رأي

جمال المحافظ: مكانة الاعلام في زمن الحكومة الجديدة

 من بين الملاحظات التي أثيرت فور الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة، غياب قطاع التواصل عن الهندسة الوزارية، وهو ما جعل عددا من المتابعين، يطرحون تساؤلات حول الموقع الذي قد تحتله الصحافة والإعلام برنامج الحكومة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026، في الوقت الذي كان هذا القطاع تابعا لوزارة الشباب والثقافة والتواصل.

وإذا كان يلاحظ الاستغناء لحد الآن عن قطاع التواصل، فإنه استبدل في الهندسة الحكومية الجديدة، بالرياضة التي أضيفت الى قطاعي الشباب والثقافة. فالمرسوم رقم 2.24.1143 الصادر في 11 أبريل 2025، يحدد تنظيم واختصاصات ومهام قطاع التواصل الذي يتولى بموجبه إعداد وتنفيذ السياسة الحكومية في مجالات الصحافة المكتوبة والإلكترونية والسينما والصناعة السنيمائية، والألعاب الالكترونية ونظم المعلومات، فضلا عن الإشهار وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.

مرحلة جديدة

وفي ظل هكذا وضع، تثار أسئلة منها هل ستولى الحكومة الجديدة في إطار السياسات العمومية، الاهتمام المطلوب للإعلام، وتجاوز حالات التوتر التي عرفتها الخمس سنوات الماضية، خاصة عند طرح وإقرار قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مع ما يلاحظ من انغلاق لقنوات الحوار والنقاش العمومي زادتها الأعطاب التي يعانى منها منذ عقود حقل الإعلام، وذلك حتى تدشن الحكومة مرحلة جديدة في هذا القطاع الحيوي.

غير أن هناك بالمقابل من يرى بأن من شأن التجربة والخبرة التي راكمتها الهيئات السياسية المشكلة للأغلبية خاصة الأحزاب التي سبق أن تولى وزراء عنها حقيبة الاعلام (الراحل محمد العربي المساري عن حزب الاستقلال الذي خلفه محمد الأشعري عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعن حزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله وزير التربية الوطنية والتعليم الأولى والتكوين المهني والتأهيل في الحكومة الجديدة)، وهو ما قد يشكل عاملا في احداث التغيير المنشوذ في هذا القطاع الحيوي الذي يشكلون الفاعلون فيه الرأي العام.

وإن كانت الصحافة والاعلام تعرف تراجعا ملحوظا على المستويين الموضوعي والذاتي، وهو وضع يتزايد سنة بعد أخرى، وعاملا لما نشهده من لجوء مكثف من طرف شريحة واسعة من الرأي العام خاصة الشباب إلى وسائط التواصل الاجتماعي، كمصدر رئيس يستقون منها الأخبار والمعلومات. لكن يظل الأمل في أن تتمكن الحكومة من إعطاء الأهمية اللازمة للإعلام الذي بدون الارتقاء به، يكون كل حديث عن أي إصلاح سياسي واقتصادي وديمقراطي وانصاف، غير ذي معنى.

استراتيجية إعلامية

 لذا يتعين الوعي بأن الإعلام - في ظل التحولات الدولية والاستراتيجية - تحول سواء زمن الحرب أوفي زمن السلم، الى آلية لا غنى عنها في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، وهو ما يتطلب إعداد استراتيجية إعلامية واضحة. وقد يشكل البرنامج الحكومي ملامح المكانة التي سيكون عليها الإعلام الذي ظل دوما لا يساير إيقاع الزمن السياسي والاجتماعي.

وباعتباره مؤسسة ديمقراطية، فإنه من المفروض أن يقوم الاعلام باستقلالية بدوره الحقيقي، إسوة بما يعتمل في البلدان الديمقراطية. فدور الرقابة التي يقوم بها، حول الإعلام في العصر الراهن من سلطة رابعة الي سلطة أولى على خلاف ما يعتمل ببلدان الهشاشة الديمقراطية التي تستثمره في الدعاية. فقدرة ميديا الاعلام بصفة عامة على تعزيز الديمقراطية، مازالت، جد محدودة، إذ عندما تفقد مؤسسات الوساطة، ( الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني)، مصداقيتها، فإن وسائل الإعلام تظل حاضرة، لأنها الأداة الرئيسة لتشكيل الرأي العام وتوجيهه.

الحق في الاعلام

فأمام الحكومة الجديدة فرصة سانحة، لتفعيل الحق في الاعلام، وحرية الصحافة، التي لا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية، مع ضمان حق الجميع في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية، كما ينص على ذلك دستور 2011 الذي يلزم أيضا السلطات العمومية بالتشجيع على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، مع الالتزام بما يحدده القانون من قواعد تهم تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها، واحترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع. 

لذا فإن الحكومة الجديدة، مدعوة بالتفعيل الأمثل للدستور الذي تصدم بعض مقتضياته بإكراهات متنوعة، منها عدم استيعاب العديد من الفاعلين لدور الاعلام والضعف الملحوظ في بيئة الممارسة الإعلامية، والنقص الحاصل في التربية الإعلامية، وتراجع منسوب أخلاقيات المهنة. 

لذا فالمطروح حاليا العمل على إعداد برامج واتخاذ مبادرات فعالة لتحفيز النقاش العمومي، وتوطين موقع ووظائف الاعلام جهويا ووطنيا، مع توفير السبل الكفيلة بالارتقاء بمستوى تواصل الحكومة مع الرأي العام، حول القضايا المرتبطة بتدبير الشأن العام. يتطلب الأمر أيضا المساهمة في ترسيخ دور وسائل الاعلام كجهاز إنذار وأداة لليقظة المجتمعية وللرقابة، مع توفير البيئة التي تتيح الانتقال من علاقة الصراع، والتوتر وسوء الفهم التي ميزت دوما العلاقة ما بين السلطة والاعلام إلي علاقات مبنية على مبادئ التكامل والتعاون باستقلالية، مع التوعية والتحسيس بأهمية ممارسة حرية التعبير والصحافة والإعلام، من أجل مصالحة الرأي العام مع اعلامه.

تدابير مستعجلة

 إن من شأن اتخاذ تدابير مستعجلة وتوسيع هوامش حرية التعبير، بإمكانه أن يسهم في تقوية الصحافة والإعلام، الذي يمر عبر تنقية الأجواء وتوفير مناخ ايجابي يسمح بقيام إعلام، يضطلع بدوره كسلطة مهنية مستقلة، تناط بها بمهام الاخبار والتثقيف والتوعية، وتأهيل الاعلام العمومي حتى يكون بمقدوره القيام بوظيفة تقديم الخدمة العمومية، حتى يتحول إلى قاطرة لوسائل الإعلام، للمساهمة في رفع التحديات التي قارب عناصرها، كلا من النموذج التنموي الجديد وتقرير الخمسينية.

 والارتقاء بوسائل الاعلام التي تعد بمثابة جهاز إنذار وأداة لليقظة والرقابة المجتمعية، يستلزم إطلاق حوار واسع، والانتقال من علاقة الصراع، والتوتر والتوجس وعدم الثقة التي ميزت دوما العلاقة بين الفاعلين من مختلف المواقع، الي علاقات مبنية على مبادئ التكامل والتعاون والانصاف، حتى يتمكن الإعلام من مسايرة إيقاع الزمن السياسي والاجتماعي للبلاد.

.