حاولت أن أتخيل ما كان يدور في رأس هذا الكاتب خلال الأيام التي سبقت موعد التوقيع. ربما قضى أسبوعا كاملا يستعد لذلك اللقاء، يراجع أفكاره، ويرتب أجوبته عن الأسئلة التي ستطرح عليه، ويتخيل النقاشات التي ستدور حول كتابه. ربما رسم في مخيلته مشهدا جميلا لقاعة ممتلئة بالقراء، يرى في الصفوف الأولى شابا يحمل كتابه ويطلب توقيعه، ومثقفا يرفع يده ليعترض على فكرة وردت في أحد الفصول، وقارئا ينتظر انتهاء اللقاء ليخبره أن إحدى عباراته لامست شيئا عميقا في نفسه. ربما تخيل تصفيقا يقطع حديثه، ووجوها تنصت إليه باهتمام، وأسئلة تمنحه شعورا بأن الساعات الطويلة التي قضاها وحيدا مع الورق قد أثمرت أخيرا.
كان يذهب إلى ذلك الموعد محملا بكل هذه الاحتمالات الجميلة، ثم فتح باب القاعة ليجد الصمت جالسا على الكراسي، والفراغ ممتدا أمامه من جدار إلى جدار. في تلك اللحظة، لا أعرف ما الذي يمكن أن يقوله الإنسان لنفسه حتى يخفف عنها وطأة المشهد. ماذا يفعل الكاتب بكلماته حين لا يجد من يصغي إليها؟ وأي عزاء يستطيع أن يستحضره وهو يرى المسافة الشاسعة بين ما أمضى سنوات في بنائه داخل الكتب، وما يحدث خارجها من حوله؟
أعتقد أن بكاء حامد ياسين يستحق منا جميعا أن نتوقف طويلا أمامه. فالرجل الذي بكى في قاعة بولاية تبسة كان يحمل في داخله شيئا يتجاوز خيبة موعد ثقافي فاشل. لقد اصطدم، في لحظة قاسية، بسؤال يطارد كثيرا من الكتاب والمثقفين في مجتمعاتنا: لمن نكتب؟ ولمن نحاول أن نمنح خلاصة تجاربنا، وقلقنا، وقراءتنا للحياة، إذا كانت الكتب قد أصبحت غريبة عن يوميات الناس، وإذا كان الكاتب يجد نفسه أحيانا مضطرا إلى البحث عمن يمنحه فرصة الحديث عن عمل قضى أشهرا وربما سنوات في إنجازه؟
ولعل أكثر ما يوجع في هذه الحكاية أن الكاتب لم يذهب إلى القاعة طالبا امتيازا شخصيا أو مكافأة مادية. كان ينتظر جمهورا يشاركه فرحة صدور كتابه، ويفتح معه نافذة للنقاش، ويمنح أفكاره فرصة أخرى للحياة خارج صفحات المخطوط. فالكتاب حين يخرج إلى الناس يبدأ رحلته الحقيقية، ويظل صاحبه ينتظر أن يجد في عيون القراء ما يؤكد أن ذلك الجهد الذي بذله لم يذهب سدى. وحين لا يأتي أحد، يتسلل إلى النفس شعور ثقيل بأن سنوات العزلة والمراجعة والبحث لم تجد الطريق الذي أراده صاحبها إلى الآخرين...
تخيلوا معي المشهد نفسه لو تعلق الأمر بحفل غنائي لفنان مشهور. ربما اصطفت طوابير طويلة أمام المدخل، وربما اضطر بعض الناس إلى دفع المال للحصول على مقعد، وربما انتشرت صور الحفل ومقاطع الفيديو قبل أن تنتهي السهرة. لا مشكلة في أن يحب الناس الموسيقى، ولا عيب في أن يبحثوا عن الفرح في الأغاني. المشكلة تبدأ حين تصبح الثقافة آخر ما نفكر فيه، وحين يتحول الكتاب إلى ضيف ثقيل على مجتمع يستطيع أن يمنح ساعات طويلة للفرجة، ويجد صعوبة في تخصيص ساعة واحدة للقاء كاتب....
هنا تتكشف أزمة أعمق من مسألة الحضور والغياب. نحن أمام علاقة مرتبكة بالمعرفة، وبالجهد الفكري، وبالإنسان الذي يحاول أن يضيف شيئا إلى وعينا الجماعي. فالكاتب يحتاج إلى جمهور، والكتاب يحتاج إلى قارئ، والمجتمع يحتاج إلى الاثنين معا حتى لا تتحول حياته إلى استهلاك متواصل لما تنتجه الشاشات من صور وأصوات وانفعالات سريعة. وحين تضعف هذه العلاقة، يصبح المثقف غريبا في مدينته، ويغدو الكتاب سلعة تنتظر من يلتفت إليها، وتصبح القراءة نشاطا مؤجلا إلى أجل غير معلوم.
أتذكر هنا الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، الذي دافع في كتاباته عن القراءة التي توقظ الفكر وتدفع الإنسان إلى تجاوز كسله الذهني. فالقراءة الحقيقية تحتاج إلى صبر، وإلى استعداد لمواجهة الأفكار التي تزعجنا وتربك تصوراتنا الموروثة. وهي عملية تتطلب من الإنسان أن يمنح نفسه وقتا للتأمل، في عالم يتنافس فيه الجميع على اقتناص انتباهه. ولعل هذه الصعوبة تفسر جانبا من ابتعاد الناس عن الكتب، فالقراءة تطلب منا مشاركة عقولنا في إنتاج المعنى، بينما تمنحنا وسائل الترفيه السريعة متعة جاهزة لا تحتاج إلى جهد كبير.
