والحقائب الوزارية ليست مواقع تُمنح ثم يُتراجع عن منحها بعد يومين. وإذا كان الإعفاء دليلاً على الجرأة، فماذا عن قرار التعيين؟ من دقّق في الملف قبل وضع الاسم ضمن التشكيلة الحكومية؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية حين يُراجع قرار بهذا الحجم بعد يومين فقط؟
ولا تقف القضية عند حالة مديحة خيبر. فقد أُثيرت حول بعض الوزراء الجدد ملفات تناولتها تقارير صحفية، كما وردت ملاحظات في تقارير مؤسسات رقابية. ولا تعني هذه المعطيات بالضرورة ثبوت إدانة قضائية، لكنها تستدعي التحقق والتدقيق قبل التعيين، حتى لا يجد الرأي العام نفسه أمام أسئلة كان من الممكن التعامل معها مسبقاً.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: أحد أعضاء حكومتك السيدة الرايسة، سبق أن تحدث عن معرفته بتفاصيل حياة أحد المسؤولين، حتى لون جواربه. فإذا كانت المعرفة تصل إلى هذه التفاصيل الشخصية الدقيقة، فلماذا لا تحظى الملفات والتقارير المنشورة بالتدقيق نفسه قبل توزيع الحقائب الوزارية؟ هل أصبح لون الجوارب أسهل معرفة من حقيقة الملفات التي تحيط ببعض المرشحين للمسؤولية؟
ليس المقصود من استحضار هذا التصريح مجرد السخرية منه، بل مساءلة الفارق بين معرفة تفاصيل الحياة الشخصية للمسؤولين، والتحقق من المعطيات التي تهم تدبير الشأن العام. فالمطلوب قبل التعيين ليس معرفة لون الجوارب، بل فحص الملفات المتاحة والتعامل بجدية مع ما تتضمنه من معطيات. وإذا ظهرت هذه المعطيات بعد التعيين، فمن حق الرأي العام أن يعرف ذلك؛ أما إذا كانت منشورة قبله، فمن حقه أن يسأل لماذا لم تؤخذ بعين الاعتبار.
والأكثر إثارة للسخرية أن الرأي العام بات يفتش في الملفات ويكشف ما كان يفترض أن يُفحص قبل التعيين، فيما تنتظر الحكومة حتى يشتعل الجدل لتتحرك. المواطن يدقّق، والرأي العام ينذّر، والحكومة تتدخل بعد فوات الأوان، ثم تسمي التراجع «جرأة سياسية» فمن يتحمل مسؤولية الاختيار حين يسبق الرأي العام مؤسسات الحكومة إلى إثارة الأسئلة؟
رئيسة الحكومة لا تتحمل مسؤولية كل ما يُثار حول أعضاء حكومتها، لكنها تتحمل مسؤولية معايير اختيارهم، ومدى التدقيق في ملفاتهم، وكيفية التعامل مع المعطيات التي تستوجب التوضيح. فالمسؤولية السياسية تبدأ من لحظة الاختيار، ولا تنتهي بمجرد إبعاد الوزير عن منصبه؛ بل تقتضي توضيح ما جرى، وكيف اتُّخذ القرار، وما الذي استدعى التراجع عنه.
وفي دولة المؤسسات، لا تكفي سرعة الإعفاء لإغلاق النقاش حول مسؤولية الاختيار. فحين يُعيَّن شخص ثم يُعفى بعد يومين، لا يعود الأمر متعلقاً بمصيره وحده، بل أيضاً بطريقة تدبير التعيينات الحكومية ومعاييرها.
إذا كانت رئيسة الحكومة تصف الإعفاء بأنه «جرأة سياسية»، فإن من حق الرأي العام أن يسائلها عن الجانب الآخر من القرار: مسؤولية التعيين وما سبقه من تدقيق. وحين تصبح اختيارات الحكومة نفسها موضع تساؤل، لا يعود النقاش محصوراً في وزيرة غادرت منصبها بعد يومين، بل يمتد إلى المسؤولية السياسية لرئيسة الحكومة عن الطريقة التي تُشكَّل بها حكومتها. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل يكفي التراجع عن تعيين أثار الجدل، أم أن الأمر يستدعي أيضاً مساءلة من اتخذ قرار التعيين، وصولاً إلى طرح مسؤولية استمرار رئيسة الحكومة نفسها في منصبها؟