ومع ذلك، لا أريد أن أختزل المشهد في اتهام الناس بالجهل أو احتقارهم لأنهم لم يحضروا. فخلف الكراسي الفارغة أسئلة اجتماعية وثقافية تستحق البحث. هل يجد الكاتب دعما من المؤسسات الثقافية؟ هل توجد مكتبات حية، وأندية للقراءة، ومدارس وجامعات تجعل الكتاب جزءا من الحياة اليومية؟ هل نمنح أبناءنا فرصة اكتشاف متعة القراءة منذ طفولتهم، أم نتركهم يكبرون وهم يرون الكتاب واجبا مدرسيا ينتهي بانتهاء الامتحان؟ ثم ماذا فعلت مؤسساتنا الثقافية حتى يصبح لقاء الكاتب بجمهوره حدثا مألوفا في المدن والقرى، لا مغامرة محفوفة باحتمال الإحباط؟
هذه الأسئلة لا تمحو وجع الكاتب، لكنها تمنحنا فهما أوسع لأسبابه. فثقافة القراءة لا تنمو بالمواعظ وحدها، ولا يكفي أن نطالب الناس باقتناء الكتب فيما تظل المكتبات بعيدة عن أحيائهم، والأنشطة الثقافية محدودة، والكتاب غائبا عن اهتمامات كثير من المؤسسات التي يفترض أن ترعى الفكر والإبداع. نحن بحاجة إلى بيئة تجعل القراءة عادة اجتماعية، وتجعل لقاء الكاتب بالقراء مناسبة ينتظرها الطرفان، وتمنح الطفل والشاب فرصة التعرف إلى الكتاب خارج ضغط المقررات الدراسية.
أما حامد ياسين، فقد خرج من قاعته بصورة موجعة ستظل عالقة في أذهان من شاهدوا الفيديو. لا أعرف ماذا حدث بعد ذلك، ولا أريد أن أنسب إليه مشاعر لم يعبّر عنها بنفسه، لكنني أستطيع أن أتخيل مقدار الثقل الذي يتركه ذلك المشهد في قلب إنسان جاء ليحتفل بعمله، فعاد محملا بأسئلة لم يكن مستعدا لمواجهتها. وربما كان صديقه الوحيد الذي حضر أكثر قيمة في تلك اللحظة من مئات الوجوه التي كان يراهن على حضورها ، فقد بقي معه حين غاب الآخرون، وشهد انكساره حين كان ينتظر أن يشهد فرحته.
ومع ذلك، أتمنى ألا تتحول تلك الكراسي الفارغة إلى حكم نهائي على قيمة ما كتبه الرجل. فعدد الحاضرين لا يحدد وحده قيمة الكتاب، والقاعة الخالية لا تستطيع أن تصدر حكما على مستقبل كاتب. كم من أعمال أدبية وفكرية لم تجد قراءها في بداياتها، ثم وجدت طريقها إلى أجيال جاءت بعدها. وقد كتب فرانز كافكا إلى صديقه أوسكار بولاك في شبابه عن الكتب التي نحتاج إليها كي تهزنا من الداخل وتوقظ فينا أسئلة جديدة، وهي فكرة تكشف مقدار ما يمكن أن يفعله كتاب واحد في حياة قارئ واحد، حتى حين لا يحظى صاحبه بجمهور واسع.
لهذا أقول إن علينا جميعا أن نبكي مكان حامد ياسين، لا شماتة في مجتمع غاب أفراده عن موعد ثقافي، ولا شفقة على رجل خانه الحضور، وإنما حزنا على المسافة التي اتسعت بين الإنسان والكتاب، حتى صار الكاتب يواجه وحده السؤال الذي يفترض أن يشغلنا جميعا. إن ما حدث في تلك القاعة يعنينا بقدر ما يعنينا مستقبل أطفالنا، وقدرتنا على التفكير، ومصير النقاش العمومي في مجتمعاتنا. فحين يتراجع حضور الكتاب، تتراجع معه فرصة الإنسان في أن يراجع أفكاره، وأن يفهم العالم خارج الصور الجاهزة، وأن يتعلم الإصغاء إلى رأي يختلف مع رأيه.
تلك الكراسي الفارغة لا تخص ولاية تبسة وحدها، ولا تخص الجزائر وحدها. إنها صورة تستحق أن نتأملها في كل مدينة عربية يذهب فيها كاتب إلى لقاء قرائه، وفي كل مدرسة يمر فيها التلميذ بجانب المكتبة من دون أن يدخلها، وفي كل بيت يحتل فيه الهاتف ساعات اليوم فيما يبقى الكتاب مغلقا فوق الرف. إنها تضع أمامنا سؤالا موجعا عن نوع الإنسان الذي نصنعه، وعن المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه، وعن الأشياء التي تستحق أن نمنحها وقتنا واهتمامنا.
أكثر ما أخشاه أن يأتي يوم يصبح فيه مشهد الكاتب وهو يبكي أمام قاعة فارغة أمرا عاديا، ثم نعبر عنه بإعجاب صغير، ونكتب بعض التعليقات المتضامنة، ونعود إلى حياتنا من دون أن يتغير شيء. عندها سنكون قد اعتدنا رؤية الثقافة وهي تنسحب من حياتنا، واعتدنا رؤية أصحاب الفكر وهم يواجهون وحدهم تبعات اختيارهم للكلمة والمعرفة.






